مقدمة المنهجية
الوهم والحقيقة الوضع القانوني للنزاع
استخدام القوة المفرطة عمليات الإعدام
المستوطنات ملاحظة تمهيدية
اللاجئون والانتفاضة الاستنتاجات والتوصيات

أولاً - مقدمة
1- في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2000، اتخذت لجنة حقوق الإنسان القرار د أ -5/1، وبه أنشأت لجنة للتحقيق بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد 28 سبتمبر/ أيلول 2000، وموافاة لجنة حقوق الإنسان باستنتاجاتها وتوصياتها (أنظر المرفق الأول). وعملاً بهذا القرار، أنشئت في 2 يناير/ كانون الثاني 2001 لجنة للتحقيق بشأن حقوق الإنسان، تتألف من البروفيسور جون دوغارد (جنوب أفريقيا) والدكتور كمال حسين (بنغلاديش) والبروفيسور ريتشارد فوك (الولايات المتحدة الأميركية). وفي البداية، كان كل من البروفيسور دوغارد والدكتور حسين رئيساً مشاركاً للجنة، ولكن عُين البروفيسور دوغارد، أثناء زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة رئيساً للجنة.

2- وعقدت لجنة التحقيق بشأن حقوق الإنسان (اللجنة) اجتماعها الأول في جنيف في الفترة من 14 إلى 16 يناير/ كانون الثاني2001، وذلك لمناقشة ولاية اللجنة ومنهجيتها وبرنامج عملها. ثم زارت اللجنة الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل في الفترة من 10 إلى 18 فبراير/ شباط 2001. ويرد في المرفق الثاني برنامج اللجنة الكامل.

3- والتقت اللجنة بعد وصولها إلى غزة مساء يوم 10 فبراير/ شباط 2001 بالسيد ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية، الذي قدم للجنة سرداً للأوضاع من وجهة نظر السلطة الفلسطينية. ويظهر من البرنامج الوارد في المرفق الثاني أن اللجنة عقدت، وهي في غزة، لقاءات ومناقشات مع أعضاء السلطة الفلسطينية، والمنظمات غير الحكومية، والهلال الأحمر الفلسطيني، ولجنة الصليب الأحمر الدولية، وبعض الوكالات الدولية (وبخاصة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومكتب منسق الأمم المتحدة الخاص في الأراضي المحتلة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، وعدد من الصحفيين والمحامين وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني. كما التقى أعضاء اللجنة بعدد من الشباب الذين أصيبوا بجروح خطيرة بنيران جيش الدفاع الإسرائيلي (الجيش الإسرائيلي) أثناء المظاهرات وزاروا مستشفى في خان يونس يرقد فيها أشخاص جراء استنشاق غازات. وفي الطريق إلى خان يونس، زار أعضاء اللجنة منطقة "قرارة" بالقرب من طريق كسوفيم المؤدي إلى المستوطنات، ورأوا أراضي زراعية كسحتها جرافات آلية ومنازل دمرها الجيش الإسرائيلي وتكلموا مع سكان هذه المنازل الذين انتقلوا إلى العيش في خيام. وفي خان يونس، زارت اللجنة نقطة تفتيش توفار الملاصقة لمستوطنة نيفيه ديكاليم اليهودية. وبينما كان أعضاء اللجنة يتكلمون مع الصحفيين عند نقطة التفتيش هذه أُطلق على المستوطنة عياران ناريان من مبنى قريب. ورد الجيش الإسرائيلي على ذلك بقصف شديد من قاعدته الملحقة بالمستوطنة، فوقعت ثلاث إصابات ومنها إصابتان خطيرتان. والتقت اللجنة بعد ذلك بأشخاص عانوا من آثار النيران أو دمار الممتلكات.

تدمير الممتكات الفلسطينيية

4- وأمضت اللجنة يوم الأربعاء 14 فبراير/ شباط، في لقاءات مع منظمات إسرائيلية غير حكومية ومحاورين إسرائيليين قدموا للجنة صورة أوسع لسياق الصراع وللموقف القانوني الذي تتبناه حكومة إسرائيل. وفي يومي 15 و16 فبراير/ شباط، زارت اللجنة رام الله حيث التقت بأعضاء من السلطة الفلسطينية، والمجلس التشريعي الفلسطيني، والدائرة الفلسطينية لشؤون مفاوضات السلام، والمنظمات الفلسطينية غير الحكومية، وبعض المحامين والأكاديميين. وصباح يوم 16 فبراير/ شباط، التقت اللجنة، قبل انتقالها إلى رام الله، بممثلين عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أبدوا من الآراء ما أكد كثيرا من الآراء التي أعرب عنها محاورون آخرون قابلتهم اللجنة. وفي وقت لاحق من صباح 16 فبراير/ شباط، تكلم أعضاء اللجنة مع زعماء مسيحيين ومسلمين (كان من بينهم مسؤولون عن إدارة شؤون مجلس الأقصى) والتقوا بالسيد فيصل الحسيني في بيت الشرق. ويوم السبت، 17 فبراير/ شباط، سافرت اللجنة إلى الخليل حيث التقت بعناصر من "الوجود الدولي المؤقت في الخليل" وبرئيس بلدية الخليل. ونظرا للحالة الأمنية المتوترة بسبب تشييع جنازة شخص قُتل في الليلة السابقة بنيران الجيش الإسرائيلي، لم تستطع اللجنة زيارة المنطقة (H2)، وهي منطقة الخليل التي تقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وبعد أن غادرت اللجنة الخليل، زارت مخيم عايدة للاجئين بالقرب من بيت لحم وعاينت إحدى مدارس الأونروا والمنازل التي أصابها دمار شديد جراء قصف الجيش الإسرائيلي لها. والتقت اللجنة بعد ذلك بعدد كبير من المحاورين والصحفيين في القدس.

5- وعقدت اللجنة وهي في القدس لقاءات مسائية مع أكاديميين ومفكرين إسرائيليين يحظون باحترام كبير أمكنهم أن يعطوا اللجنة فكرة عن السياق القانوني للصراع وعن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة، مع عرض وجهات النظر الإسرائيلية بشأن الانتفاضة. وبعد ظهر يوم 16 فبراير/ شباط، زارت اللجنة حي جيلو بالقدس الشرقية الذي تعرض لإطلاق نار من مدينة بيت جالا الفلسطينية. وفي اليوم الأخير للزيارات، التقت اللجنة بأخصائي إسرائيلي في العلوم السياسية وبجنرال سابق في الجيش الإسرائيلي.

6- وبناء على طلب اللجنة، أجرى موظفو الأمانة العامة للأمم المتحدة المصاحبون للجنة عدداً من المقابلات السرية مع الضحايا في غزة ورام الله والخليل والقدس. وأُطلع أعضاء اللجنة على نصوص هذه المقابلات.

7- وأعلنت حكومة إسرائيل من البداية أنها لن تتعاون مع اللجنة. فقبل ذهاب اللجنة إلى إسرائيل، وُجهت رسالتان إلى حكومة إسرائيل يطلب فيهما عقد اجتماعات مع الحكومة، وأُرسلت رسالة أخرى كانت الأخيرة، تتضمن طلباً مماثلاً وذلك في الفترة التي كانت اللجنة أثناءها في زيارة للمنطقة. ورغم هذه الجهود، لم تتزحزح حكومة إسرائيل عن سياسة عدم التعاون مع اللجنة. ويَسُرُ اللجنة مع ذلك أن تعلن أن الحكومة لم تضع أي عقبة على طريق أعمالها بل إنها يسرت زيارة اللجنة إلى إسرائيل والأراضي المحتلة بمنحها الدكتور حسين تأشيرة دخول (لم يكن عضوا اللجنة الآخران بحاجة إلى تأشيرتي دخول لإتمام الزيارة).

8- ويجري التركيز في هذا التقرير على المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة. ولهذا السبب، اتصلت اللجنة
بـ"مجلس المستوطنات اليهودية ليهودا والسامرة وغزة" للوقوف على آرائه بشكل مباشر. وبعد أن نظر المجلس في الأمر وتشاور مع حكومة إسرائيل، قرر عدم التعاون مع اللجنة.

