أدى الرئيس حافظ الأسد أدواراً رئيسية في القضية الفلسطينية على مدى الثلاثين عاماً التي قضاها حاكما لسوريا، وأسهم في صناعة أحداث هامة من أبرزها حربا 1967 و1973، إلى جانب دوره الأساسي في لبنان. واستضافت بلاده العديد من فصائل المقاومة والمعارضة الفلسطينية، وظل متمسكاً حتى وفاته بشروط تفاوضية عالية لإقامة سلام بين بلاده وإسرائيل.

الميلاد والنشأة
ولد الرئيس السوري السابق في قرية قرداحة بمحافظة اللاذقية عام 1930 لأسرة تعمل في فلاحة الأرض وتنتمي إلى الطائفة العلوية، وهو الابن الأكبر للأسرة، أما أخوه الأصغر فهو رفعت الأسد الذي تولى مناصب عدة في الدولة السورية كان آخرها نائباً لرئيس الجمهورية، ثم حدث خلاف بينه وبين أخيه أدى إلى إبعاده إلى فرنسا.

الحياة الاجتماعية
تزوج حافظ الأسد من السيدة أنيسة مخلوف وأنجب منها بشرى التي تعمل طبيبة صيدلانية، والرائد الركن باسل الذي توفي في حياة والده إثر اصطدام سيارته الخاصة في دمشق في 21/1/1994، والعقيد الركن الدكتور بشار -الرئيس الحالي- طبيب أمراض العيون وضابط مدرعات في الجيش السوري، والرائد الركن المهندس ماهر، ومجد الحاصل على درجة جامعية في الاقتصاد.

التعليم
التحق حافظ الأسد بالأكاديمية العسكرية في حمص عام 1952 وتخرج فيها عام 1955، ثم التحق بعد ذلك بالأكاديمية الجوية التي تخرج فيها عام 1958 طياراً في السلاح الجوي.

التوجهات الفكرية
تأثر حافظ الأسد بأفكار حزب البعث، و
يعتبر نفسه من دعاة القومية العربية، وفي سبيل ذلك بنى مواقفه السياسية تجاه مصر عقب زيارة السادات للقدس عام 1977 وتوقيعه معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وكذلك مع منظمة التحرير الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو عام 1993. أما على المستوى الداخلي فلم تحظ المسألة الديمقراطية باهتمامه إذ سيطر على البلاد حزب واحد هو حزب البعث ولم تتح الفرصة للمعارضة للوجود والتعبير عن رأيها وكثرت تقارير منظمات حقوق الإنسان التي تتحدث عن انتهاكات عديدة تعرض لها السياسيون المعارضون.

حياته العسكرية والسياسية
في حزب البعث
بدأ اهتمام حافظ الأسد بالأمور العامة مبكراً، فقد كان رئيس فرع الاتحاد الوطني للطلبة في محافظة اللاذقية، ثم رئيساً لاتحاد الطلبة في سوريا، وانضم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1946 عندما شكل رسمياً أول فرع له في اللاذقية، وأصبح عضواً قيادياً في التشكيلات العسكرية للحزب منذ عام 1960.

قائدا للسلاح الجوي
أبعد الأسد عن الجيش مع بدء ما عرف بعهد الانفصال الذي ألغى دولة الوحدة مع مصر، وأعيد مرة أخرى إلى الخدمة عام 1963 بعد الانقلاب الذي قاده مجموعة من ضباط حزب البعث وحركة القوميين العرب والناصريين بقيادة لؤي الأتاسي وزياد الحريري، ورقي آنذاك إلى رتبة لواء وكان يبلغ من العمر 34 عاماً، ثم عُيِّن في العام التالي مباشرة (1965) قائداً للسلاح الجوي.

وزيرا للدفاع
وفي 23 فبراير/ شباط 1966 كان الأسد أحد قادة الانقلاب الذي أطاح بالقيادة القومية المدنية للحزب وحكم الفريق أمين الحافظ، وبعد بضعة أيام من الانقلاب أصبح الأسد وزيراً للدفاع.

دوره في حرب 1967
كان الأسد وزيراً للدفاع وقائداً للسلاح الجوي حينما فقدت سوريا مرتفعات الجولان في حرب يونيو/ حزيران 1967، وبعد تلك الهزيمة القاسية تبودلت الاتهامات ووقعت اعتقالات كثيرة، وساد نوع من عدم الاستقرار السياسي استغله حافظ الأسد في الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري عام 1970، ثم أصبح رئيساً للجمهورية العربية السورية عام 1971، وكان بذلك أول رئيس في التاريخ السوري ينتمي إلى الطائفة العلوية. وبعدها أعيد انتخابه في استفتاءات متتابعة أعوام 1978 و1985 و1992 و1999 وفي كل مرة كان يحصل على نسبة أصوات تقارب الـ100%.

دوره في حرب 1973
نسق الرئيسان حافظ الأسد وأنور السادات في الاستعدادات الخاصة بحرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، فكلتا الدولتين لها أراض محتلة منذ هزيمة يونيو/ حزيران 1967، ثم وقع الخلاف بينهما بعد أن وقعت مصر الاتفاق الثاني لفصل القوات بين مصر وإسرائيل، وشكلت سوريا مع كل من ليبيا واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية جبهة الصمود والتصدي بعد توقيع الرئيس السادات معاهدة كامب ديفد مع إسرائيل عام 1979.

