عبد القادر قدورة
رئيس مجلس الشعب السوري

بقلم/ ميشيل كيلو

ينتاول الكاتب في هذه الدراسة حيثيات مختلفة تتعلق بمجلس الشعب السوري بدءا بصلاحياته ومثيرا علاقته المعقدة بالسلطة التنفيذية دون إهمال ذكر مكوناته. كما يعرج الكاتب على آلية الترشيح لهذا المجلس وتقسيم مقاعده الـ250 على من يحق لهم دخول البرلمان السوري. ويختم الكاتب دراسته بمواقف مكونات المشهد السياسي السوري من أحزاب حاكمة أو أحزاب معارضة أو مجتمع مدني من هذه الانتخابات.

الصلاحيات
موقع المجلس
واقع المجلس
آلية الترشيح
مواقف من الانتخابات

الصلاحيات

يمثل البرلمان في بلدان الديمقراطية الليبرالية، أو مجلس الشعب في بلدان الديمقراطية الشعبية، السلطة التشريعية. بعد هذا المشترك يبدأ الاختلاف بين وظائف البرلمان ومجلس الشعب، فيشكل نواب البرلمان سلطة تشريعية تراقب السلطة التنفيذية المسؤولة أمامها باعتبارها ممثلة الشعب والجهة الوحيدة التي تصدر عنها السيادة في الدولة وتتمتع بها، في حين تقول المادة 51 من الدستور السوري الديمقراطي الشعبي إن عضو مجلس الشعب "يمثل الشعب بأكمله ولا يجوز تحديد وكالته بقيد أو شرط، وعليه أن يمارسها بهدى من شرفه وضميره".

لكن الدستور نفسه لا يجعل السلطة التنفيذية مسؤولة أمامه، بل يعطيه فقط حق الرقابة عليها لأن ركنها الأول رئيس الجمهورية ليس مسؤولا أمام أي جهة بنص الدستور الذي تقول المادة 91 منه "لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولا عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى"، وركنها الثاني مجلس الوزراء مسؤول أمام رئيس الجمهورية بنص مادته رقم 117 التي تقول "رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسؤولون أمام رئيس الجمهورية"، وهو الجهة التي ترى المادة 94 من الدستور أنها تمارس "السلطة التنفيذية نيابة عن الشعب ضمن الحدود المنصوص عليها في الدستور"، فلا يعقل أن تتساوى نيابة الرئيس عن الشعب مع نيابة المجلس، ولا بد من تفادي شجار الصلاحيات عن طريق ترجيح سلطة رئيس الجمهورية على سلطة المجلس وإعطائه صلاحياته في الفترات التي لا يكون فيها في حال انعقاد، وكذلك حق الاعتراض على ما يصدر عنه من قوانين ومراسيم.

يعلق عضو مجلس الشعب الأستاذ منذر موصلي في "مذكرة دستورية" رفعها إلى رئيس المجلس على هذه المفارقات قائلا "بموجب دستورنا لا أحد مسؤول فعليا -أمام مجلس الشعب (الملاحظة من الكاتب)- لا رئاسة الجمهورية ولا مجلس الوزراء". (مذكرة دستورية رقم 2، ص 3 بلا تاريخ).

ويضيف "بما أن الوزارة ليست مسؤولة أمام مجلس الشعب فمن المنطقي أن لا يكون له حق التصويت بالثقة عليها عند تأليفها، وأن تقتصر وظيفته على أخذ علم وخبر بسياساتها العامة، ذلك أن المادة 118 من الدستور تلزمها عند تشكيلها بتقديم بيان عن هذه السياسة وعن برامج عملها إلى المجلس، وتقديم بيان كل سنة إليه عن تنفيذ خطط التنمية وتطوير الإنتاج". لكن مجالس الوزراء لا تتقيد عادة بالفقرة الأخيرة من النص، فإن تقيدت، مثلما حدث في العام الماضي (2002)، كانت مناقشة أعضاء المجلس لأعمالها "مجرد كلام في كلام أو صرخة في واد، على حد قول الأستاذ النائب الذي يعزز وجهة نظره بما جاء في المادة 147 من نظام المجلس التي تقول صراحة "إن مناقشة البيان الوزاري لا تترتب عليها إجراءات التصويت". ويطالب أخيرا بإصلاح دستوري وبإعادة نظر شاملة في توزيع صلاحيات السلطات الثلاث التي يرى أنها غير منفصلة، وأن التشريعية والقضائية تابعتان للتنفيذية منها اعتمادا على دستور البعث الذي قررت المادة 14 منه شكل دولته العتيدة عندما قالت "نظام الحكم في الدولة العربية نيابي دستوري والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة"!.

موقع المجلس


تنعقد هذه الانتخابات في غياب قانون أحزاب وانتخاب عصري وفي ظل الأحكام العرفية وحالة الطوارئ

تنبع وظيفة المجلس من فلسفة النظام السياسي القائم في سوريا الذي يعتقد أن إرادة شعبه موحدة، وأن فصل السلطات اتفق والمرحلة السابقة من تاريخ البلاد عندما كان المجتمع منقسما إلى طبقات تخوض صراعا طبقيا بعضها ضد بعض يستهدف حسم مسألة السلطة وتحديد نمط النظام السياسي/ الاجتماعي.

مع ثورة الثامن من مارس/ آذار التي حققت فيها القوى الكادحة من عمال وفلاحين انتصارا حاسما أدى إلى قيام نظام اشتراكي/ وحدوي، تم طي صفحة الصراعات الداخلية وانعكست وحدة المجتمع نفسها في وحدة السلطة التي تبدل نوعها ونمط وجودها بتبدل طبيعة الصراعات الاجتماعية والسياسية والأيدولوجية التي لم تعد عدائية هدفها الاستيلاء على الدولة، بل غدت توافقية الطابع تستهدف استخدام الدولة الجديدة في بناء النظام الجديد: التعبير التاريخي الصحيح والوحيد عن إرادة المجتمع الموحدة التي يجب أن تتجسد في وحدة السلطات، وإلا تحولت عن وظيفتها الجديدة وسببت انشقاقات وتمزقات في جسده وانقلبت من عامل بناء إلى عنصر هدم وتخريب.

في هذا التصور تعبر وحدة السلطة عن نفسها في وحدة التصور الجامع الذي يحركها، والمصالح العليا التي تخدمها، وتخضع لمعايير غير تلك التي يجب أن نقوّم بها البرلمان في النظام الطبقي القديم، حيث البرلمان ساحة التمثيل الشعبي الوحيدة في الدولة، ولا بد تاليا أن تكون السلطة التنفيذية -جهاز إدارة مصالح الطبقة المسيطرة المستقل عن الإرادة الشعبية- مسؤولة أمامه، وإلا كانت غير خاضعة لأي رقابة من أي نوع كان.

بوحدة مصالح المجتمع الجديد وتحول السلطة التنفيذية إلى جهاز إدارة اجتماعي عام لا يخص طبقة بعينها، كان من الضروري أن تتحول وظيفة "مجلس الشعب" من مراقبة السلطة التنفيذية إلى مساندتها، وأن تعبر علاقته بها عن وحدة القاعدة المجتمعية التي ينهضان كلاهما عليها ويعكسان إرادتها ويقومان بخدمتها بصفتهما جهة واحدة تستمد شرعيتها منهما بصورة مباشرة وليس من ألعاب وفنون وتوازنات تمثيلية أو تفويضية أو نيابية كما هو الحال في المجتمع الطبقي عامة والبرجوازي منه خاصة!.

تقول هذه الفلسفة السياسية باتصال السلطات لا بانفصالها، وتسوغ انضواء السلطتين التشريعية والقضائية تحت السلطة التنفيذية قائدة الدولة والمجتمع بقوة نيابة رئيسها المباشرة عن الشعب التي تبطل حق أية سلطة أو جهة في مشاركته صلاحياته، وتفرض عليها وضع ما تملكه من تمثيل ونيابة في خدمته، وتعطي السلطة التنفيذية حق صنعها على صورتها ومثالها وبما يتلاءم وتقديراتها وحاجاتها بوصفها سلطات تابعة لها أو ملحقة بها عليها أن تحتل موقعا أدنى تكميليا ضمن النظام السياسي القائم.

