لم ينفك اليهود عن البكاء والنحيب على أطلال هيكل اختلفت المصادر التاريخية في وجوده, واختلف الذين أثبتوه في حقيقة نسبته لليهود. غير أن الذاكرة التاريخية لهم لم تبق مجالا للوعي ليدقق ويفحص، واستمرت تغذي الوجدان اليهودي بفيض من القصص والحكايات عن مجد إسرائيل وتلقي باللائمة على غيرهم من الأمم في جميع مراحل تاريخهم الطويل.

ومنذ القرن التاسع عشر ركب يهود أوروبا الظروف المواتية فيها وفي العالمين العربي والإسلامي -ربما بذكاء وربما باستخدام ذكي من الآخر أو باجتماع العاملين معا- وسعوا لتكوين دولتهم الحلم ولم يلبثوا زمنا طويلا حتى نجحوا. وفي المقابل كان العرب يعيشون أسوأ مراحل تاريخهم، فما بين استعمار وانتداب وضعف وترهل لم يحسنوا أو لم يكن في مقدورهم منع المشروع الصهيوني الغربي. لكنهم حاولوا -ولا يزالون- الوقوف في وجه الدولة اليهودية, فكانت بداية صراع طويل تجاوز الخمسين سنة امتلأ مسار التاريخ فيه بالأحداث والحروب التي تؤكد أنه صراع لن ينتهي إلا برجوع الأرض إلى أصحابها. وعرفت سنوات هذا الصراع شخصيات عربية ويهودية وغربية وحركات وتنظيمات فلسطينية وإسرائيلية كان لها إسهام في إذكائه أو محاولة إنهائه.

ولم يغب العرب يوما عن القضية الفلسطينية بل عبئ الضمير العربي بمقدمات نتج عنها استمراره، فكان أن اتسعت جوانب ومجالات الصراع، ولم يؤثر في حركته الدافعة توقف الحروب واختيار العرب خيار السلام والتفاوض.

ومن اللازم التذكير بالامتداد الغربي (الأوروبي والأميركي) للصراع، فالإستراتيجية الغربية تنظر لليهود -كما يرى العديد من الباحثين- بوصفهم تجمعا وظيفيا عندما كانوا في أوروبا، وتحول هذا التجمع ليكون دولة وظيفية تحمي أو تحقق المصالح الغربية التي ليس أقلها توفير ظروف جيوسياسية ولوجستية تسهم في حماية هذه المصالح في المنطقة، وإيجاد كيان قوي يمكن أن يشكل المحور الأهم فيها.

اليوم وبعد قرابة عامين من انتفاضة الأقصى يقف الوطن العربي وإسرائيل أمام مفترق طرق, فمسارات التفاوض باتت متعثرة، ووهج المقاومة ورائحة دم منفذي العمليات الفدائية المنتمين لمختلف حركات العمل الوطني الفلسطيني أذكت روح التحدي في حواضر وبوادي العالم العربي بل والإسلامي، والدفع الأميركي لإنهاء حالة الصراع لصالح إسرائيل أضحى بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول أكثر وضوحا, وخطابات الرئيس الأميركي لم تعد محكمة السبك وجاءت فيها عبارات الانحياز لسياسات إسرائيل المتحالفة مع التوجهات الأميركية فجة مثيرة.

والإنسان العربي بات ينتظر أن تحدد له النخب المثقفة رؤية واضحة عن مستقبل الصراع بين العرب وإسرائيل والإجابة عن تساؤلاته المشروعة التي تتعلق بالأدوار التي يجب أن تتدافع نحوها فئات المجتمعات العربية سواء أكانت حكاما أم نخبا مثقفة أم عمالا بسطاء, وذلك بقصد التقاط زمام المبادرة السياسية على أقل تقدير والعسكرية في أكثر التفاؤلات اتساعا.

وأخيرا نرجو أن نكون قد اقتربنا في هذا الملف من رسم صورة غير مبهمة لتاريخ وواقع ومستقبل الصراع العربي الإسرائيلي, والذي شاركنا في إعداده نخبة من الأساتذة والمفكرين والكتاب من جامعة القاهرة ومركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية.