بقلم/عدنان الهياجنة

تناقش هذه الدراسة عدد من المسائل بأسلوب فيه الكثير من المصارحة والمكاشفة التي نحن بأمس الحاجة إليها في المرحلة الحالية، وتتضمن خمسة محاور وخاتمة:

- المصالح الأمريكية في المنطقة العربية.
- الولايات المتحدة الأمريكية والولايات العربية: مقارنة.
- تصنيف الدول حسب معايير الولايات المتحدة الأمريكية.
- أثر الصراع الحضاري والدين في العلاقات العربية – الأمريكية.
- الديمقراطية وحقوق الإنسان.
- ماذا يمكن أن ننتظر من أميركا

المصالح الأمريكية في المنطقة العربية

إن المصالح وتعريفها يختلف من منظور الولايات المتحدة الأمريكية منه في العالم العربي، حيث لا نستطيع القول إنّ العالم العربي يشكل وحدة سياسية مستقلة، أو على الأقل وحدة ذات سياسة خارجية واحدة يمكن الحديث عنها كوحدة مستقلة، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، التي بينت التجارب التاريخية على الأقل في العقود التي بدأت منذ الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية الآن بأنها ثابتة، إذ لا تختلف السياسة الخارجية في عهد أي رئيس أمريكي عن الآخر وخاصة ما يتعلق بالوطن العربي، وإن كانت بعض الوسائل تختلف من حين لآخر وهذا يعبر عن استمرار النهج الأمريكي وتعريف المصلحة الوطنية لها، بغض النظر عن الفرد الموجود في البيت الأبيض.

أما ما يتعلق بالمصالح العربية فهي تتوزع حسب تصنيف هذه الدول من منظور الولايات المتحدة الأمريكية والتي سيتم مناقشتها لاحقاً في هذه الدراسة، لكن يبقى الأمر الأساسي في غياب الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة في معظم الأقطار العربية، بأن المصلحة الأولى والأخيرة للدول العربية من علاقات مع الولايات المتحدة أو مع غيرها هو المحافظة على الوضع الكائن، وبكلمات أخرى الاستمرارية في الحكم دون النظر لأي مصالح أخرى. لذا فإن المصالح الأمريكية تتمثل بمصالح وطنية عليا بينما المصالح العربية تتمثل في المجمل في المصالح الفردية المرتبطة بأنظمة الحكم السائدة.

والحديث عن مفهوم العلاقات العربية–الأمريكية يعتبر تناقضا في سلسلة المفاهيم ضمن الثقافة العربية السائدة في العلاقات الثنائية، فلا بد أن تمثل جانبين على الأقل حتى نسميها علاقة، فكيف يمكن لنا أن نحكم على دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية تفعل ما تريد، والدول العربية تستجيب إما بالإكراه أو بالقوة، بأن مثل هذه العلاقة تسمى علاقة دولية بمفهوم العلاقات الدولية المبنية على الصورة المثالية التي تحترم أطراف العلاقة.

الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية: مقارنة

علاقات أميركا مع العرب: الهيمنة على النفط وخفض أسعاره واستمرار تدفقه
تدل المؤشرات العلمية على تفوق الولايات المتحدة الأمريكية في جميع المجالات على العالم العربي، ففي الجانب العسكري يتوقع أن تصرف الولايات المتحدة على الإنفاق العسكري في عام (2003) ما حجمه إنفاق (15-20) دولة من أكثر الدول إنفاقاً في العالم مجتمعة مع بعضها البعض.

وفي الجانب الاقتصادي فإن حجم اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ ضعفي الاقتصاد الياباني إذا اعتبرت اليابان أنها المنافس الأول للولايات المتحدة الأمريكية اقتصادياً، فعلى سبيل المثال فإن اقتصاد ولاية كاليفورنيا يعتبر خامس أكبر اقتصاد في العالم متقدماً على دولة مثل فرنسا ويأتي بعد دولة مثل بريطانيا العظمى. وعلمياً فإن الإنفاق الأمريكي على البحث العلمي والتطوير مع نهاية التسعينيات يقدّر بما يساوي مجمل إنفاق أكبر سبع دول مجتمعة مع بعضها البعض.

