إعداد: شفيق شقير

دروس الحوزة في مدينة قم
ينظر الكثيرون إلى النظام الإيراني على أنه نظام ديني وطائفي. ولا يزعج المسؤولين الإيرانيين كثيراً أن يُتهموا بالتدين، فالإسلام بحسب رأيهم ليس مجرد نظرية وإنما هو طريقة حياة لدى معظم الشعب الإيراني قبل الثورة وبعدها (كانت الثورة في فبراير/ شباط 1979).

غير أن الاتهام بالطائفية صفة لا يرغب أي منظر للثورة الإسلامية الإيرانية أن توصم بها ثورته أو بلاده. وتصر إيران في أدائها الثقافي قبل السياسي في علاقاتها الخارجية أن تؤكد على الوحدة بين المسلمين، بل إن الفقرات التي تتحدث عن عباءة النظام الإيراني الشيعية وردت في سياق التأكيد على الوحدة بين المسلمين كأمة واحدة. تقول المادة الثانية عشر من الدستور الإيراني "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثنا عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد".

وسبق هذه المادة، المادة الحادية عشر التي اعتبرت أن المسلمين أمة واحدة وأن على إيران أن تقيم "سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها". والجدير بالذكر أن إيران هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تبنى دستورها مذهباً رسمياً وليس الدين فقط.

ولاية الفقيه
اختلف المسلمون حول ماهية الحكم السياسي ولمن الحكم بعد نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. والشيعة الإمامية يقولون إن النبي عيّن علي بن أبي طالب (زوج ابنته فاطمة الزهراء) للإمامة بالاسم والنص المباشر، وإن هذه الإمامة تستمر في ابنيه الحسن والحسين وتتسلسل بشكل وراثي عمودي في ذرية الحسين. وكل إمام يوصي لمن بعده إلى أن تبلغ الإمام الثاني عشر الذي غاب واختفى منذ عام 260هـ وإلى يومنا هذا ويلقب بالمهدي المنتظر، وهو محمد بن الحسن العسكري. ويعتقد الشيعة أنه مازال حياً وأنه سيظهر مجددا لإحقاق الحق.

إلى هذا الحد لم يختلف الاثنا عشرية في تصورهم للإمامة، إلا أن مرحلة ما بعد الغيبة شهدت اختلافات عظيمة في من تكون له ولاية الأمة بعد اختفاء الإمام الواجب الاتباع. فكان الغالب تعطيل الكثير من الأحكام المرتبطة بوجود الإسلام (الشيعي) ككيان سياسي، وغلب على طابع الفقه السياسي الشيعي وحتى العبادي الطابع الفردي، وأصبح وجود الكيان السياسي مؤجلا إلى حين ظهور المهدي ومرتبطا بشخصه.

وطرح علماء الشيعة الكثير من الحلول للخروج من المأزق الفقهي الذي وقع في زمن الغيبة، وأبرزها على الإطلاق ما طرحه الإمام محمد النَّراقي (ت 1249هـ) إذ أثبت للفقيه كل ما هو للنبي والإمام "إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما" بناء على أن مصدر الولاية والتشريع هو الله وحده لا شريك له, وأن الشارع منح الولاية إلى الأنبياء ثم الأئمة ثم الفقهاء. وبهذا فالفقهاء يقومون بدور الوصاية على الأمة في غياب الأئمة، والفقيه له وحده الولاية السياسية الكاملة على الناس إلى حين ظهور الإمام المهدي الثاني عشر.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران أرسى الخميني دعائم هذه النظرية وأدخلها حيز التحقيق، وقام عليها الدستور الإيراني الذي ينص على أن المرشد أو القائد هو أعلى سلطة في إيران، وله السيادة السياسية والدينية. ونصت المادة (5) من الدستور على أن ولاية الأمة في ظل استتار الإمام تؤول إلى أعدل وأعلم وأتقى رجل في الأمة، ليدير شؤون البلاد وفق ما جاء في المادة (107) من الدستور. كما نصت المادة نفسها على تساوي المرشد مع عامة الشعب أمام القانون. ومازالت تجربة حكم الولي الفقيه قائمة في إيران حتى الآن.

مستقبل النظام الديني الإيراني


يسيطر الإصلاحيون على معظم أجهزة الدولة المنتخبة ويطالبون بصلاحيات أوسع لرئيس الجمهورية وفي المقابل يسيطر المحافظون على معظم الأجهزة الدستورية ويعارضون أي توسع من صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب
لم يظهر أي اعتراض بارز من أصحاب الطوائف غير الإسلامية على النظام الديني الإيراني، والصوت الإسلامي غير الشيعي الوحيد الذي اخترق تخوم طهران بوضوح إلى مسامع العالم هو صوت بعض المعارضين السنة الذين اتهموا النظام بإعدام وسجن العشرات منهم ومن منعهم من حقوقهم الدينية، ويتهمون الدولة بأنها تعمل على تشييعهم بمنهجية وهدوء.

ومن جهة أخرى تعرض النظام الإيراني لعدة اختبارات من داخله الشيعي حيث انشطرت الطبقة السياسية الإيرانية بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية إلى نهجين عرفا بالإصلاحي والمحافظ. وبطبيعة الحال كلاهما يصر على تمسكه بنظام ولاية الفقيه، إلا أنهما يختلفان حول حدود سلطة الفقيه ومدى خضوعها للقانون.

فالإصلاحيون ويقودهم رئيس الجمهورية محمد خاتمي ويسيطرون على معظم أجهزة الدولة المنتخبة، يطالبون بتعديل الدستور بما يتيح لرئيس الجمهورية صلاحيات أوسع تساهم في الحد من نفوذ الولي الفقيه والأجهزة القضائية، كما تحد من صلاحيات مجلس صيانة الدستور الذي اعتاد أن يمنع ترشح الكثير من الإصلاحيين للانتخابات بحجة عدم صلاحيتهم للترشح.

وفي المقابل يسيطر المحافظون على معظم الأجهزة الدستورية ويستظلون بمؤسسة الولي الفقيه ويعارضون أي إصلاحات توسع من صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب، وينظرون إلى تحسين العلاقة مع الولايات المتحدة بعين الريبة. كما يرفضون الكثير من الطروحات الثقافية التي تؤول -باعتقادهم- إلى المس بأساس النظام (ولاية الفقيه)، ويتهمون التيار الإصلاحي بأنه مرتع لليبراليين والملكيين والماركسيين.

وبعد التظاهرات الطلابية الأخيرة في طهران وعدد من المدن الإيرانية الأخرى، طرح تساؤل -برز في مقالات وكتابات عدة-حول قدرة النظام الديني الإيراني على الاستمرار بشكله الحالي من غير الدخول في إصلاحات جذرية تعطي هامش أكبر للمطالب الاجتماعية والثقافية التي يطالب بها جيل ما بعد الثورة من الشباب والمثقفين. ولعل الإجابة على هذا التساؤل هي ما يحرص عليه كل من المحافظين والإصلاحيين.
_______________
قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت