د. علي الأوسي

سيتركز حديثي هنا حول مقدمات ضرورية للبحث إلى جانب الحديث عن المخاوف من الفيدرالية والواقع الموضوعي العراقي.

المركزية والاستبداد
واقعية المطالبة بالفيدرالية

المركزية والاستبداد

"
نظم الحكم المركزية لم تسهم في تطوير العراق، وأنتجت موروثا استبداديا وتمييزا بين المحافظات

"

الواقع العراقي بعد تشكيل الدولة العراقية وحتى الآن لم يشهد تطورا قويا لصالح المواطن العراقي من خلال تعاقب أنظمة حكم مركزية مختلفة على العراق أورثت الكثير من المشاكل، على رأسها التفاوت الصارخ بين مناطق العراق ومحافظاته وهذا واقع لا ينكره أحد ولكن هذا الواقع بمآسيه يوفر أرضية مقبولة لطرح الفيدرالية كحل للمشكلة القائمة بعد أن فشلت كل الأنظمة السابقة في توفير العدل أو إلغاء التمييز بين العراقيين.

ضخامة الموروث الاستبدادي المركزي في العراق والمنطقة العربية ساهم إلى حد كبير في مصادرة العقل العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص إزاء عدم الاستعداد لقبول نظام آخر غير مركزي، فقد سادت على مدى عقود من الزمن سياسة التبرير والتبسيط لجرائم السلطة وترسيخ فكرة أن الحياة لا تدار إلا من خلال رجل قوي. هذا الأمر بحاجة إلى ثقافة جديدة تمنع استفحال ذلك الموروث بعد التغيير الجديد.

الحكم الاستبدادي المركزي المطلق الذي بدأ عام 1968 وساد معه احتكار السلطة بكل مفرداتها ولم يعد بمقدور حتى البلديات المحلية العراقية من إجراء تغييرات إلا بإذن الحاكم المطلق وحزبه الحاكم في بغداد وتسبب ذلك في إعاقة الكثير من وجوه التنمية وعلى مختلف الأصعدة الحياتية.

نظام صدام أوجد تمييزا مرعبا من خلال تقسيمه عمليا لمحافظات العراق بعضها سوداء وأخرى بيضاء وقسم العراقيين إلى مقابر جماعية ومضطهدين وإلى نخبة متسلطة ونافذة وفئة حاكمة مما أورث ظلما عظيما وألحق بالعراق أفدح خسارة ومأساة شهدها التاريخ الحديث لاسيما على صعيد النسيج الاجتماعي العراقي حتى عاد اسم الشخص يشكل عائقا في التوظيف وممارسة الحقوق إذا ما كان يفهم منه حسب مقاييس السلطة أنه مذهبي أو طائفي أو قومي غير عربي. ولم ينس العراقيون كيف دخلت دبابات صدام لتقتل أبناء محافظة الناصرية مكتوبا عليها: لا شيعة بعد اليوم. وهذا نزر قليل من مخزون رهيب في أذهان العراقيين الذين طالهم ذلك الظلم الرهيب.

النظام العربي الرسمي وحتى القوميون من العرب وأغلب هذه الحكومات تتفرج اليوم وهي شامتة لما يجري على العراقيين من عدوان وتخريب وقتل وذبح وجرائم يندر أن نشهدها في أماكن أخرى.. هذا الصمت العربي والتآمر أحيانا أثار حفيظة العراقيين وزاد من مخاوفهم حول مستقبلهم.

إن المشكلة في مستوى كبير منها تدخل في المزايدات السياسية للتسلط والنفوذ والهيمنة على العراق وثرواته وحتى الأيديولوجيات المطروحة وشعاراتهم الطنانة ما هي إلا غطاء لأطماعهم في ثروات العراقيين، للأسف إلى الآن يفكر هؤلاء في أنهم قادرون على إبقاء المعادلة القديمة في امتصاص ثروات العراق والهيمنة عليه، ولا ننسى أولئك المستفيدين من الفترة البائدة من العراقيين وغيرهم كيف يتآمرون ولا يهمهم مستقبل العراق.

وقد أثبتت جرائمهم الوحشية في العراق مؤخرا بعد سقوط السلطة الدكتاتورية أنهم يتآمرون بعنف ووحشية بعد أن سرقوا أموال وسلاح العراق المقدرة بـ100 بليون دولار.

هذه الأعمال زادت من مخاوف العراقيين وأخذوا يفتشون عن ضمانات لمستقبل العراق ومستقبل الأجيال القادمة.

الحديث عن الفدرالية ظهر في أدبيات المعارضة العراقية وخاصة الكرد العراقيين وأصبحت من المسلمات إلى حد كبير... حتى قانون إدارة العراق المؤقت أقر الفدرالية.

"
الخائفون من الفيدرالية موزعون على قسمين، فمنهم من يخفي أجندات وأيديولوجيات ومنهم من تخدعه الدعاية والطرح المشوش

"

مخاوف من الفيدرالية
أستطيع أن أقسم هذه المخاوف إلى قسمين :

  • الأول: مخاوف وهمية موظفة
  • الثاني: مخاوف بريئة من خلال عقل جمعي 

المخاوف الأولى ليست حقيقية بالمرة ولكن تختفي وراءها أجندة وأيديولوجيات ومصالح وتمتاز بالشعارات الرنانة، وللأسف الشديد فإن بعض رموزها يجتمعون بأعدائهم الافتراضيين الذين يصورونهم أعداء أمام الناس فقط ودخلوا في حوارات مطولة مع قوى التحالف ووقعوا في الارتشاء، فهم لا يقلقون الغربيين في مواقفهم المفتعلة هذه وسيوافقون على الدستور بشكله الحالي.