واقع المجلس


ليست هناك مساواة انتخابية بين المرشحين، لأن مواقعهم من النظام متباينة، ولأن الدولة تضع إمكاناتها الهائلة من أجهزة إدارية وأمنية وحزبية في خدمة مرشحي حزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية

بما أنه لا توجد طبقات مناهضة أو معادية لنظام المجتمع الموحد، فإنه يوجد صنفان ممن يحق لهم أن يتمثلوا في مجلس الشعب: مؤيدو النظام، وهم أغلبية ساحقة تنضوي طليعتها في حزب البعث العربي الاشتراكي قائد الدولة والمجتمع، وفي أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، أو تلتف حولهما، وتمثل بحسابات التمثيل الانتخابي في المجلس 76 % من الشعب. والصنف الثاني هم المحايدون أو المستقلون، وهم قلة تبلغ 24% من الشعب، وتحتل بالعدل والقسطاس 24% من مقاعد مجلسه.

يتألف مجلس الشعب من 250 نائبا ينضوون في صنفين من المرشحين:

  • أ: العمال والفلاحون، ويحتلون حكما 51% من مقاعده.
  • ب: باقي فئات الشعب.

بما أن الحزبيين ليسوا بالضرورة من العمال والفلاحين، فإن النظام يعطيهم نصف مقاعد المجلس إضافة إلى مقعد واحد، وإن كان عددهم في المجلس المنصرف قد تخطى هذه النسبة وبلغ 135 نائبا. أما "أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية" فتنال 25% من إجمالي عدد النواب (من الخطأ اعتبار أعضاء مجلس الشعب نوابا، فالنواب هم أعضاء البرلمان، ونحن هنا تجاه مجلس شعب! يتوزع أعضاؤه على النحو التالي: 8 أعضاء للحزب الشيوعي السوري بجناحيه بكداش وفيصل و7 للاشتراكي العربي، و7 للوحدوي العربي، و4 للوحدوي العربي الديمقراطي، و6 للاشتراكيين العرب). ويحصل المستقلون والمحايدون على بقية المقاعد. أما غرض وجودهم في المجلس فهو التعبير عن وحدة المجتمع والتفافه حول السلطة التنفيذية، وليس لعب دور المختلف أو المعارض الذي ليس موجودا في الواقع ولا يمكن تصور أن يكون له تمثيل في المجلس لأنه سيمثل عندئذ لا شيء.

يقول المحامي عبد الله الخليل من مدينة الرقة في مقالة نشرتها أخبار الشرق بعنوان "مجلس الشعب منتخب أم معين" بعد أن سحب ترشيحه للدورة التشريعية الحالية "المهم في الأمر، لم ينجح أو يتقدم للانتخابات أي عضو من المعارضة منذ نشوء المجلس وحتى تاريخه" (أخبار الشرق 15 يناير/ كانون الثاني 2003).

أما الأستاذ منذر موصلي عضو مجلس الشعب في الدورة التشريعية الماضية فيقفز عن هذه النقطة ويلاحظ أن تركيبة المجلس لا تتطابق تماما مع الواقع الانتخابي، ويتساءل "هل هناك مساواة انتخابية بين أي مرشح لعضوية المجلس –من المستقلين- وبين مرشحي قوائم الجبهة الوطنية التقدمية طالما هناك أصوات بذاتها يجري توجيهها للجبهة ومرشحيها، هي أصوات الاتحادات المهنية والنقابات وفئات العاملين بالدولة وغيرهم.. وهل حدث أن سقط أحد مرشحي الجبهة في مدى الانتخابات الماضية كلها؟.. إن كل مرشح جبهوي يتلقى التهنئة سلفا ويقيم الأفراح. وأنا شخصيا كنت مرشحا جبهويا وانتخبت على هذا الأساس، ولم يكن هاتفي ليهدأ يوما للتهنئة منذ برز اسمي في قائمة الجبهة".