9- وتضافرت جهود اللجنة للحصول على معلومات وآراء بشأن انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي من وجهتي النظر الفلسطينية والإسرائيلية. وتأسف اللجنة لرفض حكومة إسرائيل التعاون معها. وكان معنى ذلك ألا تحصل اللجنة على ردود محددة بشأن ادعاءات انتهاك حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وألا تستفيد من معرفة رد الفعل إزاء ما ساورها من الشواغل. وتعتقد اللجنة مع ذلك أنها أحاطت على نحو وافٍ بالموقف الإسرائيلي الرسمي، وذلك من خلال دراستها لمذكرات إسرائيل إلى لجنة ميتشيل ورد الحكومة الإسرائيلية على تقرير مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومن خلال الحديث مع محاورين إسرائيليين مطلعين على الأمور. كما عقدت اللجنة مناقشات مفيدة مع الجنرال السابق، شلومو غازيت، كبير المنسقين العسكريين لسياسة الضفة الغربية وغزة في الفترة 1967-1974 وأحد الدارسين المتعمقين للشؤون العسكرية والعقيدة الأمنية.

ثانياً - المنهجية
10- درست اللجنة تقارير عديدة عن الأمور التي تمس بحقوق الإنسان والقانون الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بدء الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر/ أيلول 2000. وأثناء زيارة اللجنة إلى إسرائيل والأراضي المحتلة، استمعت إلى كم كبير من الأدلة بشأن هذه الأمور. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كانت على مقربة من العنف وتكلمت مع بعض الضحايا وعاينت ممتلكات مدمّرة ومواقع بعض أسوأ المواجهات بين المتظاهرين والجيش الإسرائيلي. وانطباعات اللجنة وملاحظاتها الإضافية والشهادات التي تلقتها تؤكد كلها وجهات النظر التي أعربت عنها منظمات غير حكومية تحظى بأعظم الاحترام والثقة في المنطقة. ومن هنا، فقد اعتمدت اللجنة بدرجات متفاوتة على النتائج التي خلصت إليها منظمات محترمة غير حكومية إذ أيدتها أقوال شهود عيان وجاءت متوافقة مع أدلة أخرى تلقتها اللجنة. ومعنى ذلك أن اللجنة قد استندت في تقريرها إلى أفضل الأدلة المتاحة. ولا تعترض السلطة الفلسطينية على هذه الأدلة كما لا تعترض عليها الحكومة الإسرائيلية، وإن كان كل منهما يميل إلى تفسيرها بشكل يخالف تفسير اللجنة لها.

11- وتشير اللجنة في هذا التقرير إلى وقائع وأرقام تبين حجم انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. واستُقيت هذه الوقائع والأرقام من مصادر كثيرة التنوع ولم يُدخر أي جهد لإثبات دقتها بالرجوع إلى تقارير مصادر أخرى عن الأحداث نفسها. فإذا ما ثار أي شك بشأن دقة واقعة بعينها لم تُدرج أية إحصاءات بشأنها.

12- ويظهر من هذا التقرير أن الجيش الإسرائيلي، يعاونه المستوطنون من آن لآخر، يتحمل المسؤولية عن معظم انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولا يعني هذا غض الطرف عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان من جانب الفلسطينيين إما بتأثير من السلطة الفلسطينية أو بصفة فردية دونما تأثير ظاهر منها. والتقرير الحالي يلفت النظر إلى هذه الانتهاكات كلما دعت الحاجة.

13- ومهمة اللجنة هي تقديم تقرير بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وحكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية تتهم إحداهما الأخرى بارتكاب خروقات أساسية لاتفاقات أوسلو أثناء الانتفاضة الحالية. ولا تحاول اللجنة أن تحكم على هذه الادعاءات إلا بقدر صلتها بالأمور التي تدخل في نطاق ولايتها.

14- والتقت اللجنة أثناء التحقيقات بقادة المجتمع المدني في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد نالت إعجابنا سعة مدارك هؤلاء الأشخاص ونفاذ بصيرتهم. ويتعلق بهذا النوع من القيادات مستقبل فلسطين بأحسن ما فيه وتطبيع العلاقات بين اليهود والعرب.

15- وتأمل اللجنة أن يساعد تقريرها على دفع عملية السلام. فلا سبيل إلى حقوق الإنسان دون سلام ولا سبيل، على الأرجح، إلى سلام دائم لا يقوم على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وهذا هو رأي اللجنة.

ثالثا- إيضاح السياق: الوهم والحقيقة
16- كان واضحا في كافة مراحل التحقيق في أنماط انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي أثناء الانتفاضة الثانية أنه لا غنى عن فهم السياق العام للحكم على تصرفات الطرفين. فلكل جانب مبرراته في اتخاذ ما صاحب التحركات الأخيرة من الإجراءات، وإن كان كل منهما يعطي إجراءاته التفسيرات القانونية والأدبية والسياسية التي تخدم أغراضه. ومن المهم أن نفهم هذه الفروق ونحن نسعى إلى إجراء تقويم موضوعي لمختلف ادعاءات الانتهاكات. ومن المهم بدرجة مساوية أن نتفادى المعادلة بين موقفي الخصمين بدعوى أن كليهما مقنع بنفس القدر. فمن الأهمية البالغة، في سياق العلاقة الإسرائيلية - الفلسطينية، الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني يناضل للحصول على حقه في تقرير المصير، وهو أساس ممارسة الحقوق الأخرى بحكم ما يقضي به القانون الدولي وتقتضيه الأخلاق. ومن المهم بدرجة مماثلة ألا يفوتنا أن احتلال إسرائيل المستمر للأراضي الفلسطينية لايزال إلى حد بعيد أكبر عقبة كأداء في سبيل إعمال حق تقرير المصير الفلسطيني.

17- وخرجت اللجنة من هذا التحقيق بتقويمين يتجاوزان ما عداهما، وكلاهما مثبط وكاشف في آن واحد.

18- ويتعلق الأول بتصورات الطرفين، ويركز على مدى انطلاق كل منهما في موقفه الرئيسي من تفسير مغاير تماما لمعنى الأحداث الأخيرة. ومن حيث الجوهر، فإن حكومة إسرائيل ومعظم الإسرائيليين يرون في انهيار عملية أوسلو مصدر أزمة أمنية حادة جديدة. ويرى معظم الإسرائيليين في الانتفاضة الثانية مؤشرا على عدم رغبة الفلسطينيين في حسم النزاع بالطرق السلمية، بعد أن رفضوا ما يعتبر عرضا سخيا قدمته لهم حكومة إسرائيل في مرحلتي كامب ديفيد الثانية وطابا من مفاوضات الوضع النهائي. ووفقا لهذا المنظور الإسرائيلي السائد، تغير طابع هذه الأزمة. فبعد أن كانت العلاقة مع الفلسطينيين علاقة دولة احتلال مع شعب محتل، أصبحت علاقة بين طرفين متنازعين في وضع قتالي أو في حالة حرب، بما معناه انتفاء كل القيود تقريبا، سواء كانت قيودا قانونية أو أخلاقية، من جانب الطرف الإسرائيلي على الأقل، رهنا فقط بتذرعه بالضرورات العسكرية بما يخدم أغراضه.

الجنود الإسرائيليون يضربون شباب الانتفاضة

19- وعلى النقيض من ذلك تماما، ترى السلطة الفلسطينية ومعظم الفلسطينيين في المرحلة الحالية من العلاقة مع إسرائيل نتاج مجموعة من التحريفات فيما يتعلق بتطبيق مبادئ أوسلو، وعدم تنفيذ مجموعة من قرارات الأمم المتحدة ذات الحجية، وبخاصة قرارا مجلس الأمن 242 (1967) و338
(1973)، وانتهاكات إسرائيل الخطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة. كما يعد هذا الوضع بملامحه هذه مسؤولا عن قسوة الاحتلال الإسرائيلي البالغة وما يتعرض لـه الفلسطينيون بسببها من أذى في حياتهم اليومية. ومما يزيد هذه الظروف سوءا على سوء التوسع المستمر في المستوطنات الإسرائيلية في غضون عملية أوسلو بكاملها، فضلا عن دور الجيش الإسرائيلي في حماية هذه المستوطنات. وترى أكثرية الفلسطينيين في هذه المجموعة من العناصر جل دوافع مسلسل العنف المتصاعد الذي أطلقت شراراته الأحداث الاستفزازية التي جرت في الحرم الشريف/ جبل الهيكل في 28 سبتمبر/ أيلول 2000. وفي هذا الصدد، تعد الانتفاضة الثانية سلسلة تلقائية من الاستجابات المعتدلة المتناسبة إزاء احتلال تواصل ودام رغم مرجعية الأمم المتحدة الثابتة منذ عام 1967. ومن هذا المنظور، يعلن الفلسطينيون أنهم لايزالون يسعون إلى التوصل إلى حل للنزاع عن طريق التفاوض لتحقيق تسوية سلمية عادلة لكلا الجانبين يتعزز بها أمن الشعبين وفق أسس تبادلية.

