شرطي إيطالي يحمل طفلة إحدى المهاجرات غير الشرعيات
 
 
إذا كانت الهجرة بصفة عامة تطرح مشكلات خاصة بها تتعلق أساسا بالاندماج وتمتع المهاجرين بكافة الحقوق وفقا للقوانين المحلية والدولية، فإن الظاهرة الأكثر إثارة للقلق تتعلق بالهجرة غير الشرعية أو السرية.
 
"
رغم الجهود المبذولة للحد من الهجرية السرية فإنها تظل محدودة النتائج طالما أن هذه الدول ليست لها الإمكانيات اللازمة لمراقبة حدودها البرية وشواطئها البحرية التي يعبر منها الجزء الأكبر من المهاجرين سرا
"
ومع أن هناك جهودا تبذل للحد من هذه الظاهرة فإنها تظل محدودة النتائج طالما أن هذه الدول ليست لها الإمكانيات اللازمة لمراقبة حدودها البرية وشواطئها البحرية التي يعبر منها الجزء الأكبر من المهاجرين سرا.
 
ومع غياب إستراتيجية أوروبية أفريقية لمحاربة الهجرة غير الشرعية فإن الأمر لم يخل من بعض المبادرات المشتركة يمكن أن نلخصها فيما يلي:
  1. إطلاق مبادرات مشتركة بين الدول المجاورة لمراقبة الحدود البحرية. وقد يتعلق الأمر بتنظيم دوريات مشتركة لكن مثل هذه المبادرات تبقى محدودة، فهي إلى جانب كونها تتطلب تنسيقا لوجستيا فإنها غالبا لا يمكن لها أن تمتد إلى كافة النواحي البحرية، وبالتالي فإن فعاليتها تظل محدودة.
  2. تنسيق التعاون الأمني على مستوى المعلومات والمعطيات لتفكيك الشبكات العاملة في هذا الإطار. وفي هذا السياق تم عام 1992 إحداث مركز المعلومات والتفكير والتبادل بهدف تنمية التعاون بين مختلف الدول فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية وتنظيم الانتقال عبر الحدود.
  3. إحداث مجموعة تريفي (TREVI) التي تضم وزراء العدل والداخلية، وتستهدف اتخاذ إجراءات بين مختلف الدول المتوسطية لمراقبة الحدود وتحديث الترسانة القانونية لردع المهاجرين السريين وكذلك الشبكات المختلفة العاملة في هذا المجال والناقلين سواء منهم البريين أو البحريين أو الجويين الذين أصبحوا مدعوين إلى الالتزام باليقظة في مراقبة الأشخاص الذين يتم نقلهم بين الدول.
  4. السعي في ظروف سياسية خاصة مع وصول حكومات يسارية أكثر اهتماما بالمعاناة الاجتماعية إلى تسوية أوضاع هؤلاء المهاجرين السريين انطلاقا من بعض الشروط وفي ظل ما يسمى بنظام الحصص، وذلك لإدماجهم ضمن النسيج المجتمعي والتخفيف من معاناتهم داخل المجتمع الذي يقيمون فيه بشكل غير قانوني. وهذا هو المسار الذي سارت فيه الحكومة الإسبانية بقيادة الاشتراكي ثاباتيرو الذي خلف رئيس الوزراء أزنار.

"
مطلوب إستراتيجية بعيدة المدى لعمل إصلاحات اقتصادية عميقة على مستوى دول المنبع، وذلك يتطلب تنمية مستديمة قائمة على مشاريع وإنجازات ملموسة تسمح بتثبيت المواطنين في أماكن إقامتهم الأصلية
"
لكن هذه الخطوات تبقى محدودة ولا يمكن أن تستوعب كافة المهاجرين المقيمين، وفي نفس الوقت لا يمكن أن توقف بشكل فعال من هذا المد. وتبدو هذه الآليات ذات الطبيعة القانونية الأمنية لحد الساعة محدودة التأثير، ومن ثم هناك قناعة واضحة لدى الطرفين -وخاصة دول جنوب البحر الأبيض المتوسط- وكذا العاملين في المجتمع المدني بأنها لا يمكن أن تكون فعالة إلأ من خلال:

أولا- إعادة تدبير ظاهرة الهجرة برمتها، ويتعلق الأمر بتفعيل الاتفاقيات المبرمة بين الدول فيما يتعلق بالهجرة والتي تنص على تخصيص حصة من المهاجرين بصورة قانونية تستقبلها الدول المتوسطية المتقدمة.

ورغم محدودية الحصة فإنها قد تشكل صمام أمان بالنسبة لتنظيم الهجرة والحيلولة دون تنامي الهجرة السرية.

ثانيا- علاوة على هذه الإجراءات الجزئية، فقد تبلورت قناعة مشتركة مضمونها أن محاربة الهجرة السرية تتطلب على المدى الطويل مواجهة الأسباب التي تقود إليها والتي تغلب عليها شروط الفقر وازدياد الفوارق وانسداد الأفق بسبب تنامي البطالة. ومن ثم لا مناص من سياسة تنموية تمكن من خلق فرص العمل واحترام الكرامة الإنسانية.

ومن ثم لا يبقى هذا الهدف ظرفيا وإنما يندرج ضمن إستراتيجية بعيدة المدى تتطلب إصلاحات عميقة على مستوى دول المنبع ومساهمة مادية على مستوى الدول المتقدمة المستقبلة لليد العاملة. وبصيغة أخرى فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنمية مستديمة قائمة على مشاريع وإنجازات ملموسة تسمح بتثبيت المواطنين في أماكن إقامتهم الأصلية. وفي هذا السياق يمكن أن نشير إلى إعلان برشلونة الذي شكل مقاربة شمولية تحتاج إلى إرادة وانخراط للدول الأوروبية المتوسطية لإنجاحها.

خلاصة القول أن ظاهرة الهجرة السرية ليست مسألة ظرفية بل باتت مكونا هيكليا ما زالت الآليات المستخدمة لحد الساعة غير قادرة على تدبيره بشكل يحد من آثاره وانعكاساته سواء على دول المنبع أو الدول المستقبلة.
______________________
أستاذ ورئيس وحدة العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس أكدال، الرباط، المغرب.