إن مقارنة العالم العربي مع الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن يكون ذا مغزى علمي إذا كان حجم اقتصاد الدول العربية مجتمعة لا يساوي نصف اقتصاد دول أوروبية مثل إيطاليا، وحجم إنفاقها على البحث العلمي لا يساوي مجتمعاً ما تنفقه إسرائيل على البحث العلمي.

أما بالنسبة للإنفاق العسكري فإنه مؤشر غير حقيقي لقوة الدول العربية عسكرياً وهو مرتبط بعوامل كثيرة منها إعادة استخدام أموال النفط من قبل الدول المستوردة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يعبر عن قوة عسكرية في ضوء تجارب حرب الخليج الثانية وما قبلها وما بعدها.

فحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 فإن معدل دخل الفرد تراجع في آخر 20 سنة إلى مستوى أكثر بقليل من دول الصحراء الأفريقية، كما أن وفيات الولادة ضعف ما هو موجود في أمريكا اللاتينية وأربع أضعاف ما هو موجود في دول شرق آسيا، ويترجم العالم العربي كله (330) كتاب سنوياً وهو خمس الرقم الذي تترجمه دوله مثل اليونان، وتترجم إسبانيا في سنة واحدة مجموع ما تم ترجمته في العالم العربي منذ عهد الخليفة المأمون، ومستخدمو الإنترنت العربي نسبة لا تذكر....الخ.وبهذا ما هو التوازن الذي يمكن أن يكون موجوداً في هذه العلاقة؟

وبغض النظر عما تقدم فإن الأدب الفكري السياسي يبين عدداً من المصالح المتعارف عليها لدى الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بالوطن العربي ويمكن تلخيصها بالآتي:

  1. الحرص على عدم سيطرة أي دولة على النفط، ومنع أي هيمنة خارجية أو عربية على مصادره، وضمان تدفقه بأسعار معقولة للعالم الغربي والصناعي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية ومنها اليابان.
  2. الإبقاء على الوضع الكائن من عدم استقرار سياسي، ومنع أي تقدم في مجال التنمية السياسية أو التنمية الاقتصادية قد يؤثر على زعزعة الأنظمة العربية الموالية للولايات المتحدة الأمريكية.
  3. حماية إسرائيل كحليف استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط من أي خطر عربي أو خارجي قد يهدد وجودها.

إن أي مراجعة عملية لتصريحات الرئيس الأمريكي وصناع القرار في الآونة الأخيرة مع مراقبة حثيثة لأنماط العلاقات العربية، خاصة بعد انتفاضة الأقصى يشير إلى أن مسألة النفط لم تعد الحلم الكبير بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، لأنها تحصل على هذا النفط بالطرق المريحة، حيث أن الدول المصدرة لا تستطيع أن تبقى على قيد الحياة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بدون عوائد النفط. وإن مسألة المحافظة على الوضع الكائن يثير الكثير من التساؤلات حول علاقة الأنظمة العربية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبناء عليه فإن تحقيق الهدفين الأوليين الآنفي الذكر يصب في خدمة الهدف الثالث بطرق مباشرة، لذا فلا بد أن تكون الأمور واضحة في أذهاننا بعيداً عن عالم التمنيات الذي نتوق إليه.

تصنيف الدول حسب معايير الولايات المتحدة الأمريكية

دول محور الشر في العالم كما وصفها الرئيس الأميركي بوش
يمكن القول إن طبيعة العلاقات الأمريكية العربية يحكمها طبيعة التصنيف الذي تحصل عليه الدول العربية من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي المقياس الذي تتعامل به الولايات المتحدة الأمريكية مع تلك الدول. ويمكن تصنيف هذه الدول حسب الوصف الأمريكي إلى:

  1. دول صديقة للغرب
    ويبدو أن عددها في تناقص وهي عادة ما ترتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب، وتتلقى دعماً اقتصادياً وعسكرياً ومعنوياً من الولايات المتحدة الأمريكية بغية الحفاظ على النظام السياسي الحاكم فيها.
  2. دول عربية خارجة على القانون ( Rogue States)
    وهي دول تأخذ مواقف سياسية واقتصادية معادية للولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة ما يتعلق بعملية السلام مع الكيان الصهيوني. وهذا العامل الأخير هو المرجح في طبيعة تصنيف هذه الدول وعادة ما تتلقى هذه الدول ضربات عسكرية وضغوطا اقتصادية منها عقوبات ومقاطعة اقتصادية في محاولة لتغيير سلوكها وتهديد الدول الصديقة من خلالها بطرق غير مباشرة.

وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الدول التي تُوصَفُ بأنها خارجة عن القانون تعتبر أداة للضغط على الدول الصديقة، حيث يمكن لهذه الدول إذا غاب العنصر الأمريكي الداعم أن يتم تحويلها إلى دول خارجة على القانون. ويبدو أن العنصر الأساسي من خلال التجربة السابقة في العلاقات الأمريكية العربية هو مدى قبول الدول العربية بعملية السلام أو رفضها لها، أي حول رضى إسرائيل عنها، لذا فإن الدول التي تقبل عملية السلام ووجود إسرائيل فهي عادة تقع في التصنيف الذي يضمن الرضى الإسرائيلي وبالتالي الأمريكي والعكس غير صحيح، وأفضل مثال على هذه النظرية هو السلوك الأمريكي الأخير تجاه التخلص من رئيس السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات.

ومؤخراً فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد تخلت عن تصنيف الدول خارجة على القانون وذلك باستخدام "دول محور الشر" الذي ابتدعته إدارة بوش الابن، أي موقف الدول من الإرهاب. وهناك تطابق عملي للدول التي كانت تقع في التصنيف السابق (خارجة على القانون) مع التصنيف الجديد، والتي تعتبره الآن من دول محور الشر وهذا يرتبط إلى حد كبير جداً بموقف أي دولة من ما يسمى بالإرهاب الدولي، لذا فإن تسارع الكثيرمن الدول العربية لدعم موقف الولايات المتحدة الأمريكية في حربها على الإرهاب ما هو إلا مؤشر للحفاظ على التصنيف الأمريكي وعلى المزايا المتوخاه منه. ولا توجد نظرية أخرى يفهم بها السلوك الغربي إلا هذه النظرية.

وعلى سبيل المثال فإن خطة الرئيس بوش والتي أعلنت في الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران عام 2002 تتضمن عدداً من القضايا الباطنية، منها إرضاء القيادات العربية في محاولة حل القضية الفلسطينية من أجل ضرب وتدمير العراق. حيث لا يمكن في الظروف العربية الحالية وخاصة ما يتعلق بالرأي العام العربي أن تضرب أمريكا في فلسطين وفي بغداد في آن واحد، فعليها تأجيل العملية السلمية وتبريد الموقف إلى حين آخر بعد ثلاث سنوات حتى يتسنى لها ضرب العراق بالطريقة التي تخفف من الضغوط العربية – المرتبطة بالرأي العام العربي - على الولايات المتحدة الأمريكية.

فمن المستحيل تحقيق الشروط الأمريكية المرتبطة إلى أبعد الحدود بالإطاحة بياسر عرفات واستبداله بقائد آخر وتعرف أمريكا وغيرها أن ذلك من المستحيل حدوثه ما دام ياسر عرفات على قيد الحياة، لأن معظم الانتخابات في العالم العربي وخاصة الرئاسية يفوز بها المرشح الوحيد بنتيجة 99% أو أكثر فكيف نتوقع أن يفوز مرشح آخر على عرفات إذن فالإجابة معروفة فيما يتعلق بالخطة الأمريكية تصنيف للسلطة الفلسطينية بما يلائم إسرائيل وتبرير موقف الأخير أمام العالم الغربي، لذا فهذه هي نمطية مستمرة في الفكر السياسي الأمريكي المتعلق بالسياسة الأمريكية، وهذا ما سيحدث لصدام حسين ولأي نظام سياسي يعارض توجهات الولايات الأمريكية مع الإشارة هنا إلى أن هذا الأسلوب في تغيير الأنظمة السياسية استخدم من قبل كوسيلة من وسائل السياسية الخارجية الأمريكية وعلى سبيل المثال لا الحصر إبان الأزمة الكوبية في عهد الرئيس الكندي.

