السادات (وسط) أراد استثمار الشعور الشعبي بالنصر كي يطرح خيار السلام (الفرنسية-أرشيف)

لقاء مكي

لم تكن خطوات الرئيس المصري الراحل أنور السادات للصلح مع إسرائيل أول عهد التعاطي مع أطروحات التسوية السياسية، فقبل زيارته للقدس المحتلة عام 1977 شهدت الساحة الفكرية والإعلامية في مصر بشكل خاص دعوات وتنظيرات تروج لإنهاء حالة الحرب، وتهيئ نفسيا لقبول فكرة السلام، من خلال طرح تصورات للعلاقة مع إسرائيل كانت تعتبر قبل ذلك من المحرمات التي تدخل في دائرة الخيانة.

ويمكن رصد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بصفتها حدثا فاصلا، تلته مباشرة هذه الدعوات مستفيدة من مناخ الشعور بالنصر الذي ساد في مصر والعالم العربي، بل إن الحديث عن التسوية مع إسرائيل بدأ في غمرة الحرب، وتحديدا في يومها العاشر، من خلال خطاب للسادات أعلن فيه استعداده للتفاوض مع إسرائيل وحضور مؤتمر دولي للسلام.

صراع وجود
كان هذا المنطق السياسي غير مطروح من قبل، ناهيك عن كونه غير مقبول، ومن الواضح أن السادات أراد استثمار لحظة الشعور الشعبي بالنصر وتقديمه شخصيا بطلا لهذا النصر كي يطرح رؤية مرت برفض إسرائيلي مباشر في حينه، ومع ذلك فهي لم تثر صدمة تستحقها بسبب انشغال المصريين والعرب بمجريات الحرب والشعور بالإنجاز العسكري الكبير آنذاك، على الرغم من أن كثيرا من المحللين اعتبروا هذه الدعوة من الأسباب المباشرة لتراجع معنويات القوات المصرية وتسهيل مهمة الخرق الإسرائيلي في منطقة الدفرسوار بعد خطاب السادات بساعات.

ولم يكن في دعوة السادات ما يمكن تفسيره على أنه مجرد تكتيك سياسي، فهو لم يعرض السلام فقط، بل أعرب عن استعداده لفتح قناة السويس فورا وتعمير مدنها، في إشارة واضحة إلى قراره بإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، ونقل الصراع لأول مرة من سياقه الثقافي المستمر منذ عام 1948 على أنه صراع وجود إلى كونه صراعا تقليديا حول أراض محتلة.

تلقف بعض المثقفين العرب إشارة السادات، أو ربما ساروا على منوالها ليقدموا رؤى تؤسس لخيار التسوية بوصفه حلا نهائيا للصراع، وخلال السنوات التي فصلت بين الحرب وبين زيارة السادات للقدس، مرورا باتفاقية كامب ديفد، وصولا إلى اتفاقية السلام عام 1979، ظهرت كتابات وتصريحات كانت كأنها تقدم لما سيأتي، ومن أمثلة ذلك كتاب أعد على عجل للكاتب اللبناني كريم مروة صدر في أواخر عام 1973، أي قبل إبرام اتفاقية فصل القوات وانتهاء الحرب رسميا، يدعو فيه إلى الاعتراف بإسرائيل، معتبرا أن شعارات رفض الصلح والاعتراف كما وصفها باتت من قبيل الرومانسية.

وكي يكون لهذه الدعوات فرصة لإقناع الرأي العام، سرت في مصر بشكل خاص ظاهرة قرن السلام بالرخاء، وإلقاء تبعات الفقر والمشكلات الاقتصادية في مصر على ما وصفه مقال نشرته جريدة الأهرام في نهاية عام 1974 بأنه "اشتغال بقضية فلسطين وإنفاق الملايين على الحرب مقابل تمركز الثروات بيد العرب".

وبالطبع فإن الإعلام الحكومي في مصر لم يكن ينقل كتابات إسرائيلية نشرت في نفس الوقت وكانت تشدد على ضرورة إقناع المصريين بحل مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية عن طريق السلام مع إسرائيل، لكنه كان بالطبع حريصا على الترويج لقرار أميركي بمنح مصر 200 مليون دولار إن دخلت في عملية السلام.

الروائي الراحل نجيب محفوظ كان من الداعين للسلام مع إسرائيل (الفرنسية-أرشيف)

الدور الوظيفي
لم يقتصر الأمر على حدود تسويق فكرة السلام وتعداد "محاسنها" مقابل مساوئ الحرب، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى تقديم رؤية لآليات التعاون مع إسرائيل من خلال منحها "دورا وظيفيا" يتمثل -كما قال الكاتب المصري محمد سيد أحمد في كتاب نشره عام 1975- بالتكامل بين "الكم العربي والنوع الإسرائيلي"، معتبرا أن التقدم التكنولوجي لإسرائيل يعطيها الحق في وظيفة تسهم في الارتقاء بالمنطقة على حد اعتقاده المبكر.

ولم تقف الدعوات عند هذا الحد، بل تعدتها إلى الاستعداد للتنازل عن فكرة السلام مقابل الأرض، التي كانت تمثل الحد الأدنى المقبول، إلى ما هو أقل من ذلك، أي إلى "سلام" لا يتضمن حتى استرجاع الأرض المحتلة، وهو ما لم تجرؤ حتى إسرائيل على طرحه إلا بعد ذلك بأكثر من عقدين من خلال ما عرف بالسلام مقابل السلام.

لكن المهم في الأمر أن هذه الفكرة وردت في حينها على لسان شخصية تحظى بشعبية كبيرة، هي الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ، الذي قال لجريدة القبس الكويتية في مطلع عام 1976 ما نصه: " ينحصر اهتمامي بالسلام وأوافق عليه حتى لو كان مشروطا بتنازلات عن أجزاء من التراب الوطني، فالأرض بذاتها ليست ذات قيمة لأن الهدف هو القيمة، وهدفنا يجب أن يكون بناء الحضارة، ونحن نضحي بالرجال ونرسلهم إلى الحرب فيموتون من أجل هدف... فلماذا لا نضحي بالأرض إذا كانت ثمنا لهدف أكثر أهمية من جميع الأهداف، ألا وهو السلام من أجل الحضارة".

وبالطبع فقد مر مثل هذا المنطق في حينه دون ضجيج لأنه كان جزءا من حملة واسعة تروج للسلام وتقبل بإسرائيل شريكا لا عدوا، وهي حملة أسست بالطبع لما بعد زيارة السادات للقدس، حيث بدأت مرحلة جديدة تتمثل بالدفاع عن الخطوة وتمجيدها وتوجيه الهجوم الذي كان مسلطا من قبل على إسرائيل نحو خصم جديد هو العالم العربي الذي كان قد قرر مقاطعة مصر في قمة بغداد عام 1978.
_______________
كاتب عراقي

شارك برأيك