20- وثمة نتيجة ثانية ذات صلة بما سبق، ألا وهي العلاقة بين وضعية الاحتلال الإسرائيلي عقب التغييرات الناشئة عن عملية أوسلو، من ناحية، والانتفاضة الثانية وما صاحبها من عنف متصاعد، من ناحية أخرى، وهي علاقة مستترة إلى حد ما. فمن الأهمية بمكان ملاحظة الصلة بين إعادة نشر قوات الجيش الإسرائيلي منذ عام 1994 وتنفيذ اتفاقات أوسلو. فقد انسحب الجيش الإسرائيلي على مراحل من معظم مناطق الضفة الغربية وغزة التي تقطنها غالبية السكان الفلسطينيين وواصل، مع ذلك، بل وعزز، إحكام قبضته على الحدود بين الأراضي الفلسطينية وإسرائيل وفيما بين مختلف القطاعات الداخلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والأهم من ذلك، وبحكم الإبقاء على المستوطنات في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية، كما يظهر من الخريطة المرفقة (المرفق الثالث)، قسمت الضفة الغربية وغزة إلى المناطق "ألف" و"باء" و"جيم"، مع إعطاء الفلسطينيين كامل السلطة الإدارية على المنطقة "ألف" وممارسة إسرائيل سيطرة أمنية على المنطقة "باء" وسيطرة خالصة على المنطقة "جيم". ومعنى ذلك أن ترتيبات تنفيذ اتفاقات أوسلو أفضت إلى إنشاء حدود داخلية تمكن إسرائيل من توفير الحماية لمستوطناتها مع الانسحاب من المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان. وترتب على إعادة تجزئة الأراضي الفلسطينية نشوء حالة من التفتت البالغ، فضلا عن زيادة مشاق سفر الفلسطينيين الذين يحتاجون، للعمل أو لأسباب أخرى، إلى الانتقال من مكان إلى آخر داخل الأراضي. وأنشئت نقاط تفتيش يتعرض فيها الفلسطينيون للتفتيش الدقيق مما يؤدي إلى زيادة فترات الانتظار وتكرر المهانة، والتقييد المتزايد لحق الفلسطينيين في التنقل حتى في الظروف العادية. وفي غضون الانتفاضة الثانية، زاد هذا الوضع سوءا على سوء بحكم إغلاق الطرق وفرض الحصار بصورة متكررة مما يحول دون نقل البضائع وانتقال الأشخاص عبر الحدود الداخلية والخارجية. وبتعبير معظم الفلسطينيين، تعتبر الحالة التي شهدتها الأشهر الأخيرة "حالة حصار".

21 - ولا يكون لهذا النمط من السيطرة والأمن أسباب مفهومة إلا فيما يتعلق بالمستوطنات والحاجة إلى الوصول الآمن منها إلى إسرائيل وبالعكس. ومهمة الجيش الإسرائيلي الأساسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة هي حراسة المستوطنات وطرق الوصول والطرق الالتفافية. وتصل هذه العلاقة إلى حد إعطاء المستوطنين الأولوية دون قيد أو شرط كلما تعارض حضورهم مع حضور السكان الفلسطينيين الأصليين. مثال ذلك أن حركة مرور السيارات الفلسطينية تتوقف تماما إذا مرت سيارة واحدة لمستوطن واحد في طريق أو آخر من طرق الوصول، مما يترتب عليه كثير من التأخير وقدر كبير من الغيظ. وقد لمست اللجنة هذا الوضع بشكل مباشر أثناء تنقلها، وبخاصة في غزة. وعندما يقع حادث عنف، تغلق إسرائيل الطرق مما يزيد من صعوبة السفر وكثيرا ما يمنع أو يعوق مرور سيارات الطوارئ، مثل سيارات الإسعاف. وقد تحققت اللجنة من وقوع حالات وفاة عديدة بسبب عدم توافر العناية الطبية للفلسطينيين في الوقت المناسب. وقد استثمرت إسرائيل الكثير لإنشاء شبكة متطورة من الطرق الالتفافية في الضفة الغربية لتمكين سكان معظم المستوطنات والجيش من الذهاب إلى إسرائيل والعودة منها والانتقال بين المستوطنات دون المرور عبر المناطق الخاضعة للفلسطينيين. ويشعر الفلسطينيون بقلق شديد إزاء هذه الطرق. فهي، من ناحية، تمثل خطرا كبيرا يحدق بقلب الدولة الفلسطينية لدى إنشائها مستقبلا وترمز إليه، وتوحي، من ناحية أخرى وبدرجة أكبر، باتجاه التفكير الإسرائيلي إلى عدم إزالة معظم مستوطنات الضفة الغربية مطلقا، وقد بذلت في سبيلها هذا الكم الهائل من الأموال والجهود. وهذا بخلاف الوضع في غزة حيث تجتاز طرق الوصول الإقليم الفلسطيني ولم تنشأ خصيصا. ومن هذه الناحية، يبدو ممكنا إزالة مستوطنات غزة في إطار مفاوضات الوضع النهائي على عكس ما ترجحه الاحتمالات حاليا فيما يبدو بالنسبة للضفة الغربية.

22- ومن ملامح اتساع شقة الاختلاف في وجهة نظر الطرفين ما يتصل بنتائج العنف وطابعه. فيعزو معظم الإسرائيليين، فيما يبدو، معظم إصاباتهم إلى مظاهرات إلقاء الحجارة، تتخللها أحياناً أعيرة نارية فلسطينية. ويعزو الفلسطينيون إصاباتهم في أكثر الحالات إلى ما يرونه رد فعل مفرطا من جانب إسرائيل، الجيش الإسرائيلي، تجاه هذه المظاهرات. وخلصت اللجنة إلى رأي قاطع بأن الإصابات الفلسطينية تعود حقاً وبشكل رئيسي إلى هذه المصادمات المباشرة وأن قوات الجيش الإسرائيلي، وقد تحصنت وراء موانع ولديها أسلحة متطورة، لم تتكبد، حسب أدق المعلومات المتاحة للجنة، أية إصابة خطيرة ولو واحدة نتيجة المظاهرات الفلسطينية. وفضلاً عن ذلك، لم يكن الجنود الإسرائيليون، على ما يبدو، في أي وضع يهدد حياتهم أثناء هذه الأحداث. ومن رأي اللجنة القاطع أيضاً أن أغلبية الإصابات الإسرائيلية تعود إلى بعض ما يقع من أحداث على طرق المستوطنات وعند بعض نقاط التفتيش المنعزلة نسبيا في أماكن التماس بين المناطق "ألف" و"باء" و"جيم"، أي بسبب وجود المستوطنات وما ينشأ عنها بصورة غير مباشرة من إثارة المشاعر. ولا بد، في هذا الصدد، من ملاحظة عنف المستوطنين إزاء المدنيين الفلسطينيين في المناطق الملاصقة للمستوطنات وتواطؤ الجيش في هذا العنف. ومن السمات البارزة للتوترات المصاحبة للانتفاضة الثانية التعاطف الواضح بين جيش الدفاع وسكان المستوطنات اليهودية وروح العداء الواضحة أيضا وبنفس الدرجة بين هؤلاء السكان والسكان الفلسطينيين في المناطق المحيطة.

23- ومن المهم ملاحظة اللغة التي صاحبت الانتفاضة الثانية للتمكن من تقدير مدى انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. فكلا الجانبين يميل إلى استعمال صفة "الإرهاب"، ولو جزئيا، في وصف أعمال العنف من جانب الطرف الآخر. فالإسرائيليون يرون في هجمات الفلسطينيين، وبخاصة عبر "الخط الأخضر" (إسرائيل ما قبل 1967) إرهابا، حتى وإن وجهت الهجمات ضد أهداف رسمية مثل الجيش الإسرائيلي أو الموظفين الحكوميين. ويضفي الفلسطينيون صفة "إرهاب الدولة" على تكتيكات الجيش الإسرائيلي بإطلاقه النار على المتظاهرين المدنيين العزل (وبخاصة الأطفال) وباعتماده على الدبابات والمروحيات في مواجهة المتظاهرين، وبردوده الانتقامية على إطلاق الأعيرة النارية من مخيمات اللاجئين، فضلا عن الأعمال المخططة لاغتيال الأفراد. ويصعب تحديد المركز القانوني لأنماط العنف هذه بقدر من الحجية. فمن أسباب الصعوبة الحالية ادعاء الإسرائيليين نشوء حالة نزاع مسلح، عقب وضعية الاحتلال الحربي، نتيجة انسحاب الجيش من المناطق "ألف" ونقل سلطة الحكم في هذه المناطق إلى السلطة الفلسطينية. ومن أسباب الصعوبة الأخرى قول الفلسطينيين إن لهم الحق في مقاومة أي احتلال غير مشروع.

24- وتتعارض نظرة الطرفين بشكل أساسي من زاوية أخرى. فترى إسرائيل في تدابيرها الأمنية، بما فيها إغلاق الحدود والطرق، درجات معتدلة، بل ومنضبطة، من التصدي للقلاقل والمعارضة الفلسطينية. فإذا اعتمدت إسرائيل على تفوق أسلحتها أو تسببت في وقوع معظم الإصابات فإن ذلك يرجع منطقيا إلى ضرورة إضعاف معنويات عدو متفوق عدديا والقضاء على مقاومته في المهد. وهكذا تذهب شروح الشهود الإسرائيليين في تفسير بل وتبرير استخدام جيش الدفاع الذخائر الحية ضد المتظاهرين الفلسطينيين العزل في الأيام الأولى من الانتفاضة الثانية. ولم تكن هناك، في تلك الآونة، أية شواهد على إطلاق نيران من الجانب الفلسطيني.

25- ويرى الفلسطينيون هذه الصلة بين أعمال المقاومة الفلسطينية، من ناحية، والردود الإسرائيلية، من ناحية أخرى، من زاوية مغايرة تماما. فيرون في لجوء إسرائيل لاستعمال القوة من اليوم الأول للانتفاضة الثانية، بل وقبل زيارة أرييل شارون إلى المسجد الأقصى في 28 سبتمبر/ أيلول، مخططا لسحق أية بادرة فلسطينية للاحتجاج الصريح على استمرار السيطرة والاحتلال الإسرائيليين في الضفة الغربية وغزة. ويرى معظم الفلسطينيين في عمليات إغلاق الطرق والحدود وتدمير المنازل والممتلكات وما يصاحبها من إجراءات حظر التجول وفرض القيود محاولات صريحة من الإسرائيليين، في إطار سياسة عامة، لإنزال عقاب جماعي بالسكان الفلسطينيين كافة. كما يرفض الفلسطينيون مقولة إن السلطة الفلسطينية، والشرطة التابعة لها، تستطيعان منع المظاهرات العدائية أو ضمان عدم وقوع أحداث عنف ضد أهداف داخل إسرائيل. وعندما ترد إسرائيل على هذه الأحداث بمعاقبة الأراضي الفلسطينية بأسرها، يرى الفلسطينيون في ذلك الرد إجراء انتقاميا جائرا غير قانوني وذلك لاستحالة تبين أية صلة بين الرد ومرتكب الفعل أو بينه وبين احتمال ردع العنف مستقبلا.