أما الثانية فهم المخدوعون بدعاية هؤلاء وطرحهم المشوش الذي يركز على الجانب العاطفي في هؤلاء الضحايا.

بقي أن هناك مجموعة قد التبس عليهم الأمر ويمكن أن يشكلوا قسما ثالثا  من المخاوف، وهؤلاء الذين خدعوا من قبل بأطروحة الرجل القوي والنظام المركزي وتداعياته. هؤلاء سيعنيهم الحديث في هذا البحث المختصر.

واقعية المطالبة بالفيدرالية

قبل الدخول في الحديث عن الموضوع فإن العراق كان فيدراليا في ظل الحكم الإسلامي، إذ كان موزعا على ولايات ثلاث وهي البصرة والكوفة وشهرزور التي سميت فيما بعد الموصل.

من جهة أخرى تغيرت العاصمة بين بغداد والكوفة وسامراء ولم تحصل مخاوف من تقسيم العراق وقد بقي الأمر في حدود النظام الإداري.

لو طالعنا المواد التالية في المسودة نستطيع أن نقول إن الضمانات موجودة أمام المخاوف التي يرفعها الطرف الآخر:

  • المادة 13: لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور ويعد باطلا كل نص يرد في دساتير الأقاليم أو أي نص قانوني آخر يتعارض معه. 
  • المادة 114: يقر هذا الدستور الأقاليم الجديدة التي تؤسس وفقا لأحكامه.

وهناك نصوص أخرى تكشف عن التفاتة الكاتبين لهذه المسودة لمثل هذه المخاوف.

فلو تخلصنا من المزايدات السياسية وتضخيم المسألة إلى هذا القدر لأمكننا أن نقول إن الفيدرالية فرصة مناسبة لتوزيع الثروات والسلطات بعدالة أكثر وتحجيم صلاحيات المستبد وجعل المركز يراقب من غير حيف يلحق بالمواطن، كذلك الفيدرالية تحقق الفرص الكثيرة للمواطن وتجعله يمارس كافة حقوقه من غير تمييز طبعا بالمقارنة مع الحكم المركزي.

وتعتبر الفيدرالية ممكنة التطبيق في العراق للظروف الموضوعية والواقع الموجود والحاجة للتخلص من تركة الماضي الثقيلة. فالعالم تحكمه فيدراليات كثيرة مثل ألمانيا وسويسرا وأميركا وغيرها أخذت بنظر الاعتبار ظروف مجتمعاتها.

إن الحكومة الاتحادية تحتفظ بالمناصب السيادية كالدفاع والخارجية وغيرها كما أن هناك مجالس اتحادية يمثلها أفراد منتخبون من قبل الأقاليم. وهذا يدخل في الضمانات أيضا.

أما مسألة حق تقرير المصير فنحن لا نريدها بمعنى حق الإقليم المعين في أن يعلن استقلاله ويجب أن يبقى الجميع ضمن خيمة الدولة الاتحادية وهذا ممكن واقعيا.

ضمانة للديمقراطية
إن الفيدرالية توفر الضمان دون عودة الأنظمة الشمولية والاستبداد المركزي وذلك من خلال بناء أنظمة ديمقراطية مستقرة. والخوف من التقسيم لا يأتي من طبيعة النظام الفيدرالي وإنما يكون التقسيم حين تكون إرادة للتقسيم وهذه الإرادة لا تفرض في ظل أنظمة ديمقراطية تؤمن بالتعددية وتداول السلطة سلميا. لماذا نغفل عن رأي الشعب؟ لماذا لا نعتبره مرجعنا؟ مادامت صناديق الاقتراع موجودة فلماذا نخاف من هذه الأوهام.

إن الأمر يحتاج إلى مصارحة وشجاعة وإيمان بمستقبل العراق ورفاهية العراقيين وسعادتهم وهذا لا يتأتى إلا من خلال الانتهاء من المركزية في إدارة الحكم. لماذا لا نقول إن التمسك بالمركزية سيكون سببا للتقسيم في ضوء ظروف العراقيين القائمة وبسبب الأنظمة الشمولية المركزية وتداعياتها.

إن طرح فيدرالية الجنوب لم تكن بدافع طائفي وإنما نحن نؤمن بالسعي لإيجاد فرص تحقق العدالة في توزيع الثروة والسلطة والمشاركة العادلة في كل شيء. ومن هنا ننطلق باتجاه ضرورة النص دستوريا على تبني النظام الفيدرالي لكل العراق على أساس جغرافي وتوزيع الصلاحيات بين الدولة الاتحادية وولاياتها وتقسيم الثروة.

ومن غير نص دستوري على ذلك لا ضمانة لتحقيق الفيدرالية لكل العراق، وأنا لست مع أي خصوصية للأكراد أو أي مكون آخر وإنما أنطلق نحو فيدرالية لكل العراق، ويجب تثبيت ذلك في الدستور حتى لو لم تقم فدراليات على أرض الواقع في الوقت الحاضر.
_______________
مدير مركز دراسات جنوب العراق - لندن