علاقاته مع الاتحاد السوفياتي
وتوطدت العلاقة بين سوريا والاتحاد السوفياتي السابق، فقد وقع الأسد والرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف في 8/10/1980 معاهدة صداقة وتعاون مدتها 20 عاماً، ووقعت اتفاقية مشابهة مع إيران بعد الثورة الإسلامية التي قادها آية الله الخميني عام 1979.

دوره في لبنان
تؤدي سوريا دوراً كبيراً في الحياة السياسية والعامة في لبنان منذ دخول قوات كبيرة من الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، وأدى هذا الحضور القوي إلى تكوين موقف لبناني من المفاوضات والعملية السلمية مشابه لموقف سوريا، وإلى نشاط المقاومة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي والتي أدت إلى انسحاب إسرائيلي من لبنان دون شروط أو اتفاقات.

دوره في حرب الخليج الثانية
وشارك الجيش السوري عام 1991 مع قوات التحالف الدولية لتحرير الكويت، وبعد الحرب كونت سوريا ومصر ودول مجلس التعاون الخليجي منظومة دفاعية سميت بدول إعلان دمشق.

علاقته بإسرائيل
انتهج الرئيس السوري حافظ الأسد أسلوباً حذراً في تعامله مع ملف مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية، وذلك منذ إبرام الرئيس المصري أنور السادات سلاماً منفرداً مع إسرائيل أواخر السبعينيات، وظل لفترة طويلة يمسك بعدة خيوط يجيد استخدامها في مفاوضاته مع إسرائيل، منها الدعم السوري لحزب الله في الجنوب اللبناني، والدعم السياسي لعدد من فصائل المعارضة الفلسطينية.

التفاوض بشروط عالية
ويقول عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز إنه أصر دوماً على مطالب أكثر مما ينبغي.

وأما هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس نيكسون ومستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق والذي دخل في وساطة للسلام بين سوريا وإسرائيل عقب حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 ولم تنقطع صلته بالأسد حتى وقت متأخر من التسعينيات، فإنه في حوار أجراه معه مراسل مجلة نيوزويك مايكل هيرش ونشرته الطبعة العربية من المجلة في عددها بتاريخ 20 يونيو/ حزيران 2000 عقب وفاته، سئل عن مكانة الأسد التاريخية وأثره في سوريا فقال "لم يكن الأسد ملماً بالغرب جيداً، وأعتقد أنني كنت أول شخص من الغرب يتفاوض معه بشكل منتظم، وكان يتمتع بذكاء فوق العادة، وبحس للدعابة، وكان أيضاً قاسياً لا يرحم، وتتملكه المشاعر القومية".

ولدى سؤاله عن أسلوبه في التفاوض يقول كيسنجر إنه "كان يتعامل بطريقة تجارة المفرّق، فوجب عليه إثبات أنه لم يعط شيئاً دون مقابل، وأعتقد أن وضعه الداخلي والمخاوف من القوميين العرب لم تمكنه من كسر جمود المفاوضات. واتصلت به بعد أن وقع الرئيس السادات اتفاق فك الاشتباك بين مصر وإسرائيل وقلت له: ليس أمامك خيار الآن وعليك أن تفعل الشيء نفسه بلباقة أو بطريقة تعوزها الكياسة، فرد الأسد عليَّ بقوله: أنت مخطئ، فقد فشلتم في فيتنام، وسوف تبيعون تايوان في يوم ما، وسنظل نحن باقين عندما تتعبون من إسرائيل (يضحك الأسد). فقلت له إن هذا لن يحدث".

وعن الإضافات التي أضافها الأسد لسوريا على مدى الثلاثين عاماً التي قضاها رئيساً عليها يقول كيسنجر في الحوار نفسه لم يكن الأسد رجل التغيرات الكبرى، ولكنه كان رجل البقاء مع الإضافات الصغيرة.

قمة جنيف
كانت آخر محاولة للتوصل إلى إقامة سلام بين سوريا وإسرائيل تلك التي قام بها الرئيس الأميركي بيل كلينتون أثناء لقائه الأسد في 26 مارس/ آذار 2000 بجنيف، فقد قدم كلينتون في ذلك اللقاء الذي استمر خمس ساعات خريطة وضع عليها تعديلا لحدود 1967، ولكن الأسد رفضها وفضل الانتظار لاستعادة الجولان كاملة.

وفاته
مات الرئيس السوري يوم السبت 10 يونيو/ حزيران 2000 في دمشق إثر أزمة قلبية مفاجئة أثناء محادثة هاتفية مع الرئيس اللبناني إميل لحود عن عمر يناهز السبعين عاماً. ومات الأسد بعد أن مهد الجو السياسي في سوريا لتولي ابنه بشار الحكم خلفاً له.
______________
المصادر:
1 -
President Hafez Al-Assad in Profile, The Syrian Ministry of Information
2- مايكل هيرش، مجلة نيوزويك، الطبعة العربية، 20 يونيو/ حزيران 2000.