أثر الصراع الحضاري والدين في العلاقات العربية – الأمريكية

يميل البعض في العالم العربي لاعتبار أنفسهم في موقع الضحية وقد اعتاد الشعب العربي على هذه النظرية، بحيث أصبحت أفيون الشعب العربي في العقود الماضية، وخاصة بعد ظهور مقالة "صراع الحضارات" لصمويل هنتنغتون أحد كتاب العلاقات الدولية والذي كتب في موضوعات متعددة تنم عن عدم وجود خط بحثي له، إضافة إلى أنه يعبر عن واقع السياسة الأمريكية وهي مقالة مشهورة يستشهد بها في معظم المقالات والدراسات والندوات والحوارات الصحفية. ويلاحظ عدم فهم واضح لهذه الدراسة، ويبدو أن أكثر من يناقشها لم يقرأها كاملة، وهي إلى حد كبير تعكس منظور العلاقات الدولية والذي يمثل المدرسة الواقعية الكلاسيكية التي مازالت تسيطر على واقع السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ولغاية هذه اللحظة. وإن تم استبدال أهم الفاعلين بالعلاقات الدولية بالحضارات بدلاً من الدول وبقي الصراع من أجل القوة هو المحفز الأساسي للعلاقات الدولية.

وربما يكون من السذاجة الفكرية لدى كثير من المفكرين في العالم العربي الذين لا يعون مثل هذه النظريات ويخالون أن العالم متربص بالإسلام والمسلمين وأن حربا صليبية شعواء يشنها الغرب على العالم الإسلامي ولا مفر منها.

إن الصراع يحدث بين قوتين متقاربتين في القوة على الأقل، ولا يبدو ذلك واضحاً لا بين الولايات المتحدة والعالم العربي ولا بين الأولى والعالم الإسلامي حيث لا وجه للمقارنة بين الولايات المتحدة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ووجودياً مع العالمين العربي والإسلامي. لكن ذلك يصب في رغبة لدى البعض في العالم العربي الإسلامي بأنه الضحية، حيث قبل الشعب العربي والشعب الإسلامي بهذه الحالة، ومن مصلحة الأنظمة السياسية أن تصل إلى ذلك لأنها مستفيدة كثيراً من هذا الفكر السائد الذي يهدد العالم العربي ومستقبله، والذي أدى إلى الركون والسكوت وانتظار المهدي لإنقاذه من هذه المصيبة التي لا يستطيع أن يعيش فيها، فهو في مرحلة إدمان وبحاجة لمعالجة تصل لعقود أن لم يكن لقرون قادمة.

لا بد للدول من أن تفهم أن العلاقات الدولية تحكمها مدرسة فكرية مؤثرة منذ زمن طويل وخاصة منذ بداية الحرب الباردة وهي المدرسة الواقعية، التي تركز على مسألة الصراع والقوة في العلاقات الدولية وخاصة مسألة أن الصراع أمر مستمر بين الدول من أجل القوة والمحافظة على القوة في إطار تحقيق الأمن القومي للدول، ولكن الحديث عن تأثير الدين في السياسة الأمريكية تجاه العرب فهو مبالغ فيه.

ويمكن للدين أن يؤدّي دوراً في التأثير في السياسة الأمريكية إذا كان يمثل تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة الأمريكية ولا أجد في هذه اللحظة التاريخية أسبابا واضحة لقوة الدين في التأثير على السياسية الأمريكية خاصة في ظل المشهد السياسي الإسلامي في العالم الإسلامي.

الديمقراطية وحقوق الإنسان

يطالب كثير من المفكرين وصناع القرار في عالمنا العربي أمريكا بمعاملتهم بالمثل كما يحصل داخل الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان. ومن المؤسف أن المفكرين وصناع القرار في العالم سرعان ما ينجرفون خلف أضواء "موضات" المفاهيم والأفكار الحضارية التي لم تكن جزءاً من مسيرة التطور العربي في القرن الماضي. فمرة يلهثون وراء العولمة ومرة وراء الشراكة الأوروبية المتوسطة ومرة وراء ثورة المعلومات ومرة وراء الديمقراطية ومرة وراء حقوق الإنسان...الخ.

