بقلم: جورج كتن

مفهوم الديمقراطية في "الحركة"
الديمقراطية الداخلية في الحركة
موقف الحركة من الأحزاب الأخرى
تقييم ونتائج

الحزب الديمقراطي اتحاد حر لأشخاص يجتمعون على عقيدة سياسية قابلة للتطوير ويدعمون برنامجاً سياسياً مشتركاً، أهم مبدأ فيه حق الاختلاف، فتعدد التيارات والآراء في الحزب ليست سبباً لتفككه، بل إن تعايش وتحاور الآراء المختلفة داخله بشفافية تؤدي لإغنائه، حيث العضو يمتلك حرية تفكير وتعبير واسعة فهو ليس متلقياً بل مبدعاً. وهو حزب يمارس الديمقراطية داخله كما يريدها أن تكون في المجتمع، ينبذ التعيين ويعتمد على الانتخاب للوصول إلى أي مسؤولية، مع الإقرار بحق العزل لأي قيادي دون انتظار نهاية ولايته، ويعترف بأخطائه وينتقدها أمام المواطنين، كما يغلب العمل التطوعي على المحترف.

جورج كتن
أما الأحزاب التي لا تمارس الديمقراطية داخلها فلا يمكن أن تأتي بالديمقراطية للمجتمع رغم أنها تعتمد "المركزية الديمقراطية"، وهي مركزية بقناع ديمقراطي، وليس صدفة أن هذه الأحزاب تنتهي عادة إلى هيمنة فرد على الحزب والسلطة. وهي أحزاب شمولية يتم داخلها القضاء على اختلاف الآراء. وتعتمد على الطاعة والخضوع والتعتيم والإسكات وأخيراً الطرد من الحزب المقترن بالتشهير، وتخضع جميع منظمات الحزب للجنة المركزية في نظام هرمي تراتبي يعيق وصول الحقائق بين القيادة والقاعدة. بينما الطاعة والخضوع لا تتلاءم مع حزب ديمقراطي تقوم العلاقات فيه على حق الاختلاف والاتفاق على قواسم مشتركة بناء على القناعة الحرة.


سنحاول هنا عرض تجربة: "حركة القوميين العرب" في ممارستها للديمقراطية داخلها وفي علاقتها بأحزاب أخرى. أهمية التجربة أنها لا تختلف إلا في التفاصيل عن أحزاب راهنة بعيدة عن مواصفات الحزب الديمقراطي. نشأت "الحركة" كرد فعل سياسي ونفسي على نكبة فلسطين 1948، وكمحاولة للسعي للقوة والتنظيم والتوحيد وللانقلاب الجذري على الأوضاع القائمة. ورأت أن النضال الشعبي العقائدي المنظم يمر بمرحلتين: نضال سياسي لتحرير الأمة وتوحيدها والقضاء على إسرائيل، يمهد لمرحلة ثانية ذات مضمون اشتراكي ديمقراطي. وافقت "الحركة" على حل الأحزاب كشرط لقيام وحدة مصر وسوريا. إلا أن تأميم الصناعات الأساسية في دولة الوحدة، والانفصال السوري، وضعاها أمام تطور فكري حاسم، رافقه بروز تيار سمى نفسه "يساراً" يعمل للالتزام بالاشتراكية العلمية، مع إقرار تعدد الأحزاب ضمن الخط القومي الاشتراكي ومنع الأحزاب المعادية لهذا الخط. إلا أنه إثر فشل مشروع الوحدة الثلاثية، دعا عبد الناصر لحركة عربية واحدة كحل لتوزع التيار القومي الاشتراكي على أطراف مختلفة، فتبنى التيار "اليساري" هذا الحل وأرجع أزمة الثورة العربية لتعدد تنظيماتها.


على أن القضايا الفكرية المطروحة بصدد الاشتراكية والحركة الواحدة لم تأخذ حقها من النقاش في صفوف الأعضاء، وأدت لتواجه تياران دعا أحدهما للالتحام بالناصرية، ودافع الآخر عن بقاء "الحركة"، التي اعتبرت هزيمة حزيران 1967 سقوطاً لقيادة البرجوازية الصغيرة، و طرحت لمواجهتها تبني الماركسية وقيادة البروليتاريا لحركة التحرر والحروب الشعبية. لكن الماركسية المتبناة كانت جملاً عامة صلتها ضعيفة بالواقع. واختلطت المراهقة الفكرية اليسارية بالصراع على الأدوار الأساسية مع غياب آلية داخلية تعالج الخلافات. وانتهى الصراع بتشكيل فصائل ماركسية مستقلة شكلت قطيعة مع "الحركة" إسماً ومحتوى.


