استوطن الكرد المناطق الشمالية في العراق منذ القدم، ويبلغ تعدادهم أكثر من خمسة ملايين نسمة أو ما يمثل نحو 20% من عدد سكان العراق، ويتوزعون بصورة أساسية في أربيل والسليمانية ودهوك، وبشكل متفاوت وغير محدد في بغداد والموصل وديالى وصلاح الدين وكركوك، وأغلبهم من المسلمين السنة ويتبعون المذهب الشافعي، ويتحدثون اللغة الكردية بلهجات مختلفة.
 
ولكرد العراق مشكلة سياسية مؤرقة عاشت معهم على مدى السنوات الممتدة منذ ما قبل إنشاء الدولة العراقية عام 1921 حتى انهيارها على يد الاحتلال الأميركي عام 2003، هذه المشكلة يمكن وضعها تحت عنوان الصراع من أجل إقامة دولة كردية مستقلة.
 
وبالرغم من الدماء الغزيرة التي سالت على أرض العراق في سبيل تحقيق هذا الهدف، فإن ذلك لم يمنع الإنسان الكردي من التواصل والعطاء الحضاري مع محيطه العراقي أيا كانت مكونات النسيج الاجتماعي لهذا المحيط.
 
الكردي في المجتمع العراقي:
"
العلاقة بين الكرد ومكونات النسيج الاجتماعي العراقي على المستوى الفردي متميزة، وعطاؤهم في محيطهم الحضاري العربي والإسلامي مشهود
"
فالكرد تصاهروا وتزاوجوا مع غيرهم، وامتد نشاطهم الاقتصادي في كل أرجاء العراق، وهم متواجدون كذلك في كل مؤسساته العسكرية منها والمدنية، والأهم من كل ذلك أن الحضارة العراقية بل والعربية والإسلامية على امتدادها الزمني واتساعها الجغرافي تشهد لرموز كثيرة من أصول كردية بالتميز والتفرد، ومن ذلك على سبيل المثال، معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي وبلند الحيدري و
مصطفى جواد وحسين مردان وعبد الكريم المدرس.. وهؤلاء أبدعو باللغة العربية أدبا وفكرا وفنا وثقافة ساهمت في نهضة العراق الحديث.
 
أما عربيا وإسلاميا فإن أصول الكثير من الأسماء اللامعة في سماء الفكر والأدب والبارزة في صفحات التاريخ هي أيضا من أصول كردية، ومن ذلك رجل الدولة العباسية القوي أبو مسلم الخراساني، والفقيه الذي أثر في مسيرة الفكر الإسلامي ابن تيمية، والقائد العسكري وصاحب موقعة حطين صلاح الدين الأيوبي.
 
وفي العصر الحديث تبرز أسماء مثل أمير الشعراء أحمد شوقي والكاتب عباس محمود العقاد والمصلح الديني الإمام محمد عبده.. فكلهم من أصول كردية بعيدة الجذور.
 
ما نود أن نقوله إذن إنه على المستوى الفردي والإنساني كان الكرد دوما متفاعلين مع محيطهم وفاعلين ومؤثرين فيه على مختلف المجالات. فماذا عن علاقتهم مع الدولة العراقية على مستوى النخب السياسية؟
 
الكرد والدولة المركزية:
"
انعدام الثقة كان اللغة المشتركة بين الكرد والدولة العراقية أيا كانت ملكية أو جمهورية
"
تلك الصورة الرائقة التي سبق الحديث عنها على المستوى الفردي والإنساني تنقلب بنسبة مائة وثمانين درجة إذا نظرنا إليها من زاوية العلاقات الرسمية، ونعني بكلمة الرسمية هنا تلك العلاقة التي تشكلت بين الكيانات والزعامات السياسية الكردية والنظام العراقي في بغداد أيا كان ملكيا أو جمهوريا.
 
هذه العلاقة شابها الكثير من التوترات والتقلبات وانعدام الثقة، واتخذت ما تتخذه عادة أي علاقة للصراع السياسي بين طرفين يود كل منهما فرض هيمنته وسيطرته تحت غطاء من الدعوات الأيديولوجية أو القومية، والتي يؤمن كل طرف بأنها الحق المطلق. وكان من مظاهر هذا التوتر أن شنت عليهم الحكومات العراقية حملات عسكرية بدعوى المحافظة على وحدة التراب العراقي. وأما الكرد فيحاربون معتقدين أن هذا قدرهم لتحقيق حلمهم بإقامة دولة كردية.


 
أما عن معرفة طبيعة ومسار العلاقة بين النخب السياسية الكردية وبين الدولة العراقية المركزية. فللوهلة الأولى قد يكون المدخل الدستوري والقانوني لفهم هذه العلاقة سهلا ميسورا لكن القراءة المتأنية لوقائع تلك العلاقة كما هي على الأرض تفضي إلى نتائج مغايرة.
 
"
بعد انهيار الدولة العراقية عام 2003 تغيرت أطراف المعادلة وتبدلت مراكز القوى غير أن ذلك لا يعني اقتراب لحطة الحسم التاريخي للمشكلة الكردية
"
فمنذ السنوات الأولى لتأسيس الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي والطمأنات الحكومية للكرد تتوالى، فكثيرا ما أكد الملك فيصل الأول وحكومته أن "كردستان بالنسبة للعراق بمثابة الرأس بالنسبة للجسد"، بل إن سلطات الاحتلال البريطاني عام 1925 حينما أعلنت رسميا عن إلحاق كردستان بالعراق وضعت لذلك شروطا لتستميل بها الكرد كان منها "احترام إرادة الشعب الكردي، والسماح لهم باستغلال ثرواتهم وإدارة شؤونهم بأنفسهم ضمن الكيان العراقي".
 
وبعد إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية عام 1958 نصت المادة الثالثة من الدستور العراقي المؤقت الصادر في عهد عبد الكريم قاسم على أن "العرب والكرد شركاء في الوطن".
 
وصدر في عهد حزب البعث عام 1963 بيان معروف باسم بيان اللامركزية جاء فيه "لقد عاش العرب والأكراد كإخوة، يربطهم الوطن، وإن مجلس قيادة الثورة ليعترف بحقوق الأكرد على أساس مبدأ اللامركزية، وهذا المبدأ سيدخل الدستور المؤقت والدائم وستشكل لجنة من أجل وضع برنامج واسع للامركزية".
 
وفي عام 1964 صدر عن عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وعبد الرحمن البزاز بيانات مشابهة.
 
وفي عام 1970 أبرمت اتفاقية مارس/آذار بين الكرد والحكومة المركزية وتم الاعتراف فيها بحق الكرد في الحكم الذاتي.


 
بل إن عقد هذه المفاوضات وتلك الاتفاقيات ظل مستمرا حتى أوائل التسعينيات إبان الحصار والمنطقة الآمنة المشهورة.
 
برغم كل ما سبق فإن النتائج كانت دوما على الأرض مغايرة، فالمعارك العسكرية بين الطرفين ظلت مستمرة، تخبو حينا وتستعر أحيانا، فأين كانت تكمن المكشلة إذن؟
 
كانت الخلافات الأساسية التي حالت دون الوصول إلى شكل من أشكال التعايش السلمي بين الطرفين تكمن دائما في نقاط جوهرية من قبيل الحدود الجغرافية كمناطق حكم ذاتي للكرد وبالأخص ما يتعلق منها بسيطرتهم على مدينة كركوك الغنية بالنفط، وصلاحيات المجلس التشريعي في كردستان، ونشاط العناصر التابعة لأجهزة الأمن والمخابرات الحكومية.. وكلها نقاط كانت كفيلة بجعل ما يتم الاتفاق عليه يظل دوما حبرا على ورق، ولا يجد طريقا معبدا للتطبيق والتنفيذ.
 
هذه الصورة حاليا تشهد ومنذ انهيار الدولية العراقية عام 2003 تغييرا جوهريا، فأحد طرفي المعادلة سقط من الحساب، ونعني به الحكومة المركزية، وحلت محله كيانات سياسية أخرى تأسست على قاعدة طائفية ومذهبية، فتغيرت تبعا لذلك مراكز القوى، فأصبح رئيس الجمهورية كرديا ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية كرديين، وظلت قوات البشمركة (المقاتلون الكرد) قائمة لم يمسسها سوء، ونسبتهم في البرلمان وصلت إلى 21%، وأصبحت أربيل والسليمانية مزارا لعقد التحالفات المؤثرة في مسيرة الأوضاع السياسية العراقية.. غير أن كل هذا  لا يعني أن اللحظة التاريخية الحاسمة في مصير كرد العراق قد باتت وشيكة، فلا تزال الخيوط متداخلة ومتشابكة داخليا وإقليميا ودوليا، ولا تزال أبواب الصراع السياسي مشرعة على كل الاحتمالات. 


_______________
المصادر:
1- الحوار العربي الكردي، وثائق مؤتمر القاهرة مايو/أيار 1998، عدنان المفتي، إعداد وتقديم، مكتبة مدبولي، ط 1، سنة 1999
2- THE KURDS OF IRAQ: RECENT HISTORY, FUTURE PROSPECTS By Carole A. O’Leary Scholar-in-Residence for the Middle East Initiative at the American University Center for Global Peace, MERIA.
3 -The Kurds between Iran and Iraq, Martin van Bruinessen, MERIP Middle East Report, No. 141, Hidden Wars (Jul. - Aug., 1986), pp. 14-27
http://links.jstor.org