عامل في إحدى الشركات التي تبحث عن النفط في جنوب كزاخستان

لم تتمكن دول آسيا الوسطى بعد من الانتقال من مرحلة الاقتصاد الأحادي الذي ورثته عن الاتحاد السوفياتي الذي كرس النشاط الزراعي النقدي وإنتاج الخامات المعدنية الأولية أو الصناعات الثانوية.
 
وهو ما جعل هذه الدول تصنف ضمن دول العالم النامي وإن كان الفارق كبيرا بين حالة الفقر والتأخر في طاجيكستان والتقدم النسبي في كزاخستان. 
 
ومع انتهاج هذه الدول سياسة السوق المفتوح وقبول الرأسمالية وفتح الباب للقطاع الخاص تعثرت أغلب دول المنطقة وعانت بدرجات متفاوتة من الكساد.
 
تباين مستويات الأزمة
وقد تباينت دول الإقليم في مستوى الأزمة التي عانتها. فقد دخل الاقتصاد في قرغيزستان عدة مرات خلال السنوات 15 الماضية في أزمات حادة، رغم الجهود التي بذلت لتبني اقتصاد السوق والتحاقها كأولى دول الاتحاد السوفياتي السابق بمنظمة التجارة العالمية عام 1998. وما يزال القطاع الصناعي غير قادر على العودة إلى ثلث ما كان ينتجه إبان الفترة الشيوعية.
 
وعدت طاجيكستان أكثر الدول تضررا بسبب انهيار تصدير القطن إلى نصف ما كان عليه في عهد التبعية للاتحاد السوفياتي، وشهد قطاع الحبوب الزراعية تدهورا مماثلا. كما تعثرت صناعة الألومنيوم، وتزايد اعتمادها على الإعانات الدولية والمساعدات الروسية.
 
وتنافس أوزبكستان طاجيكستان في احتلال الموقع الأخير في اقتصادات آسيا الوسطى بسبب اعتماد اقتصادهيما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي على على عائداته من السلع الزراعية الخام التي عانت انهيارا ملموسا في السنوات الأخيرة.
 
"
اكتشافات النفط والغاز قد تؤدي إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية في كل من كزاخستان وتركمانستان إلا أنه من الصعب القول إنها قد تؤدي إلى إصلاح في الحياة السياسية، بل يتوقع البعض أن يزداد الاستبداد مع زيادة الثروة
"
وللخروج من التدهور الذي أصاب الإنتاج الزراعي تعول دول المنطقة، وبصفة خاصة كزاخستان وتركمانستان، على الغاز الطبيعي كمصدر للإصلاح الاقتصادي. ويساهم في تحقيق ذلك رغبة السوق الأوروبي في فك احتكار روسيا لتوريد الغاز مع توقعات بارتفاع نسبة استهلاك أوروبا للغاز الروسي من 50% إلى 70% بحلول عام 2020. 
 
النفط لن يحل الأزمة
كما تمثل كزاخستان وتركمانستان للصين مصدرا مهما في خريطة البحث عن مصادر بديلة لنفط الشرق الأوسط. ونجحت الصين في تثبيت أقدامها على مشارف بحر قزوين بالاستثمار في ثلاثة حقول رئيسية في غربي كزاخستان ووقعت معها عقدا لمد خط أنابيب ينقل النفط من آسيا الوسطى إلى إقليم شينغيانغ في غربي الصين ومنه إلى شنغهاي في شرقي البلاد. كما بدأت بالفعل في التنقيب عن النفط في أوزبكستان.

لا تقف روسيا هنا مكتوفة الأيدى، فشركتها العملاقة غازبروم تقتحم حقول الغاز في آسيا الوسطى مستندة إلى مكانتها المتنامية كشركة عابرة للقارات وإنتاجها الذي يقترب من 20% من إجمالي الإنتاج العالمي للغاز. وما زالت دول آسيا الوسطى تبحث عن حل لمعضلة شراء غازبروم الغاز من أراضيها بأسعار زهيدة وبيعه لأوروبا بأسعار السوق العالمي.

ومع قلق الدول الغربية من تزايد الدور الجيوسياسي لغازبروم –بما لا يقل تهديدا لدى بعض المراكز البحثية عن التمدد الجغرافي أو التهديد العسكري- تم تشكيل اتحاد سياسي يحمل اسم غوام ويضم أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا وأذربيجان وأوزبكستان ويهدف إلى البحث عن بديل للغاز الروسي بتدعيم الشراكة بين دول آسيا الوسطى والقوقاز والاتحاد الأوروبي. وقد نجحت روسيا في إقناع أوزبكستان -الدولة الوحيدة العضو في هذا الاتحاد من بين دول آسيا الوسطى- بالانسحاب من غوام في 2005.

وعلى الرغم من أن اكتشافات النفط والغاز قد تؤدي إلى مزيد من تحسين الأوضاع الاقتصادية في كل من كزاخستان وتركمانستان -وبقدر ما عبر تجارة المرور في أوزبكستان- فإنه من الصعب التأكيد على أن هذه الاكتشافات قد تؤدي إلى إصلاح في الحياة السياسية، بل يتوقع البعض أن يزداد الاستبداد مع زيادة الثروة.
 
ويزداد الاستحواذ على السلطة مع تعاظم الدور الخدمي الذي ستلعبه هذه الدول لصالح الدول الغربية وروسيا ضمن شعار "تأمين أسواق الطاقة"، وهو ما قد لا يحمل آمالا بتغيير إيجابي في المستقبل المنظور، خاصة أن أغلب رؤساء دول المنطقة إما مددوا فترات حكمهم لعقد مقبل من الزمن أو أغلقوا الباب نهائيا بحصولهم على فترات رئاسية مدى الحياة، وهو ما ترك دولة مثل تركمانستان في أزمة بنيوية حين توفي رئيسها السابق صابر مراد نيازوف في نهاية عام 2006.