إسرائيليون عرب أثناء تظاهرة خارج مقر السفارة الأميركية في تل أبيب للمطالبة بانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق الفلسطينية المحتلة
*بقلم/ أحمد أبو حسين

ستجري في الـ 28 من يناير/ كانون الثاني من هذه السنة الانتخابات المبكرة للبرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، حيث تقارب نسبة أصوات العرب الفلسطينيين خمس الأصوات عموما. لكن هذه الانتخابات ستجري وسط تطورات جديدة كل الجدة تتعلق بتصويت الفلسطينيين، سواء من حيث التطورات المتعلقة بإسرائيل أو تلك الخاصة بهذه الجماهير.

داخل هذه التطورات يمكن الإشارة إلى ما يلي:

  • استمرار الانتفاضة الفلسطينية (انتفاضة القدس والأقصى) المتفجرة منذ سبتمبر/ أيلول 2000، والتي أدى الفشل الإسرائيلي في قمعها حتى الآن -ضمن أشياء أخرى- إلى سقوط حكومتين إسرائيليتين على التوالي (حكومة إيهود باراك في العام 2001 وحكومة أرييل شارون في العام 2002).
  • مقاطعة الناخبين الفلسطينيين الانتخابات الرئاسية في إسرائيل في فبراير/ شباط 2001 والتي فاز فيها أرييل شارون على منافسه إيهود باراك، مما أدى إلى اعتزال الأخير الحياة السياسية كليا.
  • بقاء الجزء المتعلق بفلسطينيي 1948 من انتفاضة 2000 مفتوحاً على شتى الاحتمالات، ونقصد قيام القوات الإسرائيلية بقتل ثلاثة عشر شاباً فلسطينياً، خلال حملة التضامن مع الانتفاضة المذكورة. والمعنى من وراء قولنا بصدد هذا "الملف المفتوح" أن "حديث المستحقات" بشأن المجزرة الإسرائيلية لا يزال مؤجلاً، في حين أن الأجواء السياسية الداخلية بدأت تشهد منذ ذلك التاريخ ما يمكن اعتباره وضعاً جديداً في علاقة الدولة العبرية بالأقلية القومية الفلسطينية، وبالعكس كذلك. ويتحدّد جوهر هذا الوضع في بروز حالة من التحريض العنصري على هذه الأقلية، تشير كل الدلائل إلى كونها سائرة في خط تصعيدي مطرد، غايتها أن تؤول إلى نزع الشرعية السياسية عن هذه الأقلية في اتخاذ مواقف ورؤى بخصوص ما يجري وخصوصا بشأن المستقبل.

الحضور السياسي العربي في إسرائيل
عرب 1948 ومساندة الانتفاضة الثانية
أين المشكلة؟
الأحزاب العربية وتحالفاتها

الحضور السياسي العربي في إسرائيل


منذ الانتفاضة برزت الحاجة إلى إعادة بناء الحركة الوطنية العربية في داخل إسرائيل، إذ لابد من برنامج يربط الحقوق المدنية بالحقوق القومية ويؤكد على تنظيم الأقلية العربية داخل إسرائيل

يمكن الإحاطة أكثر بدلالة هذه التطورات وغيرها، بالعودة إلى قراءة سريعة لسيرورة الحضور السياسي العربي في إسرائيل بعد 1948.

من نكبة 1948 إلى نكسة حزيران
بعد النكبة في العام 1948 وحتى حرب يونيو/ حزيران 1967، كان المميز لسياسة الدولة العبرية هو عزل الفلسطينيين في "جيتوات" معزولة تخضع للحكم العسكري وأجهزة المخابرات التي كانت تتحكم بحياتهم، من خلال ربط مصالحهم بالأحزاب الصهيونية. وعاش عرب 1948 حصارا وإفقارا بواسطة نظام الحكم العسكري المباشر الذي لم يضمن نزع وعيهم القومي ودمجهم في المجتمع الإسرائيلي، حيث أن أشكال القمع الإسرائيلي المختلفة كانت في نفس الوقت مصدرا موضوعيا لتغذية الوعي الجماعي للفلسطينيين. وقد تعمدت الدولة العبرية إلى إلغاء أي ذكر لفلسطين من الخارطة والتاريخ والأدب ومجمل اللغة المتداولة علنا. وتتالت بعد ذلك المرادفات، فظهرت تسميات مثل عرب إسرائيل أو أبناء الأقلية دون الاعتراف بها كأقلية قومية، لنزع صفة المجموعة القومية والوطنية عن أبناء الشعب المنكوب وأصحاب البلاد الأصليين.

بين النكبة والنكسة انقسم العرب في إسرائيل إلى ثلاثة تيارات:

  1. التيار القومي الذي تأثر بالحركة القومية العربية وبعبد الناصر، إلا أن هذا التيار الذي عرف بحركة الأرض في حينه لم يكن منظما، مما جعل إسرائيل تنجح في دفعه إلى الهامش ومحاصرته، ومن ثم نزعت عنه صفة الشرعية عندما قرر خوض الانتخابات الإسرائيلية السادسة للكنيست. وقد خاف المجتمع العربي الذي عاش في فترة الخوف من الحكم العسكري الخروج والدفاع عن هذا التيار.
  2. أما التيار الثاني فهو الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهو حزب عربي يهودي ناضل من أجل تحقيق المساواة للعرب وإلغاء الحكم العسكري.
  3. والتيار الثالث هو التيار المرتبط بالأحزاب الصهيونية وخاصة حزب "مباي" (حركة العمل) وحزب "مبام"، وهما من أحزاب السلطة الحاكمة لفترة طويلة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا التيار كان سائدا وعبر عن مصالح قوى اجتماعية وعائلية لضمان الوظيفة ولقمة العيش، الأمر الذي ساهم كثيرا في عملية التهميش الوطني والقومي.