وما يحدث في عالمنا العربي بأنه تقام الندوات والمؤتمرات والحوارات والتخصصات الحديثة في الجامعات والمنتديات الثقافية لمناقشة هذه الأفكار والمفاهيم الجديدة، وما أن ننتهي من ندوة حتى يطالعنا العالم الغربي بمفاهيم جديدة لنعقد لها الندوات والمؤتمرات وكأن مرحلة من الإلهاء الحضاري تمر بها الشعوب العربية لغياب الفكر الذي يمكن أن ينتج أفكاراً ذاتية تعبر عن دافع داخلي يمكن أن يترقى بمستوى الأمة ويعبر عن طموحاتها ضمن أجندة وطنية، وهذا لا يعني أن يعيش العالم العربي بمعزل عن العالم الخارجي ولا يعني فقط أن يبقى في مرحلة رد الفعل دائماً.

والأسئلة المطروحة ماذا نتوقع من العالم العربي والذي تشكل دوله ما نسبته 47% من الأتوقراطية الموجودة في العالم؟ هل الديمقراطية جاءت كمطلب شعبي أما أنها جاءت ديمقراطية فوقية لمصلحة آنية نظمية وللتخفيف من حدة تراجع فعالية الأنظمة السياسية وشرعيتها؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح ، لأن الديمقراطية وحقوق الإنسان ذاتية المنبت.

فهل يمكن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى يصبح العالم العربي عالماً ديمقراطياً تسود فيه سيادة القانون وتطبق فيه مبادئ حقوق الإنسان؟ ولماذا تخسر أمريكا كل ما تسعى إلى الإبقاء عليه؟ هل الديمقراطية التي تسعى إليها أمريكا هي تمييع الهوية العربية من أجل تدمير ما تبقى منها؟

إن الأحداث ضد العرب والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول من تدمير للممتلكات الخاصة والمقاطعة والمعاملة السيئة للفرد ليست بغريبة ومستهجنة على الولايات المتحدة الأمريكية فنظرة بسيطة لتاريخ أمريكا يشير إلى معاملات مماثلة لشعوب أخرى مثل:

  • أولاً: معاملة الأمريكان من أصول أسيوية – صينية - معاملة سيئة بعد أن قامت الصين بإنزال طائرة التجسس الأمريكية واحتجزت ( 24 ) من طاقم الطائرة الأمريكية وخاصة اتهام العالم الصيني "ون هو لي" (Wen Ho Lee ) بتزويد معلومات نووية سرية للصين. وزيادة المعاملة السيئة وعدم الثقة بالأمريكان من أصل صيني حسب استطلاع معهد غالوب في إبريل /نيسان (2001) Gallup Poll.
  • ثانياً: معاملة اليابانيين معاملة سيئة ووضعهم في مخيمات عسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية شاهد آخر على السياسة الأمريكية تجاه الأقليات أو الأمريكان من أصول غير انجلو ساكسونية واضحة وليس لنا أن نستغرب ما يحدث للعرب ونتوقف عن الأمنيات.

إذ مثل هذه السلوكيات تبرز لدينا النمطية النظمية الأمريكية في التعامل مع شعوب العالم بغض النظر عن العرق أو الدين وممارسات الكراهية الموجودة لديهم. كما أن كراهية شعوب العالم لحكومة أمريكا لن تزول خاصة مع ما نراه على شاشات التلفاز يومياً من مقتل أجانب من قبل أمريكان لديهم خبرة حربية فاشلة في معظم الحروب التي خاضتها أمريكا وخسرتها.

وإن مناقشة مسألة وجود الطلبة العرب والجالية العربية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولة تغيير المناخ السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية لأنه أصبح يهدد الأنظمة السياسية العربية خاصة أن أمريكا أصبحت ملاذاً للمضطهدين من العرب ومكاناً للتعليم وهذا يهدد مستقبل الأنظمة العربية في حالة زيادة نسبة التعليم الإيجابي لدى هؤلاء العرب وعودتهم لبلادهم؛ لذا فإن الضغوط الأمريكية والتعاون الأمني العربي على العرب الذي يعيشون في أمريكا أو يرغبون بالدراسة فيها مبرر في ضوء ما تقدم؛ ولذا نجد أن أمريكا ترغب بنشر ثقافة عدم الاهتمام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بخلق جيل بدون ثقافة أو تراث همه الوحيد الاستمتاع والاستهلاك ليبقى منفصلا عن الوضع السياسي، وهذا واضح في كثير من البرامج الثقافية التي تنفذها وتحوّلها الولايات المتحدة الأمريكية في كثير من البلدان العربية.