مفهوم الديمقراطية في "الحركة"

أجلت "الحركة" العمل للديمقراطية منذ نشأتها لصالح تحقيق الوحدة والتحرر واسترداد فلسطين، وطالبت بمرحلة انتقال مقيدة لعمل التيارات المعادية للخط القومي، إلى أن يرتفع الوعي الشعبي ليمكن بعدها التوجه للديمقراطية. ورغم عدم قناعة "الحركة" بالعمل البرلماني فقد شاركت في عدد من الانتخابات، في الأردن 1956، وفي انتخابات الاتحاد القومي في الإقليم السوري 1959 وقبلت "الحركة" تعيين عدد من أعضائها وأصدقائها في مجلس الأمة دون اعتراض على التجاوزات للأسلوب الديمقراطي، فالأولوية لديها كانت لدولة الوحدة. وشاركت في انتخابات لبنان 1960 وفي الانتخابات الكويتية للمجلس التأسيسي بعد الاستقلال 1961.


وكان هناك قرار "للحركة" بالامتناع عن تنظيم العسكريين، بقي حتى بروز دور العسكر السوري في تسريع الوحدة وعسكر العراق في إسقاط الملكية ، مما جعلها تتوجه للعمل داخل القطاع العسكري، بعد أن فرقت بين مجتمعات مستقرة ينصرف فيها العسكر لمهماتهم الدفاعية، وبين مجتمع عربي حيث الصراع محتدم بين قوى الرجعية وقوى الثورة، فلا بد للعسكر من الانحياز لأحد الجانبين، مع إحاطة دورهم بضوابط لكي لا يتحولوا إلى بديل للعمل الشعبي.


نسيت "الحركة" هذه الضمانة وانخرطت في محاولات انقلابية، في سوريا والعراق واليمن، الناجح منها تحول مباشرة إلى بديل للعمل الشعبي الديمقراطي، بعد تصفية الأحزاب السياسية لصالح الحزب الواحد. ولم تخرج عن هذا تجربة الجبهة القومية في اليمن الجنوبي المنشقة عن "الحركة"، رغم وصولها للحكم عن غير الطريق الانقلابي، بعد أن قادت كفاحاً مسلحاً حقق الاستقلال عام1967، فقد بدأت خطواتها الأولى بالانفراد بالسلطة على أنقاض الأحزاب الأخرى ثم توالت الانقلابات، وكان آخرها الصراع الدموي عام 1986، مع اعتماد الصراع على السلطة، المغلف بالشعارات الأيديولوجية، على قوى عسكرية وقبلية. لكن فيما عدا اليمن الجنوبي، تميزت "الحركة" بأنها لم تصل إلى أي سلطة، إذ دربت أعضائها على البعد عن السعي للسلطة على حساب الهدف، فالنقاء الثوري ميزة تسجل "للحركة" في رأي البعض، بينما يرى آخرون أن "البراغماتية" و"المصالح" مرافقة للأحزاب، لا يمكن ممارسة السياسة بالبعد عنها، على أن لا تبرر الغايات الوسائل.


الديمقراطية الداخلية في الحركة

لا يمكن الحديث عن ديمقراطية داخلية في "الحركة"، إذ أنها كانت حزباً "ثوريا"ً، المبادىء والنظريات فيه هي الحقيقة المطلقة التي لا تحتاج لرأي المواطنين فيها، وهو حزب يبني من أجل الثورة القادمة وليس الانتخابات القادمة. لذلك فضلت "الحركة" وأحزاب عربية مشابهة التوجه لتحقيق الوحدة والاشتراكية، وأهملت العمل لتطوير وإصلاح النظم القائمة، فالعقيدة القومية أو اليسارية لا يمكن أن تنتظر الطريق الإصلاحي التطوري الذي يقود "للانحلال وتضييع الهدف"، فلا بد من التنظيم الثوري لتحقيق أهدافها.


التنظيم العقائدي الثوري بمفهوم "الحركة" هو "الجيش الشعبي" الذي تعده الأمة للقتال من أجل أهدافها مما يتطلب علاقات داخلية لا تمت إلى الديمقراطية بصلة، بل هي أقرب إلى العلاقات الناظمة لفرقة عسكرية. ويلخص هذه العلاقات المبدأ التنظيمي، المركزية المرنة أو المركزية الديمقراطية، المأخوذ من ترسانة الأحزاب الشمولية وخاصة الحزب "البلشفي". ولتمييز "الحركة" عن أحزاب أخرى في انضباطها اعتمدت مبدأ "نفذ ثم ناقش"، وهو رغم عدم استعماله إلا في حالات خاصة، يوحي تكراره أن المطلوب هو التنفيذ أولاً، أما النقاش فهو أمر ثانوي. والانضباط في "الحركة" لا يقتصر على تنفيذ المهام الحزبية بل يشمل المواقف السياسية التي لا تقبل الاجتهادات الفردية.


والتنفيذ يقتضي الطاعة وخضوع كافة المراتب الأدنى للقيادة العليا التي لا تخطئ إلا بشكل نادر. كما تخضع كل أقاليم "الحركة" لمركز قومي يمارس علاقة شبه أبوية مع الفروع. وضمن كل إقليم هرم تراتبي شبيه بالتراتب العسكري، والانتقال من مرتبة إلى أخرى لا تقرره غالبية الأعضاء فالمبدأ التنظيمي "القيادة للأكفأ" هو حق القيادات الأعلى في ترقية من يستحق في نظرها. أما الانتخاب فيتعارض مع الجانب الأمني، لذلك كان محصوراً في المؤتمر القومي، فالقيادات وحدها تعرف قيمة الديمقراطية وتمارسها.

و"السرية" كمبدأ حركي آخر ليس دائماً لمواجهة سلطة قمعية، فقد تصبح عادة لا يمكن الفكاك منها، رغم تحسن الظروف الأمنية، تبعد القيادات عن مراقبة الأعضاء. واعتمدت على مبدأ "القيادة في صف الأعضاء" للحد من تعالي القيادات على القواعد، و تميزت عن أحزاب "ثورية" أخرى، بأنها نجحت بعدم إنتاج زعامات فردية تحيطها طقوس عبادة.


العضو في الأحزاب الديمقراطية يختار الحزب بناء على موافقته على برامجه وينتمي إليه وفق شروط عضوية ميسرة، بينما في "الحركة" العضو أداة تنفيذية يتم اختياره بشكل دقيق،فالحزب الثوري لا تهمه الكمية بل النوعية، أي النخبة، لعدم الحاجة لأصوات بل لثوار، شرط إيمانهم بأهدافه وليس القبول بها فقط. يلتزم العضو برفع مستواه الفكري والسياسي بالاعتماد على تثقيف داخلي مبرمج، ومطالعة كتب مقررة ليس بينها عادة سوى نسبة ضئيلة تعالج المسائل الديمقراطية. والعضو الجديد يخضع للمراقبة لفترة للتأكد من إخلاصه، وليتدرب على ترجيح مصالح "الحركة" على مصالحه الخاصة في حال تضاربهما.


ما سمي مؤتمرات في "الحركة" كانت تعقد كل سنة، كانت اجتماعات موسعة لقيادات المركز القومي ومسؤولي قيادات الأقاليم المعينين، تنتخب أمانة عامة ولجنة تنفيذية فيما يشبه الإجماع. أما أعضاء قيادات الأقاليم فتسميهم اللجنة التنفيذية من أسماء مقترحة من قيادة الإقليم نفسها، ثم تسمي كل قيادة المراتب الأدنى منها مباشرة. وأول خروج جزئي على التقليد السائد في مؤتمر 1965، الذي أقر مبدأ الانتخابات لكافة المراتب كطريقة وحيدة لتشكيل القيادات من أدنى إلى أعلى، كما أقر عقد مؤتمرات منتخبة للروابط والشعب والمناطق والأقاليم، كترجمة حقيقية لمبدأ الديمقراطية الداخلية. إلا أن ذلك جرى في ظل استمرار تبني مبدأ المركزية الديمقراطية، فلم يتم تنفيذ معظم التغييرات رغم إقرارها، فقد عقدت مؤتمرات إقليمية فقط دون المؤتمرات الأدنى، وأعيد العمل بأساليب التعيين وتم الاتفاق على أن المؤتمرات الإقليمية لأي فرع يترك تحديدها لقيادة كل إقليم بالاتفاق مع اللجنة التنفيذية وهو ما مكن من تأجيلها المستمر.