ما بعد النكسة.. العمل الفدائي
كانت الأجواء الشعبية بعد يونيو/ حزيران 1967، والتي احتقنت بالمرارة والأسى بسبب انكسار المشروع القومي النهضوي الذي قاده عبد الناصر قد انتقلت وبسرعة إلى عملية البحث عن الذات، عبر اختراق المناطق المحتلة في العام 1967 والوصول إلى الأقارب والأصدقاء هناك. في تلك المرحلة بدأ الشباب الفلسطيني في منطقة 1948، وبسبب غياب العمل السياسي المنظم وبسبب الهزيمة أيضا، الاتصال بمنظمات المقاومة الفلسطينية التي وجد الكثير من كوادرها القيادية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكانت هذه مرحلة المساهمة في العمل الفدائي. وقد دفع المساهمون ثمنا باهظا لانتمائهم، سواء بالتعذيب أو السجن أو التنكر لهم من قبل الوجهاء، والذي تحول لاحقا إلى تمجيد هؤلاء المناضلين.

السبعينيات.. تنامي الوعي
في بداية السبعينيات ومع تصاعد العمل الفلسطيني المسلح وصعود نجم منظمة التحرير وانتصار أكتوبر 1973، تنامي الوعي الفلسطيني وتزايدت الجرأة الجماهيرية. وقد تجسد هذا الوعي بتأسيس الحركة الطلابية العربية في الجامعات الإسرائيلية والاتحاد القُطري للطلاب الثانويين، وتنظيمات محلية دافعها قومي مثل حركة أبناء البلد.

أدت التغييرات الاجتماعية والسياسية إلى أول مواجهة عنيفة مع المؤسسة الإسرائيلية في 30 مارس/ آذار 1976. وعرف هذا اليوم بيوم الأرض، الذي يعتبره المحللون والأكاديميون فاتحة نضال الشعب الفلسطيني في مناطق 1948 ونقطة تحول مفصلية في حياة العرب. شعر العرب الذين نظموا إضرابا عاما ومظاهرات أسفرت عن استشهاد ستة مواطنين أنهم أقوياء مع أنهم خافوا من قوتهم. ومنذ ذلك الحين تحول يوم الأرض إلى يوم ذكرى للشهداء تحتفل به الأوساط المناصرة للقضية الفلسطينية. وبعد يوم الأرض بدأت منظمة التحرير الفلسطينية تهتم بالموضوع الفلسطيني في الداخل، وراحت تربط علاقات مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بقيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي ومع الحركة التقدمية. كان الهدف من هذه اللقاءات في حينه هو تحويل العرب إلى قوة تأثير في المجتمع الإسرائيلي، وغالبا ما تدخلت منظمة التحرير في مجرى الانتخابات الإسرائيلية من خلال الدعوة للتصويت لصالح الجبهة أو الحركة التقدمية.

الثمانينيات.. ظاهرة الأسرلة
بعد الانتفاضة الأولى في العام 1987 والتي أفرزت اتفاقات أوسلو عام 1993، بدأ الشعور بأن قضية الفلسطينيين داخل إسرائيل تعتبر شأنا إسرائيليا داخليا، وانتاب العرب شعور اللامبالاة ودخلوا لعبة الأسرلة. وفي هذا السياق أود أن أذكر أنه بعد أوسلو جند حزب العمل الذي ترأسه رابين في حينه حوالي 70 ألف مواطن عربي إلى صفوفه. في تلك الفترة برزت الحاجة إلى إعادة بناء الحركة الوطنية العربية في الداخل، بعد أن تشتتت صفوفها في أواخر الثمانينيات لغياب المعادلة الصحيحة للنضال لمواجهة المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، وكان لابد من برنامج يربط الحقوق المدنية بالحقوق القومية ويؤكد على تنظيم الأقلية العربية داخل إسرائيل.

عرب 1948 ومساندة الانتفاضة الثانية

عرب 48 يتظاهرون في ذكرى مرور عام على استشهاد 13 شخصاً منهم
كشف عرب 1948 في انتفاضتهم في أكتوبر/ تشرين الأول 2000 عند اندلاع الانتفاضة والتي استشهد فيها 13 مواطنا عربيا، تمسكهم أكثر من أي وقت مضى بهويتهم القومية والوطنية. ويشار في هذا السياق إلى أن المواجهات التي شهدتها إسرائيل في عقر دارها اعتبرت مفصلية أيضا كيوم الأرض 1976. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه بعد يوم الأرض هذا أثيرت قضية الاعتراف بالمواطنين العرب كأقلية قومية، مع أن إسرائيل تعترف بالسكان هناك على أساس الانتماء الديني، فهي تجزئ السكان "غير اليهود" كما تسميهم إلى مسلمين ومسيحيين ودروز. أما بعد أكتوبر/ تشرين الأول فقد بدأ الحديث في إسرائيل عن الإقصاء السياسي للعرب، ومحاولة منعهم من المشاركة السياسية والتأثير على الساحة الإسرائيلية.