نظريا ليس هناك مساواة انتخابية بين المرشحين، لأن مواقعهم من النظام متباينة. وعمليا، لأن الدولة تضع إمكاناتها الهائلة من أجهزة إدارية وأمنية وحزبية في خدمة مرشحي الحزب والجبهة الذين يفوزون بالتزكية أو بطرق تشبهها، في حين "تشجع" أعدادا هائلة من المستقلين –بلغ على ذمة جريدة قاسيون 10424 مرشحا يتنافسون على 85 مقعدا– ( قاسيون، العدد 191، 6 شباط 2003، الصفحة الأخيرة ) على الترشيح والتنافس الذي يصل إلى حد العراك على المقاعد المخصصة لهم، علما بأن معظمهم إما أن يكون مقربا منها أو أنها لا تعترض عليه، وأنهم يكونون في معظم الحالات إما من الأغنياء الجدد أو من شيوخ عشائر وزعامات محلية وتقليدية. إذا كان مرشحو الجبهة يمدون أيديهم إلى أجهزة الدولة وسياراتها ومؤسساتها وصلاتها، فإن هؤلاء يمدون أيديهم إلى جيوبهم وإلى صلاتهم وتكويناتهم التقليدية وما قبل المجتمعية، وينفقون مقادير من الأموال تتعاظم من عام لآخر، فلا يبقى للمتعلم والمكافح والعصامي ومتوسط الحال من أبناء الشعب غير الوقوف جانبا أو السعي إلى إيجاد مكان له على لوائح الحزب والجبهة الوطنية التقدمية.

هناك جبهويون وهناك مستقلون يعامل من ينجحون منهم كأنصاف جبهويين وظيفتهم إثبات وحدة المجتمع والسلطة وتبني خطاب شبه رسمي تحت قبة المجلس. أمن عجب أن يقول النائب موصلي في الصفحة السادسة من مذكرته الدستورية "هذا المجلس الذي دعم آلية الدولة إلى حد الانحياز كان دوره الرقابي هشا حتى بدت الأمور وكأنه يمثل الحزب أكثر مما يمثل الشعب وينطق عن الحزب أكثر مما ينطق عن الشعب"؟.

آلية الترشيح


يسوغ النظام السياسي السوري انضواء السلطتين التشريعية والقضائية تحت السلطة التنفيذية قائدة الدولة والمجتمع بقوة نيابة رئيسها المباشرة عن الشعب التي تبطل حق أية سلطة أو جهة في مشاركته صلاحياته
ينتقي الحزب مرشحيه من أعضائه. وقد أصدرت قيادته القطرية تعميما بتاريخ 14 يناير/ كانون الثاني 2003 (نشرته جريدة الزمان في العدد رقم 1406) تطلب فيه من أعضائه الذين يجدون في أنفسهم الخبرة والكفاءة التقدم بطلبات ترشيحهم إلى قيادات فرقهم الحزبية التي ترفع طلباتهم بعد تقويمها إلى قيادة الشعبة التي تقومها بدورها وترفعها إلى قيادة الفرع حيث تخضع لتقويم شامل، وترفع إلى القيادة القطرية التي تقوّم لجنة مختصة فيها المرشحين للمرة الأخيرة فيتبناهم الحزب ويدرج أسماءهم ضمن قوائم الجبهة الوطنية التقدمية. هذا العام لفت التعميم نظر أعضائه إلى ترشيح "ذوي السمعة الحسنة الذين لم يصدر بحقهم حكم قضائي بجرم شائن، ولم تتم إدانته من أي جهة رقابية في الدولة (ثمة خطأ هنا، لأن من غير المعقول وجود أمثال هؤلاء في حزب عرف في الماضي بطهرانية ومثالية أعضائه وقياداته؟!). هؤلاء المرشحون ليسوا بحاجة إلى برنامج انتخابي، لأن برنامجهم هو سياسة الدولة التي يحظر عليهم نقدها أو الخروج عليها.

