قمة دمشق تنعقد بغياب مجموعة من القادة العرب (الفرنسية)
 
الساحة العربية في قمة دمشق سنة 2008 صورة طبق الأصل عن الواقع العربي، وهذا أمر طبيعي، غير أن المفارقة تكمن في أن القمة وجدت لتجمع صانعي القرار من أجل التأثير على الواقع القائم في اتجاه مشترك إن لم يكن موحدا.

والظاهر للعيان أن القمة تلتئم بنقص هام على صعيد الحضور، ونقص هام في جدول الأعمال، وحتى الحد الأدنى من التوافق المطلوب، الذي يتردد ذكره عادة مع طرح التساؤلات عن البيان الختامي المتوقع من القمم العربية لا يبدو متوافرا بدرجة كافية لهذه القمة.

وهذا ما يبرز أخطر المتناقضات، فالقمة تنعقد في مرحلة من أخطر المراحل التاريخية المعاصرة للمنطقة بمجموعها، ما يجعل الآمال المرجوة أقرب إلى التمنيات، وقبل الحديث عنها يمكن الحديث عما أضعفها كثيرا، مما سبق القمة من "إعداد" وما استبان من جدول أعمالها.

مؤشرات الحضور والغياب


"
سوريا دعت  السنيورة لحضور القمة لتسهيل التئام القمة
"
واضح أن الزعماء العرب كل على حدة، أو كبارهم، لا يستطيع تحمل حضور قمة ما لم يضمن مسبقا أن تسفر عن وجهة النظر التي يراها  تجاه مشكلة يعطيها الأولوية على سواها.

ورغم أن أزمة لبنان على وجه التخصيص وجدت من الجهود العربية ما لم تجد مثله أزمة أخرى، لا سيما بعد استعصائها على الجهود الغربية، جاء موعد قمة دمشق دون التوصل إلى صيغة نهائية ومشتركة، ناهيك عن أن تكون ملزمة.

والأصل المتبع في القمم أن يرفع إليها آخر ما تصل إليه الجهود الوزارية، لا أن يكون الحضور مشروطا بحل مسبق، وحتى في حالة استحالة الاتفاق، فالمفروض أن يكون الحضور مكتملا، كيلا تتعطل قضايا أخرى بسبب خلاف استعصى حله في قضية بعينها.

ويمكن أن نتجاهل هنا التوجه الأميركي المتمثل في دعوة إلى "أن يفكر الزعماء العرب مليا قبل حضور قمة دمشق -أي في دولة مارقة بمقاييس واشنطن- ولكن لا يمكن أن نتجاهل حقيقة أن مشكلات المنطقة إجمالا باتت تجد المعالجة والمتابعة والقرار على مائدة القوى الدولية في غياب القوى العربية.

وكلما كان حرص القوى الدولية كبيرا على الاستئثار بالقرار والهيمنة عليه -كما هو الحال مع أزمة لبنان، ازدادت شبهة ربط قرار الحضور والغياب العربي بمراعاة القوى الدولية أكثر من مراعاة الضرورة المصيرية الحيوية لوجود توافق عربي شامل حول القضايا الملحة أكثر من سواها في المنطقة.

لقد وجهت سوريا الدعوة رسميا إلى رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة للحضور، رغم عدم اعتراف المعارضة الأقرب إلى سوريا بمشروعية حكومته، ورغم أن لسوريا موقفا معروفا على صعيد الشأن الداخلي اللبناني، ما يؤكد أن دمشق قدمت ما يمكن تقديمه في المرحلة الراهنة لتسهيل التئام القمة على أعلى المستويات، ورغم ذلك لم يتحقق المطلوب.

إن تحول المشاركة في القمة إلى مساومات مسبقة على تلبية الرغبات الانفرادية، يعني أن اللقاء ليس قمة بالمعنى السياسي التقليدي للكلمة، بل مجرد لقاء قد لا تسري عليه حتى مقولة إن مجرد الالتقاء هو نجاح بحد ذاته.