بدأت الأكاديمية الإسرائيلية تبحث وتحقق في موضوعات الهوية واندماج العرب في المجتمع الإسرائيلي. ففي استطلاع أكاديمي أجراه البروفيسور سامي سموحة من جامعة حيفا بعد أكتوبر/ تشرين الأول 2000 على عينة من الفلسطينيين، أشارت نتائجه إلى "تراجع ظاهرة الأسرلة التي انتشرت بعد أوسلو وازدياد الوعي القومي والديني بفضل خطاب التيارين القومي والإسلامي".

لقد


انشغل الإسرائيليون والمخابرات وأجهزة النظام الحاكم بالتحريض على العرب من خلال نشر وبث السموم العنصرية بالصحف العبرية ووسائل الأعلام وتضييق الخناق الاقتصادي

ازداد الوعي القومي -دون شك- بفضل خطاب التيار القومي تحديدا، بحيث تم تغيير في الرؤية المستقبلية لعرب 1948، والمطالبة بإلغاء الطابع اليهودي لإسرائيل، وطرح المساواة بين المواطنين العرب واليهود داخل الدولة العبرية، بأسلوب مختلف عما طرحته في الماضي بعض الأحزاب الفاعلة في الشارع العربي والتي أخذت تتأثر به، وتحول خطاب هذا التيار إلى خطة مواجهة مع الحركة الصهيونية وكشف زيف الديمقراطية الإسرائيلية.

انشغل الإسرائيليون وأروقة المخابرات وأجهزة المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة بعد أكتوبر/تشرين الأول بالتحريض على العرب، من خلال نشر وبث السموم العنصرية بالصحف العبرية ووسائل الأعلام، وتضييق الخناق الاقتصادي وازدياد البطالة المتفشية، واتباع أساليب جديدة في التعامل مع العرب من خلال محاصرة الوطنيين والقوميين، ومحاولة دق الإسفين بين أبناء الشعب الواحد وانقسام الشارع العربي بين مؤيد ومعارض للاندماج وبين مؤيد ومعارض للأسرلة التي باتت لتصبح موقفا، زيادة على تشويه وتهميش الثقافة والهوية للفلسطينيين هنا في الداخل. في هذه الأجواء المعادية والسائدة يجد المواطنون العرب أنفسهم يعاملون أكثر من الماضي بمزيد من الشك، ناهيك عن محاولة الحكومة الشارونية تحييدهم عن ممارسة دورهم السياسي من خلال الترهيب والتخويف، مستعينة بشخصيات "عربية" تمارس أساليب سياسية رخيصة لكسب رضا الإسرائيليين عبر شرعنة الاندماج. وقد وصل الأمر بهذه الشخصيات إلى مطالبة المواطنين العرب في فبراير/ شباط 2001 بالتصويت لصالح باراك وعدم الانجرار "وراء القومجيين المتطرفين" أمثال عزمي بشارة الذين قاطعوا حملة الانتخابات الإسرائيلية. وقد تعرض مؤخرا التيار القومي المتمثل بالتجمع الوطني الديمقراطي لتحريض سلطوي جراء زيارات الأقارب إلى سوريا والدور الذي لعبه في هبة القدس والأقصى. وبسبب هذا التحريض الإسرائيلي، وجد التيار القومي نفسه في حالة تأييد قطاعات واسعة من الناس. وبسبب خطابه السياسي كذلك، قدَّم المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية إلياكيم روبنشتاين -مدعوما بتقرير من المخابرات الإسرائيلية "الشاباك" حول نشاط التجمع الوطني وزعيمه عزمي بشارة وخطورة خطابه السياسي- طلبا للجنة الانتخابات بمنع التجمع من خوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وقد قامت لجنة الانتخابات فعلا بشطب ترشيح عزمي بشارة وقائمة التجمع، الأمر الذي أدى إلى التوجه للمحكمة العليا اعتراضا على قرار لجنة الانتخابات. ويذكر في هذا السياق أن لجنة الانتخابات المركزية شطبت ترشيح الدكتور أحمد الطيبي المرشح الثالث في قائمة الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير، بطلب من عضو الكنيست "ميكي إيتان" من "الليكود"، وكانت المحكمة العليا قد وافقت على ترشيحه بأغلبية 11 قاضيا. أما قائمة التجمع الوطني الديمقراطي فقد سمحت لها المحكمة العليا بخوض الانتخابات بعد أن وافق سبعة قضاة وعارض أربعة.
وكان المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية قد قدم طلبا بمنع "باروخ مرزل" المرشح الثاني في قائمة "حيروت"، لأن لجنة الانتخابات المركزية لم توافق على طلبه. وكانت المحكمة قد صادقت على قرار لجنة الانتخابات بموافقة سبعة قضاة ومعارضة أربعة. وبهذا تكون المحكمة قد منعت المواجهة مع اليمين من جهة، ومنعت التصعيد مع المواطنين العرب الذين هددوا بمقاطعة الانتخابات المقبلة في حالة شطب قائمة التجمع الوطني من جهة أخرى.

ولعل أهم إشارة إلى "الوضع الجديد"-الذي يسمى الحضور السياسي للعرب في الداخل بعد أكتوبر/ تشرين الأول 2000- تتمثل في تواتر الحديث اليهودي بصيغة "الإجماع القومي" حول الضرورة المتجددة للحفاظ على "الطابع اليهودي لدولة إسرائيل"، وما يتطلبه ذلك من إجراءات حد الزيادة الديموغرافية للعرب وحد تأثيرهم السياسي.
ويرى أحد الباحثين أنه في هذا الشأن ثمة عودة إسرائيلية أيضا بصيغة "الإجماع القومي" إلى غايات الصهيونية الكلاسيكية وموقفها من "القضية العربية"، وهو ما برز عينيا فيما عرف باسم " ميثاق طبريا".
تعترف الوزيرة الإسرائيلية السابقة "يولي تمير" بأن "ميثاق طبريا" الذي كانت من أبرز المبادرين إلى التخطيط له واعتماده، لا يطمح لأن يكون بديلا عن الحوار المدني الشامل لمواطني الدولة (إسرائيل). وفور ذلك تضيف على محمل التوضيح غير القابل للتأويل "إذا لم يتم وضع وثيقة مدنية، وبمشاركة جميع مواطني إسرائيل، تعرِّف الحقوق المتساوية لأبناء جميع الشعوب الكائنة في إسرائيل، وتعرّف واجبات الدولة تجاه مواطنيها وتحدد معايير لتوزيع عادل للموارد، فلن تصبح إسرائيل مجتمعا ديمقراطيا جديرا بهذه الصفة".

إذا كانت الحال هكذا فما هو الداعي إذا لكتابة "ميثاق طبريا"؟ في بحثنا عن جواب على هذا السؤال لدى "تمير" نفسها، بصفتها جهة مخولة بأن تصرّح، نعثر على ما يلي: "ميثاق طبريا" هو بداية لنقاش جماهيري عام لا أكثر، على قاعدة كسر المونولوج والانتقال إلى الحوار بين مختلف الفئات السياسية (اليهودية) من اليسار واليمين، العلمانيين والمتدينين، أنصار السلام والمستوطنين.

وطبقا لذلك من الممكن الاستنتاج بأن إصدار مثل هذا الميثاق جاء أكثر شيء، من أجل إشباع حاجة داخلية (يهودية) إلى بدء نقاش جماهيري عام يحتكم إلى قاسم مشترك ما.

أين المشكلة إذا؟

المشكلة في قراءتنا المخصوصة، أن المشروع المعروض في الميثاق لبداية هذا النقاش محكوم بعدة اختيارات مسبقة البرمجة ومسبقة الأدلجة. ومهما يكن فإن ما يهمنا من هذه الاختيارات هو ما يلي:

  1. اختيار إقصاء العرب الفلسطينيين -المواطنين في إسرائيل- من دائرة هذا النقاش. في هذا الصدد تقر "تمير" شأنها في ذلك شأن غيرها من المشاركين في صياغة الميثاق ومن المعقبين عليه، بأن محاولات عديدة لكتابة وثيقة يهودية عربية قد فشلت. وتعزو هذا الفشل إلى عدم الاتفاق على تعريف دولة إسرائيل.
  2. عطفا على ما سبق فإن الاختيار الثاني الذي سبقت برمجته وأدلجته كما ذكرنا، يتحدد في التمسك بتعريف طابع إسرائيل الصهيوني، باعتبارها دولة للشعب اليهودي. ليس هذا فحسب، بل كذلك التأشير إلى ما يتطلبه الاحتفاظ بهذا التعريف من إجراءات مثل "الاستمرار في بناء أغلبية يهودية ملحوظة فيها".

هكذا يضعنا "ميثاق طبريا" أمام صيرورة إسرائيلية، تفيد بأنه ما من موضوع راهن يحتقن حوله "إجماع قومي يهودي" أكثر من موضوع المحافظة على "الطابع اليهودي الصهيوني" لدولة إسرائيل. ويجدر التذكير بأن هذا "الإجماع" ومع استمرار الانتفاضة الفلسطينية وامتدادها ولو إلى حين إلى الجماهير الفلسطينية داخل تخوم "الخط الأخضر" (ما عرف باسم هبّة أكتوبر/ تشرين الأول 2000)، سرعان ما أجج حديثا متواترا حول ما يسمى بـ"الخطر الديمغرافي" الذي يشكله العرب الفلسطينيون على طابع إسرائيل السالف، بين أوساط اليمين واليمين المتطرف وأيضا بين أوساط محسوبة على "اليسار الصهيوني".

قبل "ميثاق طبريا" صدرت "وثيقة هرتزليا"، واقترح مخططوها -وهم شخصيات بارزة في القيادة الأمنية والنخبة الأكاديمية في إسرائيل- مواجهة هذا "الخطر" ضمن أشياء أخرى، بواسطة طريقة تعيد إلى الأذهان وإن بصورة غير معلنة فكرة "الترانسفير" الجهنمية. أما في "ميثاق طبريا" فإن النص يطالب بمراعاة أن يحافظ على هذه الأغلبية "بطرق أخلاقية فقط".

غير أنه منذ نشر "ميثاق طبريا" جرت مياه كثيرة في النهر كما يقال. وتمثلت إحدى نتائج هذا الجريان في انتقال التأييد لفكرة "الترانسفير"، باعتبارها أحد أفضل الحلول لمسألة "الخطر الديمغرافي"، من الأطراف أو الهوامش السياسية إلى قوى وأحزاب واقفة في واجهة نظام الحكم الإسرائيلي.

وهنا يحتاج الأمر إلى بعض التفاصيل:

  • في أواخر شهر مارس/ آذار 2002 أعلن الوزير العمالي "أفرايم سنيه" أنه بلور لنفسه برنامجا خاصا حول الحل الدائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أساس الفصل. ويدعو البرنامج على وجه الخصوص إلى "تبادل سكاني" (وهو التعبير الملطَّف، الأكثر تزويقا، لمصطلح "الترانسفير") بين إسرائيل والكيان السياسي الفلسطيني العتيد، يسفر عن ضم "تجمعات استيطانية يهودية كبرى" في الضفة الغربية، إلى مناطق سيادة الدولة الإسرائيلية، فيما يجري ضم "مناطق عربية" متاخمة لـ "الخط الأخضر" (ويقصد تحديدا، منطقة أم الفحم والقرى المحيطة بها فيما يعرف باسم "المثلث الصغير") إلى مناطق سيادة السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي السياق الذي كشف فيه النقاب عن برنامجه هذا (وكان عبارة عن لقاء صحفي مطول أدلى به لملحق "7 أيام الأسبوعي" التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت)، رفض "سنيه" التطرق إلى "آفاق القضية الديموغرافية" ومخاطرها على مستقبل التطلع اليهودي لدولة إسرائيل، وفيما إذا كانت هذه القضية تشكل حافزا رئيسيا خلف دعوته إلى تطبيق "الترانسفير". أكثر من ذلك حاول "سنيه" أن يسبغ أخلاقية ما على دعوته هذه، من خلال نفيه أن تكون منطوية على أية "لدغة عنصرية" موازنا بفهلوية بائسة، بين أصحاب الوطن الأصليين من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وبين المستوطنين الكولونياليين في الضفة الغربية الذين سيتم "التبادل" فيما بينهم.
  • قبل طرح برنامج "سنيه"، أشار استطلاع للرأي أجراه مركز "يافه" للأبحاث الإستراتيجية في جامعة تل أبيب إلى ارتفاع نسبة التأييد في أوساط اليهود الإسرائيليين، لحل يعتمد على تطبيق "الترانسفير" ضد الفلسطينيين. فقد أعلن 46% من هؤلاء أنهم يؤيدون تطبيق "الترانسفير" ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويؤيد 31% منهم تطبيقه أيضا ضد المواطنين العرب في إسرائيل.
  • كشف الصحفي "أرييه ديان" من صحيفة هآرتس أن الزعيم الجديد لحزب "موليدت" الوزير المستقيل "بيني ألون"، عاد للترويج لبرنامج "الترانسفير" ضد الفلسطينيين، في أكثر تطبيقاته وحشية، مستمدا التشجيع من المناخات السياسية المذكورة، والتي تعيد هذا الموضوع المسكوت عنه إلى بؤرة "الإجماع القومي". وعلى ذمة الصحفي نفسه كان "بيني ألون" في طليعة الذين ألحوا في وقت مضى على زعيم "موليدت" السابق الوزير المقتول "رحبعام زئيفي"، ألا يطرح حل "الترانسفير" في واجهة البرنامج السياسي للحزب الذي بدا أنه "منفرد في تأييد الفكرة"!. وتمثلت عودة "بيني ألون" التي يقصدها "ديان"، في تخصيص العدد الأخير من نشرة "موليدت" لطرح برنامج سياسي يدعو إلى طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة، في حالة عدم قبولهم برنامج تسوية الصراع حسب مواصفات "موليدت"، والذي ينص على أن تكون الأردن "دولة الفلسطينيين العتيدة".

وحرفيا ورد ذلك من خلال العبارات التالية:

"إذا لم يكونوا (يقصد الفلسطينيين) مهيئين للحياة معنا هنا في سلام، فإنهم لن يحيوا معنا هنا البتة. إن قوة الردع الإسرائيلية لن تستعاد إذا ظل غير واضح لجيراننا أن الإرهاب من شأنه أن يؤدي بهم إلى خسارة أرضهم، تماما كما حصل في 1948(نكبة) لهم وعيد استقلال لنا"!

ويقترح البرنامج نفسه جعل المواطنين في الضفة والقطاع تابعين "لدولة فلسطينية عاصمتها عمان"، مع منحهم إمكانية الاحتفاظ بتجمعاتهم السكانية القائمة (باستثناء المخيمات)، شريطة الحفاظ على "سلام مع إسرائيل، لكن في حالة عودتهم إلى إعلان الحرب علينا فعندها لا مندوحة من طردهم بالقوة إلى دولتهم فيما وراء نهر الأردن".

  • إضافة إلى "بيني ألون"، طرح وزير يميني مستقيل آخر هو "أفيغدور ليبرمان" زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" (من المهاجرين الروس) وهو الحزب الشريك مع "موليدت" ومع حزب "حيروت" في تكتل "الاتحاد القومي" اليميني المتطرف الاستيطاني، برنامجا سياسيا يدعو إلى تطبيق "الترانسفير" بالأساس، ضد المواطنين العرب في إسرائيل "الذين يرفضون الخدمة في الجيش الإسرائيلي و"الذين يرفضون التعهد خطيا بالولاء المطلق لدولة إسرائيل!. وهو يقترح ترحيلهم إلى "مناطق فلسطينية" في غزة أريحا و"منطقة يهودا"، يطالب البرنامج بإعلانها ككانتونات صغيرة منزوعة السلاح ولا يوجد أي تواصل إقليمي بينها، باعتبار أن إقامة هذه المناطق الثلاث هي أوج ما يمكن أن يتغيأه حل دائم للصراع تسعى إليه إسرائيل، بموجب هذا البرنامج.
  • نبقى في إطار معسكر اليمين الاستيطاني لنشير إلى أن حزب "حيروت" (أحد الأطراف الشريكة في تحالف "الاتحاد القومي") يرفض الحديث جهارا عن تأييد "الترانسفير" ضد الفلسطينيين، سواء داخل إسرائيل أو في الضفة الغربية وغزة. لكن زعيم هذا الحزب عضو الكنيست ميخائيل كلاينر طرح مؤخرا على جدول أعمال الكنيست مشروع قانون، يدعو إلى اعتماد "سلة امتيازات" (مُغريات) لتشجيع الهجرة إلى "الدول العربية".

أما في حزب "مفدال" فإن الاتجاه الطاغي على قادة الحزب هو "انتظار أن تضع الحرب الدائرة حاليا أوزارها، ومن ثم يجري طرح برنامج سياسي للحل الدائم يعارض -ضمن أشياء أخرى- قيام دولة فلسطينية مستقلة، ويدعو إلى اعتبار المستوطنين الكولونياليين في الضفة الغربية وغزة مواطنين إسرائيليين (كما هي وضعيتهم حاليا) واعتبار الفلسطينيين في هذه المناطق مواطنين في الأردن، الأردن نفسها التي يدعو برنامج موليدت إلى ترحيل الفلسطينيين إليها إما جسديا وإما مواطنة"، حسبما أسلفت الإشارة.

كما انضم "مفدال" مؤخرا إلى ائتلاف حكومة أرييل شارون، بعد أن نصب عليه زعيما جديدا هو الجنرال في الاحتياط "إيفي إيتام" الذي أصبح وزيرا. وقبل تزعمه أدلى "إيتام" بحوار طويل لملحق صحيفة "هآرتس"، دعا فيه علنا لطرد الفلسطينيين إلى صحراء سيناء. كما تطرق إلى موضوع "الترانسفير" بهذه العبارات:

"الترانسفير ليس مسألة من الضروري التكلم عنها. لكن الحرب لعبة أخرى. أعتقد أن الأساتذة الجامعيين الذين يدعمون السلام ويعيشون في راحة في البيت الأخضر الذي يقع في حرم جامعة تل أبيب، يعرفون أن الحرم الجامعي كان في زمن مضى قرية تدعى الشيخ مؤنس. ودولة إسرائيل لن تجبر الأفراد على تغيير أماكن إقامتهم، ولكن إذا فرضت علينا الحرب الشاملة، فالنتيجة أن أكثر من شيخ مؤنس سوف تنشأ في أماكن أخرى. أنا لا أريد لذلك أن يحدث لأني أرى نتيجته المريرة. وعلى العكس أقترح حلا يمنع ذلك. ولكن إذا كانوا لا يريدون الالتقاء معنا في منتصف الطريق، وإذا لم يكن هناك من حل إقليمي، واستمر الهجوم الفلسطيني، فإن النتيجة ستكون حربا شاملة تؤدي إلى مأساة على الشعب الفلسطيني. إذا فرضت علينا الحرب يجب أن نتصرف كما في الحرب. وأستطيع رؤية أن نتيجة الحرب ستكون أن العرب الذين سيبقون هنا لن يكونوا كثيري العدد".

في "ليكود" لا يبدون ميالين -على مستوى التصريح العلني- لتبني برامج تتحدث مباشرة عن "الترانسفير". لكن الناطقين بلسان هذا الحزب يعبرون عن تفهمهم البالغ لنزوع جماهير اليهود الإسرائيليين إلى تأييد "برامج ترحيل الفلسطينيين". وقد اعتبر وزير القضاء أحد قادة هذا الحزب "مئير شتريت"، أن الحديث المجرد عن "الترانسفير" لا يعد تحريضا بموجب أحكام القانون الإسرائيلي، بل يبقى حديثا تكفله "حرية التعبير عن الرأي".

ربما يجدر بنا عند هذا الحد، أن ذكر ما يلي:

  1. فكرة "الترانسفير" عادت لتطل برأسها من جديد وتحشد لها المزيد من المؤيدين، منزاحة من الأطراف إلى المركز، في أعقاب تفجر الانتفاضة وهبّة الاحتجاج الشعبية للفلسطينيين في إسرائيل. وحسب أحد الباحثين، فإن التوصيف المشوه من جانب الإسرائيليين لما حدث في "كامب ديفد" ولمترتبات "عملية التسوية" برمتها (لا سيما منذ صعود بنيامين نتنياهو إلى الحكم في 1996) أدى أيضا إلى توحيد خطاب المركز السياسي في إسرائيل المتمثل في حزبي "ليكود" و "العمل". وطبقا لهذا الخطاب فإنه بسبب "خيانة" الفلسطينيين لمبدأ التسوية (وبالتالي مبدأ "السلام" ) لا يبقى أمام إسرائيل سوى محاولة حل مشكلة النزاع من خلال القوة. وعليه يمكن القول إن الإلحاح على تطبيق "الترانسفير" يضمر طرحا لإحدى الطرق التي تتسق مع متطلبات "الحل بواسطة القوة". وبكلمات أخرى فإن تأييد "الترانسفير" هو الوجه الآخر من عملة القوة التي تمارسها إسرائيل في المناطق الفلسطينية، والتي تشتمل على وسائل تضييق الخناق والحصار والإغلاق وعلى التصفيات وقتل المدنيين والهدم والتدمير.. إلخ.
  2. سياسة القوة هذه لا تقفز بطبيعة الحال عن الفلسطينيين في إسرائيل. ومن الأمور الجلية أنه فضلا عن سياسة التمييز العنصري السافر، واللجوء إلى العنف كوسيلة رئيسة في السياسة الإسرائيلية تجاه المواطنين الفلسطينيين، فإن سياسة القوة هذه تستهدف أيضا أن تصيب الهوية الوطنية والسياسية لهؤلاء الفلسطينيين في مقتل. وهذا ما تؤكده بعض التشريعات القانونية الأخيرة، بمقدار ما تؤكده المحاكمة السياسية غير المسبوقة المنعقدة ضد رئيس "التجمع الوطني الديمقراطي" النائب عزمي بشارة. إذا شئنا إجمال الاختيار الثاني لمعدي "ميثاق طبريا" المحدد في التمسك بتعريف إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، يبدو أن أهم ما ينبغي التشديد عليه هو كون الحديث عن مراعاة "الحفاظ على أغلبية يهودية ملحوظة" بواسطة "طرق أخلاقية فقط" حديثا بعيدا جدا عن الرؤية الحقيقية السائدة لهذه المسألة، كما بينت التفاصيل المذكورة أعلاه. ومرة أخرى فإن هذه الرؤية سائدة ليس فقط بين أوساط اليمين القومي والديني والعنصري.
  3. يختار "ميثاق طبريا" لدى الحديث عن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني تعابير ومصطلحات غائمة في توصيف وقائع التاريخ. وهو اختيار يراد به بالأساس من باب أولى قطع صلة الحاضر بالماضي، إذ أن التدقيق في هذه الصلة يفترض ولو من منطق الاستقامة الفكرية أو المعقولية السياسية العودة إلى جذور الصراع.