أما غير الحزبي المستقل أو المحايد، فعليه التقدم إلى لجنة خاصة يترأسها المحافظ تتكون منه ومن عضو في قيادة فرع الحزب، وقاض غالبا ما يكون حزبيا (مع أن الدستور والقانون يمنعان تحزب القضاة)، وممثل عن العمال والفلاحين يسميه المحافظ أو الحزب. تدرس اللجنة طلب المرشح، فإن قبلته قامت بتحديد فئته وأعطته وصلا يستند إليه في دعايته الانتخابية التي لا يجوز أن تأخذ شكل برنامج، خاصة إن كان سياسيا، لأن اللجنة لا توافق على البرامج الانتخابية وتعتبرها مزايدة مرفوضة على النظام، في حين توافق على عقد لقاءات مفتوحة مع الناس أو جولات انتخابية حرة شريطة تقديم طلب مسبق بكل نشاط على أن يذكر هدفه والمواضيع التي سيتطرق إليها ومكانه وساعة انعقاده وعدد من سيشاركون فيه، وكذلك اسم المطبعة التي سيطبع فيها مواده الدعائية وعدد نسخها. إذا قبل المرشح هذه الشروط وحققها وجد نفسه أمام عقبة أخيرة هي تعهد مكتوب يوقعه لدى اللجنة يحمل نفسه فيه المسؤولية عما قد يقع أثناء لقاءاته بالناس من إخلال بالنظام حتى إن كان صادرا عن عناصر حفظ النظام. لذلك يفضل المرشح التخلي عن القيام بدعاية انتخابية ويقوم بجهود متواضعة تقبل التوفيق مع تعليمات وزارة الداخلية وما يسمى "التعليمات النافذة" التي يجهلها معظم الأحيان أو تخضع لتفسيرات كيفية!. هكذا يبقى حل وحيد وشائع هو أن يكتب المرشح اسمه على لوحات يكون برنامجه فيها لقبه وما يخلعه على شخصه من صفات: فهذا أبو مازن، وذاك أبو مصطفى، وذلك مرشح شباب الوطن، وتلك صوت المرأة العربية، وهذا رجل العلم والعمل... إلخ.

بعد اكتمال الترشيح يتم تشكيل لجان الصناديق وتحديد مراكز الاقتراع على أساس أن المحافظة دائرة انتخابية واحدة –بنص المادة 13 من المرسوم رقم 26 لعام 1973- باستثناء محافظة حلب فهي دائرتان. وبالنظر إلى اتساع المحافظات يعجز معظم المرشحين المستقلين عن تعريف بناتها وأبنائها بأشخاصهم وأفكارهم. وللعلم فإن اللجان ليست مستقلة أو محايدة، بل هي تشكل من قبل الحزب الحاكم وفي حالات كثيرة من أعضائه. في المقابل تعتبر سوريا بمجرد أن تبدأ عملية الانتخاب، دائرة انتخابية واحدة يحق للمواطن التصويت في أي مكان يريده منها، فلا جداول انتخابية ولا شيء يمنعه من التصويت أكثر من مرة في مراكز متجاورة أو متباعدة. وقد ألغت آخر تعليمات صدرت عن وزارة الداخلية "الموطن الانتخابي وسمحت للناخب بممارسة حقه الانتخابي في أي مركز يريد، سواء في محل قيده المدني أو في محل إقامته أو عمله وسواء ضمن الدائرة الانتخابية المدون بها قيده في السجلات المدنية أو في أية دائرة انتخابية أخرى" (المحامي عبد الله خليل: مرجع سبق ذكره، ص 2). من هنا تعتبر أوراق الصناديق صالحة بكاملها، فالانتخابات لا تعرف جداول الشطب ولا تتقيد بعدد الناخبين في المركز أو الدائرة، فإن اعترض ممثل أحد المرشحين على ناخب ما كان صوت رئيس لجنة المركز كافيا لجعل اقتراعه قانونيا.

بعد التصويت تجمع نتائج الصناديق في المحافظة من قبل لجنة مركزية تحدد الفائز، فإن شعر مرشح ما بالغبن ومارس حقه الدستوري واعترض أمام المحكمة الدستورية وحكمت هذه لصالحه، اعتبر اعتراضه غير ذي موضوع، وحكمها بحكم الباطل، لأن أحكامها استشارية وليست إلزامية يجب أن تعرض على مجلس الشعب الذي يصدق عليها أو يلغيها. وقد حدث أن أصدرت المحكمة أحكاما بإبطال عضوية أعضاء في المجلس بعد ثبوت قيامهم بتزوير الانتخابات دون أن يستجيب مجلس الشعب ولو مرة واحدة لأحكامها أو ينفذها.