ماذا يمكن أن ننتظر من أمريكا

لو أطلعنا على واقع السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات الماضية في الدول العربية لوجدنا ما يلي:

  • حصار العراق والسودان وليبيا وما نتج عنه من مشكلات في جميع مجالات الحياة.
  • استخدام القوة العسكرية أكثر من مرة ضد دول عربية منها العراق وليبيا والسودان.
  • الدعم غير المشروط لإسرائيل. والذي يتضمن دعم إقامة المستوطنات وقتل الفلسطينيين وأطفال العراق.
  • العمليات السرية ضد الدول العربية "Covert Action" إبان الحرب الباردة وبعدها لزعزعة الاستقرار الداخلي.

ماذا يتوقع الأمريكان من الشعب العربي بعد كل هذه الممارسات ؟ وبعد أن حوصرت الشعوب العربية من قبل أنظمتها السياسية في ظل ضيق العيش والظروف الاقتصادية القاسية وغياب الحريات والقهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري والشعور بالحسرة والضياع وخاصة في ظل تخاذل بعض الأنظمة السياسية العربية وانتشار المحسوبية والمافيات العربية التي تسيطر على أرزاق الناس وتتلاعب باقتصاديات الدول. ماذا يمكن أن يصدر من هؤلاء ؟ إن الإجابة على هذا التساؤل في ظل البيئة والمناخ الذي يعيشه العالم العربي من القهر والحسرة يجب أن يدرس قبل أن تفكر أمريكا وغيرها بالعلاقات العربية الأمريكية إن كانت ترجو أو تتمنى أو تقوم علاقات عربية أمريكية على أسس من الاحترام المتبادل وأنا أشك بذلك.

فإشارة إلى ( Sowmley, John 2001 ) فإن الشرق الأوسط يمكن وصفة بمواطنين فقراء، وخدمات اجتماعية فقيرة، وتعليم فقير، وغياب للديمقراطية، وانتهاك لحقوق الإنسان، وفساد واسع، ودول عسكر وأحياناً حكام متسلطين، ولا حقوق للشعوب في مصيرهم ..." ماذا يمكن أن يصنع هكذا شعب من علاقات مع أمريكا.

إن هذه الدراسة حاولت قدر الإمكانات المتاحة توضيح الصورة المرتبطة بالعلاقات الأمريكية العربية والتي تتمحور في إطار واحد هو خدمة إسرائيل ومصالح إسرائيل بالدرجة الأولى؛ لذا فإن علاقاتها مع الدول العربية مرتبطة بمدى خدمة مصالح إسرائيل ودعمها لحقوق الإنسان والديمقراطية يستمر إذا ما تطابق ذلك مع مصالح إسرائيل، والدين لا علاقة له بسياسة أمريكا تجاه العرب ما لم يؤثر ذلك على الكيان الصهيوني الأمريكي – إسرائيل -. حيث إن هناك مصالح كثيرة لصناع القرار في أمريكا من خدمة مصالح إسرائيل وأقلها الانتخابات والدعم المادي فيها.

ولذا فإن الدراسات التاريخية التي تشير إلى تطور العلاقات بين أمريكا والدول العربية والتي تبرر الزيارات الرسمية والتبادل التجاري والثقافي لا تحتاجه أمريكا إذا لم يخدم ذلك المصالح الإسرائيلية.

إن هذه الدراسة دعوة صريحة للعالم العربي لصحوة من هذا السبات والآمال والسراب الذي يعيشه وتنتظره من أمريكا. فالخلاص والأمل يأتي من الداخل وليس من الخارج درس لا بد أن نتعلمه وإن كان الثمن باهظا؛ بعيداً عن كل هذا الإلهاء الحضاري الذي تعيشه الأمة وراء المفاهيم والنظريات العقيمة التي أوصلتنا إلى أن يصل شبابنا في العالم العربي إلى الاستحياء من عروبتهم وانتمائهم لهذه الأمة التي أضاعت كل شيء في ظل أن يبقى الوضع الكائن على ما هو عليه.
ـــــــــــــــــــ
*أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الهاشمية في المملكة الأردنية الهاشمية