وقد أفضى هذا القطع بمعدي الميثاق كما تقول "يولي تمير"، إلى رؤية أن الحل الأنسب للصراع هو: دولتان لشعبين، أو بشكل أدق دولتان قوميتان لقوميتين. وبربط هذا الحل مع سائر بنود الميثاق يتبين أن الحديث يجري عن حل دائم أو نهائي.

لا شك أن إقامة دولة فلسطينية تطبيقا لحل "دولتين لشعبين"، هو مرحلة حيوية لكنها بكل تأكيد ليست "حلا نهائيا"، وليست حلا "تكون فيه الحقوق متساوية لجميع الشعوب". ولا يكون هذا الحل مقترباً كافيا لقضية اللاجئين وحق العودة، وإنما من شأنه كذلك أن يكرس مكانة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وأن يمس بحقوقهم، نظرا لكونه في الواقع الحالي حلا يجسد ويشدد على رؤية إسرائيل كدولة للشعب اليهودي. وفي إطار ذلك ما من ضمان في ألا ينظر إلى كل مطلب يطرحه هؤلاء المواطنون باعتباره مطلبا غير شرعي، يشكل أساسا لمعركة سياسية وقضائية وحتى عسكرية ضدهم. والدليل على ذلك هو قتل ثلاثة عشر شابا عربيا مواطنين في إسرائيل بأيدي الشرطة في أكتوبر/ تشرين الأول 2000.

في هذا الخصوص يؤكد أحد الباحثين أن من شأن العودة إلى حدود 1967 أن تكون بالنسبة للمواطنين العرب عودة إلى 1966، أي إلى فترة الحكم العسكري. ففي غالبية الفترة من 1948 إلى 1967 خضعت حقوق العرب في إسرائيل لقيود الأحكام العسكرية. وعندما يطرح حل "دولتين لشعبين" كإطار لنهاية النزاع، فمعنى ذلك العودة إلى المبادئ نفسها التي شرعنت القيود الكاملة التي فرضت في تلك الفترة على العرب في إسرائيل.

بتعابير أخرى موازية لما سبق ذكره ومكملة له، في مقدرتنا القول إن التمسك بحل "دولتين لشعبين" بوصفه حلا نهائيا يعبّر عن تمسك بنهج حصر النزاع الإسرائيلي الفلسطيني في حدود "دائرة مغلقة"، هي دائرة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية منذ يونيو/ حزيران 1967. وهو النهج نفسه الذي تتبناه الصهيونية الجديدة، والمنطلق من نقض مبدأ التوسع الصهيوني الاستيطاني القائم على قضم المزيد من الأرض خارج "تخوم الدولة". وعلى رغم أهمية هذا النقض، فإن ذلك لا يبرر عدم رؤية أنه في العمق يعلل الحاجة والضرورة إلى المس بالمبدأ الأصلي، لهذا التوسع الذي أفضى في لحظة ما إلى نشوء تلك الدولة، وما جره هذا النشوء من تبعات شديدة الوطأة على الشعب الفلسطيني.

أما بالنسبة للديمقراطية فإنه في ضوء هذه الاختيارات، لا يمكن أن نعير حديث "يولي تمير" عنها أهمية إضافية، اللهم إلا فيما ما هو منها مختص بالنوايا الحسنة.