تتجمع نتائج الانتخابات في وزارة الداخلية التي ستتلقى هذا العام نتائج الفرز بواسطة الكمبيوتر قبل أن تعلنها رسميا. تنعقد الانتخابات هذا العام أيضا في غياب قانون أحزاب وانتخاب عصري، وفي ظل الأحكام العرفية وحالة الطوارئ، رغم ما كانت السلطة قد قدمته في العام الماضي من وعود بقرب صدورهما، وقالته عن الانتخابات كمدخل دستوري إلى "التطوير والتحديث". وتتم مراحل الانتخابات جميعها دون أي رقابة قضائية أو مستقلة، وتشرف عليها أجهزة حزبية وحكومية لا رقابة أو سلطة لأحد عليها من خارجها، وتجرى وفق جداول انتخابية تعدها جهات رسمية لا يعتد بأي اعتراض عليها، في حين لا يحق للقضاء ممثلا في أعلى هيئاته -المحكمة الدستورية العليا- تغيير نتائج الانتخابات حتى عندما يثبت وجود تزوير فيها.

مواقف من الانتخابات


لا يحق للقضاء ممثلا في أعلى هيئاته -المحكمة الدستورية العليا- تغيير نتائج الانتخابات حتى عندما يثبت وجود تزوير فيها

ظهر أول الأمر ميل لدى المعارضة إلى المشاركة في الانتخابات جعلها رهنا بصدور قانوني انتخاب وأحزاب عصريين وإلغاء الأحكام العرفية وحالة الطوارئ، وتوفر جو من المساواة بين المرشحين، وعدم تدخل أجهزة السلطة في العملية الانتخابية، وإشراف القضاء أو مراقبين من الجامعة العربية عليها.. إلخ. وحين أعلن أن الوضع المحيط بالبلاد يتطلب بقاء كل شيء على حاله في مجلس الشعب الجديد، وأن الإصلاح المأمول لن يبدأ منه، كما كان يقال في بعض المحافل، أصدرت أحزاب المعارضة في "التجمع الوطني الديمقراطي" بيانا بتاريخ 25 /1/2003 عنوانه "من أجل انتخابات حرة ونزيهة، من أجل مستقبل الديمقراطية في البلاد نقاطع الانتخابات"، قالت فيه "كان يمكن للانتخابات الحالية أن تكون فرصة يشارك فيها الجميع، حيث يعود الشعب إلى الحقل العام، يمارس فيه واجبه الانتخابي، وتعود جميع القوى السياسية وممثلو الرأي العام إلى ممارسة حقهم الشرعي في الترشيح والانتخاب ونيل ثقة الشعب، ويتسابق المرشحون لنيل ثقة المواطنين عوضا عن تسابقهم لنيل تزكية المسؤولين.. لكن القيادة السياسية في سوريا حسمت خياراتها بعدم الاستجابة للمطالب المحقة وتوفير الحد الأدنى من المطالب الشعبية والسياسية وتحقيق انتخابات حرة ونزيهة تكون خطوة جدية على طريق الإصلاح والتغيير الديمقراطي والوحدة الوطنية.. لأجل ذلك يعلن التجمع الوطني الديمقراطي امتناعه عن المشاركة بالانتخابات".

وأصدرت "لجان إحياء المجتمع المدني" بدورها بيانا من نقاط ثلاث هي:

  1. ليست الانتخابات مناسبة وطنية بل هي روتين حكومي نتائجه محددة بصورة مسبقة.
  2. من الضروري تحويلها إلى أساس للإحياء المجتمعي والمدني والسياسي للدولة والمجتمع كي يقوم نظام البلاد الحكومي والسياسي في أجواء من حرية الاختيار والتعددية وتتنافس الأحزاب عبر برامج تعالج مشكلات البلاد وأزماتها الكثيرة وتكون نزيهة يشرف عليها قضاء مستقل.
  3. لا يجوز أن يعطي المواطن صوته إلى فاسد أو معلب أو انتهازي أو منافق، فإن لم يجد غير هؤلاء فأمره إلى الله وليبق في بيته.