مؤشرات جدول الأعمال

"
إن تغييب عدد من القضايا العربية الأخرى عن جدول أعمال القمة العربية يعني غياب تلك القمة العربية نفسها عن الواقع العربي

"
جمع جدول أعمال القمة عددا من البنود أهمها التقارير المرفوعة للقمة، والأمن القومي العربي، والقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ومستجداته، وتطورات الوضع في العراق، ورفض العقوبات الأميركية  ضد سوريا، والإرهاب الدولي وسبل مكافحته، وأضيف إلى ذلك العقد العربي للشباب 2008-2017، ومشروع للنهوض باللغة العربية بالتوجه نحو مجتمع المعرفة.‏

أما قضية لبنان المختلف حولها فلم تذكر ضمن البنود المقررة لجدول الأعمال آنذاك، وإن تكرر الحديث عن دعم جهود الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى لتمرير المبادرة العربية المقررة سابقا. فهل يمكن لقمة دمشق أن تصنع تحولا في الواقع العربي على ضوء هذه العناوين؟ الجواب: لا قطعا، رغم كل التمنيات أن يخيب الزعماء العرب هذا التوقع السلبي.

ورغم الرغبة في عدم استباق نتائج القمة، فإنه يكفي لتعليل الجواب ملاحظات مبدئية، بالنظر في صياغة بنود جدول الأعمال، وهي ما تكون عادة مدروسة مقصودة.

أما الأمن القومي العربي فلا يصنع قطعا في القمة، ولا عبر صيغة بيان ختامي تعميمي، ولا توجد في ساحة العلاقات العربية مؤشرات واضحة أو حتى مبدئية للقول بوجود جهود في اتجاه استعادة أرضية مشتركة للدول العربية، يقوم عليها أمن عربي مشترك، ناهيك عن استعادة الوضع الذي كانت ترمز إليه معاهدة الدفاع العربي المشترك، المعطّلة منذ اتفاقات كامب ديفد المعروفة.

ولا نجد شيئا ملموسا عند السؤال عما تم تنفيذه منذ قمة الرياض سنة 2007، التي كانت قد أدرجت هذا البند على جدول أعمالها.

ويطرح لقضية فلسطين المشتركة للمنطقة العربية والإسلامية، التي تمر بمنعطف خطير للغاية، في جدول الأعمال عنوان يؤكد أن الدول العربية لم تصل إلى تصحيح الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه عندما قسمت القضية إلى قسمين، أحدهما نزاع فلسطيني-إسرائيلي، والآخر صراع عربي-إسرائيلي.

أما تطورات الوضع في العراق فهي أكبر من أن توصف في القمة  بمثل هذا التعبير "الحيادي"، فالعراق على مفترق طرق، بين انسحاب أميركي، وعلاقات عربية-إيرانية بالغة التعقيد، يخشى إذا اتخذت مسارا سلبيا أن تشغل المنطقة لسنوات عديدة مقبلة. والعراق بحاجة إلى موقف عربي مشترك قوي ومؤثر، وليس إلى مجرد "مواكبة التطورات" التي تصنعها أطراف دولية وإقليمية أخرى.

وقد لا تتجاوز المواكبة حدود بضع عبارات تعميمية في البيان الختامي، لا تبلغ حتى درجة النقد الصريح للممارسات الجارية على حساب العراق وحساب الدول العربية معه.

والمرجح أن رفض العقوبات الأميركية على سوريا سيكون كلاميا، فلا يبدل شيئا من مجرى القرارات الأميركية والدولية، ولن يتعدى حدود مجاملة الدولة التي تنعقد القمة فيها كما هو معتاد في قمم سابقة في دول عربية أخرى. أما إذا كان رفض تلك العقوبات مدعوما بإجراءات مضادة عربية فهو المطلوب، وليس في الواقع القائم ما يشير إلى ذلك.

ويبرز بين بنود جدول الأعمال كذلك بند الإرهاب الدولي وسبل مكافحته، ويجب القول إن التلاقي على ذلك أصبح هو الأمر الجماعي الوحيد المتكرر في القمم وخارجها، فلا جديد فيه.

ويبقى البندان الأخيران "العقد العربي للشباب ومشروع النهوض باللغة العربية"‏ اللذان أضيفا وفق رغبة الدولة المضيفة، مفتقرين إلى مشاريع عربية مستديمة، حتى لا يتحول ذلك إلى مجرد تلبية الرغبة السورية في إبراز منجزات في صيغة عناوين.

إن هنالك قضايا أخرى مهملة على صعيد الإعداد الوزاري المسبق، كالصومال والسودان والصحراء الغربية ومستقبل الاقتصاد العربي، ما يؤكد أن الحديث عنها سيكون بعبارات تعميمية مقتضبة في البيان الختامي.

إن تغييب القضايا العربية عن جدول أعمال القمة العربية يعني غياب تلك القمة العربية نفسها عن الواقع العربي، وليس غياب تلك القضايا عن جدول أعمالها فحسب.
 