الأحزاب العربية وتحالفاتها

تخوض الانتخابات الإسرائيلية أربع قوائم عربية:

  1. القائمة العربية الموحدة
    عبد الملك دهامشة
    ويترأسها عضو الكنيست عبد المالك دهامشة، وتتألف القائمة من الحركة الإسلامية الجناح الجنوبي، والحزب العربي الديمقراطي ويمثله في القائمة عضو الكنيست طلب الصانع الذي يحتل المكان الثاني في القائمة، والحزب القومي العربي الذي تأسس مع انشقاق عضو الكنيست محمد حسن كنعان عن الحزب العربي الديمقراطي، ويحتل كنعان المكان الرابع في القائمة. أما المكان الثالث فترشح له سلمان أبو أحمد من الناصرة وهو ممثل عن الحركة الإسلامية.
    على الرغم من الصراعات الداخلية والتناقضات القائمة داخل هذه القائمة، نجح إلى حد ما رؤساء الأحزاب التي تشكل هذه القائمة بالتوصل إلى اتفاق لتركيبة القائمة، لكنهم فشلوا في الاتفاق مع عضو الكنيست هاشم محاميد ممثل قائمة التحالف التقدمي الوطني والذي احتل في الانتخابات السابقة المكان الثالث في القائمة العربية الموحدة، ونتيجة ذلك اضطر النائب هاشم محاميد إلى تشكيل قائمة منفردة .
    وكانت القائمة العربية الموحدة قد حصلت في الانتخابات السابقة على خمسة مقاعد، إلا أنه هذه المرة تتوقع استطلاعات الرأي في الصحافة الإسرائيلية واستطلاعات الرأي التي أجرتها الأحزاب المختلفة تراجعا ملحوظا في التأييد الجماهيري لهذه القائمة، لأنها تعبر عن "وحدة كراسي"، كما أسماها أحد المراقبين في إحدى الأسبوعيات العربية في الداخل، إضافة إلى عدم وجود قاعدة تنظيمية جدية للأحزاب المؤتلفة في إطار القائمة المذكورة، هذا إضافة إلى فقدان مميزات في الأداء البرلماني للنواب المذكورين أعلاه.
  2. التجمع الوطني الديمقراطي
    عزمي بشارة
    يرأسه الدكتور عزمي بشارة، والذي كان المستشار القضائي للحكومة قد قدم طلبا بشطبه كما ذكرت أعلاه. إلا أن تهديد التجمع من خلال إستراتيجية إعلامية وقانونية مدروسة منعت من حصول هذا الشطب، إضافة إلى تهديد أوساط يسارية وصحفية منعت من حصول ذلك. وكان التجمع وعزمي بشارة قد هددا بمقاطعة الانتخابات، الأمر الذي جعل أوساطا قضائية في إسرائيل تتخوف من التصعيد مع العرب وخطورة الإقصاء السياسي. أهم ما يطرحه التجمع ميزة خطابه السياسي وبرنامج دولة المواطنين، والذي جعل حتى المخابرات الإسرائيلية تتخوف منه لتأثيره على جدول أعمال العرب في الداخل.
    هذا البرنامج يكشف التناقض القائم بين الصهيونية والديمقراطية، كذلك يكشف التناقض القائم بين طابع الدولة اليهودية وديمقراطيتها. ويتوقع المراقبون واستطلاعات الرأي انتصارا لهذا التيار الذي يؤكد على الهوية القومية ليمنع التهميش، ومن جهة أخرى يطرح المواطنة الكاملة كون العرب سكان البلاد الأصليين.
    وفي حالة تحقيق نبوءات استطلاعات الرأي، سنشهد حالة جديدة من التحريض الإسرائيلي على الفلسطينيين، وسيقال عندها أن التيار القومي ازدادت قوته، وأن هناك تطرفا عميقا في أوساط العرب في الداخل خاصة بعد اندلاع الانتفاضة.
  3. الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير
    أحمد الطيبي
    الجبهة الديمقراطية وعمودها الفقري الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهو حزب عريق في الدفاع عن حقوق العرب في الداخل منذ العام 1948. وكانت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة قد تشكلت في العام 1977، ويعتبر الحزب الشيوعي القوة الرئيسية فيه إضافة إلى شخصيات عربية ورؤساء مجالس محلية وبلدية. أما الحركة العربية للتغيير فيترأسها عضو الكنيست أحمد الطيبي وهو المرشح الثالث في قائمة الجبهة والعربية للتغيير. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الجبهة شهدت خلافا حول التحالف مع النائب الطيبي، والخلاف الداخلي تمحور حول مكان الطيبي في القائمة، وذلك كون المرشح الثالث في الجبهة الديمقراطية يهوديا، فقد اعتبر الحزب الشيوعي إعطاء النائب الطيبي المكان الثالث تنازلا عن مبدأ الحزب العربي اليهودي. وقد ترشح للمكان الرابع في قائمة الجبهة والعربية للتغيير دوف حنين من نشطاء الحزب الشيوعي وابن أحد أعضاء "راكاح" المخضرمين.
  4. التحالف الوطني التقدمي
    برئاسة النائب هاشم محاميد، وهي قائمة انبثقت بعد فشل المفاوضات مع القائمة العربية الموحدة، وعدم موافقتها على المكان الخامس في القائمة العربية الموحدة. ويتوقع المراقبون لقائمة محاميد ألا تجتاز نسبة الحسم.

وتشير التوقعات إلى أن هذه القوائم مجتمعة ستحصل على ما مجموعه 9-10 مقاعد، في وقت يتأكد فيه أيضا أن كفة الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة ستكون هي الراجحة في الانتخابات الإسرائيلية. وبالنسبة للعرب الفلسطينيين في الداخل يعني هذا السيناريو استمرار الوضع السابق، مع احتمال قوي بأن تصعد القوى اليمينية والفاشية هجمتها على العرب وعلى حقوقهم، وكذلك على مشاركتهم السياسية.
_______________
* كاتب فلسطيني من عرب 48 ورئيس مجلس إدارة موقع "عرب 48 " على شبكة الإنترنت.