موقف الحركة من الأحزاب الأخرى

طوال مسيرتها لم تنشأ "الحركة" أية علاقات مستقرة مع الأحزاب المشابهة في الأهداف، فالعلاقات الوحيدة شبه المستقرة هي علاقات الصراع، وذلك لأسباب عديدة أهمها اعتقاد "الحركة" والأحزاب الأخرى أن مبادئ كل منها هي الحقيقة المطلقة التي لا يمكن التنازل عن أي منها.

فقد بررت "الحركة" قيامها بتوجيه النقد لحزب البعث، وتعاونت معه أثناء انتفاضة لبنان 1958، وفي العراق ضد حكم عبد الكريم قاسم. وعادت لشن حملة ضده بعد أن وقعت قيادته على وثيقة الانفصال. وعندما حدث انقلاب آذار 1963 في سوريا شاركت "الحركة" في الوزارة الأولى لمدة شهرين ثم اندلع الصراع مع "البعث" بعد فشل أقامة الوحدة الثلاثية. شاركت "الحركة" في إسقاط النظام البعثي العراقي في أكتوبر 1963 واستمر صراعها مع البعث السوري إلى أن تحولت عن الالتحام بالناصرية فباتت ترى أن لا مبرر لاعتباره خارج حركة الثورة العربية.

مسيرة الصراع مع الأحزاب الشيوعية كانت أكثر حدة، فقد انتقدت "الحركة" تأييدها لتقسيم فلسطين ومعارضتها لوحدة مصر وسوريا بسبب افتقادها للحريات، التي يطالب بها الشيوعيون حين يكونون خارج الحكم ويمزقونها حين تؤول السلطة إليهم، وهي صفة يمكن إطلاقها على معظم الأحزاب الثورية. وبعد مجيء عبد الكريم قاسم للسلطة وتحالفه مع الشيوعيين لتصفية القوميين، اصطبغ الصراع بالدم في شوارع المدن العراقية، وصنفت "الحركة" الشيوعيين ضمن أعداء الحركة القومية الاشتراكية. إلا أنه بعد انعطاف "الحركة" نحو الاشتراكية العلمية تحولت "الصراعات" مع الشيوعيين إلى "خلافات"، ثم إلى دعوة لإشراك الشيوعيين في جبهات تقدمية مع بدء التزام "الحركة" بالماركسية.

دعت "الحركة" لإنجاح الاتحاد القومي في الإقليم السوري كحزب وحيد تختار الجماهير قياداته. ثم أعادت النظر فيه بعد الانفصال لتقر بأنه ليس من الضروري تمثل الاتجاه الاشتراكي الثوري دائماً في حزب واحد، وظل موقفها هذا متردداً حتى مؤتمرها لعام 1963 الذي رأى أن ربط الديمقراطية بتعدد الأحزاب يعبر عن ترسبات فكرية برجوازية، فشروط نجاح الثورة الاشتراكية أن تقودها حركة واحدة ذات نظرية واحدة تنبثق من وحدة المصلحة الطبقية للمنتجين. وعلى هذا الأساس النظري دخلت "الحركة" مع الاحزاب الناصرية الأخرى تجارب الحزب الواحد، الاتحاد الاشتراكي العربي في سوريا والعراق ، اللذين شهدا صراعاً داخلياً منذ تأسيسهما، فسرت"الحركة" أسبابه بصراع فكري بين "يسار" ملتزم بالفكر الاشتراكي العلمي تمثله "الحركة"، و"يمين" تمثله قيادات رفضت هذا الفكر. بينما رأت الأحزاب الأخرى أن "الحركة" لم تخلص للدمج فلم تحل نفسها وسعت لفرض وصايتها على "الاتحاد" وادعت احتكار الثورية.