آمال عريضة
 
المطلوب من الدول العربية أثناء انعقاد القمم وقبلها وبعدها أن ترتفع بمستوى جهودها وسياساتها وعلاقاتها البينية، إلى مستوى متطلبات المرحلة التاريخية التي تعيش فيها، ولا أخطر عليها من أن تعيش على هامشها فقط.

فالآمال كبيرة رغم كونها توصف بلغة السياسات المفروضة بأنها غير واقعية. ولو تجاوزنا جدلا قضايا مصيرية غير "ساخنة" كالأمن الغذائي والنهوض التقني والتقدم العلمي والبنية التحتية المشتركة وغيرها، لكان من تلك الآمال ما يلي:

"
ليس مقبولا من قمة عربية تنعقد في ظروف العرب الحالية أن تتحدث في بيانها بحذر دبلوماسي تجاه القوى الدولية، وغير دبلوماسي ولا سياسي تجاه الشعوب
"
فلسطين
المطلوب من الدول العربية في قضية فلسطين أن تعود بها إلى موقعها الطبيعي قضية مصيرية تكون مصدر تحديد نوعية العلاقات مع مختلف القوى العالمية، الصغرى والكبرى، عبر موقف مشترك ملزم، ومخطط إستراتيجي سياسي بعيد المدى.

وليس مقبولا من قمة تنعقد في دمشق أو سواها، في ظروف حصار قطاع غزة والانقسام الفلسطيني والعدوان الإسرائيلي والهمينة الأميركية واستهداف المقاومة الفلسطينية، أن تتحدث في بيانها بحذر دبلوماسي تجاه القوى الدولية، وغير دبلوماسي ولا سياسي تجاه الشعوب، عن رفض هذا أو ذاك فحسب، فالرفض الكلامي مهمة أقلام وأصوات إعلامية، وليست مهمة ساسة يصنعون القرار.

والمطلوب اتخاذ إجراءات عملية مشتركة لا تراجع عنها إلا بتحقيق الأهداف المرتبطة بها، بدءا بتحرير الشعب الفلسطيني من الحصار، مرورا بدعم المقاومة حتى التحرير، انتهاء بتوظيف القدرات العربية الذاتية لفرض الصلح على الأطراف الفلسطينية بما يخدم قضية فلسطين، وليس هذا الفريق أو ذاك، على ضوء اقترابه أو بعده من التصورات والرؤى الأميركية والإسرائيلية.

العراق
والمطلوب بذل أقصى الجهود المباشرة للحيلولة دون تقسيم العراق، ودون فرض نفوذ خارجي عليه، ودعم المقاومة المشروعة فيه ضد الاحتلال الأجنبي، وإنهاء الاحتلال بمختلف صوره الحالية، وما يخطط لبقائه مستقبلا بعد سحب القوات العسكرية أيضا.

لبنان وغيره
التصرف إزاء قضايا لبنان والصومال والسودان وسوى ذلك من القضايا تصرف كتلة عربية من الدول، لا تصرف مجموعة من القادة والزعماء يلتقون أو يلتقي بعضهم ويغيب الآخر، وكل منهم يحاول أن يفرض وجهة نظره، ولا يقبل بالتعاون حتى في المجالات غير المختلف عليها.

ومما يلفت النظر دون ريب غياب بند لا غنى عنه في جدول أعمال قمة دمشق، وهو بند "الإصلاح"، وكان قد وجد طريقه إلى القمم العربية قبل سنوات عندما كان مطروحا لغايات مرفوضة من جانب قوى أجنبية، وكان يقال إنه قرار محلي والتدخل الأجنبي فيه مفقود، وانحسرت الضغوط الأجنبية لأسباب معروفة، فما سر تغييبه إذن؟

ومتى سيطرح على أرض الواقع الفعلي لا في القمم فقط؟ ألا يظهر للعيان مدى الخطر الكامن في تغييبه رغم أنه مطروح على مستوى الشعوب قبل أي قضية أخرى؟ إن الإصلاح الداخلي الشامل المطلوب شعبيا، هو المدخل لإنقاذ كل قضية أخرى من الانهيار المتتابع، عبر جهود مستمرة.

إن استمرار انعقاد القمم أو غيابها في صنع خيبات الأمل الشعبية لا يبقي الحبل مقطوعا بين الأنظمة والشعوب فحسب، بل يقطع أيضا الصلة بين الأنظمة والواقع الجاري صنعه على أرضها دون أن تسهم فيه إسهاما إيجابيا يذكر.

_______________
كاتب سوري

شارك برأيك