وكانت القيادة القطرية لحزب البعث لعربي الاشتراكي قد أصدرت تعميما داخليا شددت فيه على القيادات القاعدية في ترشيح الكفاءات الحزبية والمهنية والخبرات لتمثيل الحزب في الانتخابات القادمة لمجلس الشعب، في حين أصدرت أحزاب الجبهة الوطنية بيانات تعكس مطالبها الموجهة بالدرجة الأولى إلى النظام الذي كان قد ألمح قبل الانتخابات إلى رغبته في جعلها تخوض الانتخابات القادمة بقوائم مستقلة، ففهمت معنى التهديد وخشيت عواقبه وعلمت أن النظام يلوح بإعلان موتها وهي التي تعلم أن رصيدها الشعبي قريب من الصفر، وأنه لم يعد لها من وجود في المجتمع السوري الذي يحملها هي أيضا المسؤولية عن ما آلت إليه أحواله.

من ذلك على سبيل المثال أن الحزب الشيوعي السوري –تنظيم بكداش– رشح الدكتور عمار بكداش عن مدينة دمشق، وهو يعتبر سلاحه الثقيل الذي يبدو أنه عازم على استخدامه في المجلس من أجل مواجهة مرحلة آتية يعتقد أنها خطيرة كما يظهر من بيان انتخابي طويل ضمنه مطالب تشي بخوفه من التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتقبة دعا فيه إلى "الحفاظ على القطاع العام والتعليم الجامعي الحكومي وإلى محاربة البرجوازية الطفيلية المرتبطة برأس المال الأجنبي ووعد بالدفاع عن لقمة الشعب وبتعزيز الجبهة الوطنية التقدمية وتقوية خط سوريا الوطني المعادي للإمبريالية والصهيونية، وبإطلاق طاقات الجماهير الشعبية (7 فبراير/ شباط 2003). كما أصدرت الأحزاب القومية –الناصرية السابقة– في الجبهة الوطنية التقدمية بيانات تتبنى مواقف تنطلق من رؤية النظام تتركز أساسا على دعمه.

ولفت النظر في الانتخابات وجود مرشحين تقدم بهم لأول مرة تياران متصارعان في الحزب السوري القومي الاجتماعي، بلغ عدد أحدهما 20 مرشحا، يقال إن النظام سيأخذ أربعة منهم للمجلس القادم وأنه سيدخل حزبهم بعد الانتخابات في "الجبهة الوطنية التقدمية" تنفيذا لشعار رفعته القيادة السورية قبل عامين يقول بتوسيعها، علما بأن له اليوم صفة "مراقب عن بعد " فيها.

ثمة عدد من التنظيمات السياسية الجديدة رشح بعضها أعضاء للدورة التشريعية القادمة، أهمها لجنة دمشق المنطقية في الحزب الشيوعي السوري، وهي منظمة خرجت على تنظيم بكداش يتزعمها الدكتور قدري جميل، وقد نشرت بيانا بعنوان "كرامة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار" تقول فيه "بتعزيز الوحدة الوطنية عبر انفراج سياسي شامل يسمح بخلق الظروف المواتية لحشد كل القوى الوطنية داخل الجبهة وخارجها دون وصاية من حليف على آخر"، وتعد بالنضال "ضد قوى السوق والسوء، قوى النهب المنفلتة من عقالها التي تريد الإجهاز على استقلالنا السياسي"، وتطالب "برفع الحيف والعوز عن كاهل الجماهير الشعبية، وبمكافحة الفساد الناجم عن النهب البرجوازي الطفيلي والبرجوازي البيرقراطي للاقتصاد الوطني، وبالحفاظ على القطاع العام وحمايته من سارقيه، وبتوسيع الحريات الديمقراطية وتعديل قانون الانتخابات وإصدار قانون عصري للأحزاب، وبرفع الأحكام العرفية وتطبيقها في حالة الدفاع عن الوطن وضد قوى النهب حصرا" (نشرة قاسيون، العدد 191، 6 فبراير/ شباط 2003).
لم يحدث أي تبدل في تركيب المجلس ووظائفه وبنيته، لكن السوريين يتمنون أن يكون دوره مختلفا عن أدوار ما سبقه من مجالس، وأن يأتيهم الخير على يديه، فيكون انتخابه فاتحة عهد جديد من الحريات والشرعية الدستورية لطالما تاقت أنفسهم إليه.

_______________
* كاتب وسياسي سوري