تقييم ونتائج

لم تلتزم "الحركة" في الخمسينيات بأيديولوجيا معينة، مما مكن من تطوير بعض أفكارها دون عوائق نسبياً، ألا أنه في أوائل الستينيات مع بدء اعتناق الأيديولوجيا الماركسية، عانت من سلبيات في آليات عملها الداخلية جعلت أي تطوير لفكرها يؤدي إلى هزات تنظيمية، وأصبح التطور الوحيد المقبول هو دفع جميع الأعضاء للالتزام بالماركسية وإلا تعرضوا لإرهاب فكري أو للطرد. فتنظيمات الايديولوجيا الواحدة تعاني من الجمود الفكري ومعاكسة الوقائع ومعارضة المحاولات التغييرية، التي تتهم بالانحراف عن "العقيدة"، بينما الرابط الأساسي في الحزب الديمقراطي برنامج بنوده قابلة للتطوير، وخطوط نظرية كانعكاس للوقائع، تختلف عن الايديولوجيا التي تخضع الوقائع لاشتراطاتها.

الهزة الفكرية في "الحركة" منتصف الستينيات فرضت إعادة نظر شاملة بالاستراتيجيات والمواقف، ولعدم وجود آلية حوار ديمقراطي تضع المفاهيم الجديدة أمام مجمل الأعضاء لتأخذ نصيبها من الحوار، فقد جوبهت بالرفض من تيار متمسك بالمفاهيم السابقة على أنها الحقيقة المطلقة، لتعوده على حفظها كمبادئ بديهية و"ثوابت". ونتيجة غياب الأسلوب الديمقراطي لمعالجة الخلافات تم التحول للاتهامات والتصنيفات "اليمينية و"اليسارية"، ولكي لا يحدث انشقاق تم قبول الأفكار الجديدة، التي تحولت لدى معظم الأعضاء إلى ترديد عناوين وتعابير، دون أن تتحول إلى قناعة تترك أثرها على ممارساتهم.

تحولت "الحركة" إلى حزبين متجاورين غير معترف بهما، كان يجب الاعتراف بهذا التعدد رسمياً ووضع الأسس الديمقراطية لحركة جدل بين أطرافه للوصول إلى قواسم مشتركة مع احترام الرأي الآخر، والاحتكام في النهاية للتصويت في مؤتمرات وقبول نتائجها مع حق الأقليات في استمرار طرحها العلني لآرائها، وترك الزمن والتجربة لتقرر أي الأفكار الأكثر ملاءمة للواقع. التكتم على التعدد وعدم إجراء انتخابات في الأقاليم حسب الإصلاح التنظيمي الذي اقر، أدى لتسرب العديد من الأعضاء، وتصنيف آخرين كبرجوازيين ثم فصلهم، وبدء صراعات مكتومة للهيمنة على التنظيمات خرجت للعلن وأدت لانشقاق "الحركة ثم نهايتها.

لم تنتبه "الحركة" طوال عملها السياسي إلى أن توفر القوة للمجتمع لمواجهة الاستحقاقات الخارجية والداخلية يتأتى من مجتمع مدني لحمته المواطنين الأحرار الذين يملكون المبادرة غير المقيدة للعمل في شتى المجالات، فقد ركزت في الخمسينيات على أن القوة تأتي من نظام "ثوري" وحدوي، وفي الستينيات رأت أنها تأتي من حزب "ثوري" عقائدي واحد. رضيت "الحركة" مثل أحزاب عربية عديدة بوضع السعي من أجل "الديمقراطية" في المجتمع وداخل الحزب في آخر جدول أعمالها، بينما المواطن الحر المتمتع بكافة حقوقه هو الأساس في تحقيق الأهداف، فأدى التأجيل بحجة العدو الخارجي، الذي دام حتى اليوم لدى أنظمة وأحزاب، لتراكم الهزائم والكوارث.

لاحقاً في تقييم تجربة "الحركة" رأى أحد مؤسسيها –جورج حبش- أنه لو فكر بإعادة تأسيسها من جديد فسيضيف شعار أساسي وهو الديمقراطية.. التي لا يجوز أن يكون هناك أي شيء على حسابها.. فهي الشرط للسير نحو الوحدة والتطور والتنمية ومواجهة الأعداء وليس العكس، كما "أن جزءاً كبيراً من مسؤولية فشلنا يعود إلى أننا لم نكن ديمقراطيين..".

للتعليق على المقالة اضغط هنا

__________________
باحث متخصص في الشؤون الديمقراطية. (هذه المقالة تلخيص لدراسة مطولة تحمل العنوان نفسه)