26- ويرتبط بهذه التصورات ارتباطا وثيقا اختلاف النظرة إلى طبيعة الانتفاضة الثانية. ويميل الإسرائيليون إلى التفريق بين الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية فيرجعون بنظرهم إلى الوراء ويقولون إن الانتفاضة الأولى كانت تلقائية إلى حد كبير انطلقت من أدنى إلى أعلى كتعبير غير عنيف عن احتجاج الفلسطينيين على الاحتلال الإسرائيلي. ولم يكن معقولا في تلك الظروف تحميل السلطة الفلسطينية المسؤولية عن الاضطرابات. أما الانتفاضة الثانية فيراها الإسرائيليون ناتجة عن تحريض علوي لمجابهة القيادة الإسرائيلية بتحدٍ آني في لحظة زمنية حرجة في مفاوضات السلام. فهي خطة مدبرة لتحسين الموقف التفاوضي الفلسطيني، وقد أخذ يزداد ضعفا، وتعكس فشل السلطة الفلسطينية الذريع في الاضطلاع بالتزاماتها في إطار الاتفاقات المؤقتة المترتبة على عملية أوسلو للحفاظ على الأمن الإسرائيلي في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة.

27- ويرى الفلسطينيون الانتفاضة الثانية من منظور مختلف تماما، هو في جوهره منظور الشعب المحتل. فيرون في المظاهرات انفجارات تلقائية لمشاعر معادية مكبوتة كرستها سنوات الإحباط وخيبة الأمل والمهانة. ويعتبر الفلسطينيون الردود الإسرائيلية استطرادا منطقيا للتركيبة الأساسية لاحتلال الأراضي، فهي تركيبة أحادية الجانب لا تعرف اللين مع السكان المدنيين الفلسطينيين ولها هدف واحد هو معاقبة وسحق كل بوادر المقاومة.

28- ومن هذا المنظور، يرى الفلسطينيون في اعتماد الإسرائيليين المتعاظم على الأسلحة الثقيلة والنيران المصوبة للقتل في الانتفاضة الثانية، بالمقارنة بالانتفاضة الأولى، محاولة لثني الفلسطينيين عن تصعيد المقاومة أو لجعلهم يتخلون عنها تماما. كما يرون في هذه التكتيكات الحربية محاولة لتزويد إسرائيل بذريعة تتخلص بها من القيود التي ترتبط بأعمال الشرطة ومسؤولياتها أو بتطبيق معايير حقوق الإنسان.

29- وبالإضافة إلى هذه القضايا الهيكلية الأساسية، من المهم كثيرا أن ندرك حالة الضعف الشديد التي يعانيها اللاجئون الفلسطينيون ونسبتهم حوالي 50% من سكان الأراضي الفلسطينية وتتزايد أعدادهم بأكثر من 3% في السنة. ويرى الإسرائيليون الفلسطينيين المقيمين في الأراضي، وكأنهم في واقع واحد، دون إيلاء اهتمام خاص للاجئين، إلا أن الفلسطينيين أكثر إدراكا لمدى المعاناة الحادة التي ترتبها اعتبارات الأمن الإسرائيلي على أوساط اللاجئين في الانتفاضة الثانية.

30- ويتعرض هؤلاء اللاجئون إلى الإيذاء بشكل خاص أثناء الانتفاضة الثانية. فكثيرا ما يقعون أسرى محتجزاتهم المكتظة نتيجة إجراءات الإقفال وحظر التجول، مما يترتب عليه استحالة احتفاظ الكثير منهم بوظائفهم. والبطالة بينهم عالية، والمدخرات شبه منعدمة، وهو ما يؤدي إلى معاناة بالغة. ومن الناحية التاريخية أيضا، لا يدخل اللاجئون الفلسطينيون، بعكس اللاجئين في العالم أجمع، تحت مظلة نظام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وتقدم الأونروا لهم الإغاثة والعون الإنساني ولكنها غير مفوضة دستوريا أو سياسيا بتوفير الحماية لهم، وهو ما تأكد لنا بعد مناقشات مع بعض كبار المسؤولين في الأمم المتحدة وخبراء المنظمات غير الحكومية.

31- وهناك مسألة أساسية أخرى تتعلق بحقوق الإنسان، ألا وهي اختلاف الطرفين البالغ بشأن المسائل المتعلقة بلب النزاع، وقضية اللاجئين الأوسع وعلاقتها بنجاح عملية السلام. فثمة توافق إسرائيلي يقول إن أي طلب جاد لجعل الحق الفلسطيني في العودة ينطبق على الفلسطينيين الذين طردوا من 530 قرية عام 1948 يدخل عملية "السلام" في متاهات معقدة للغاية. أما الفلسطينيون فموقفهم أكثر تنوعا وأقل قطعية. فيصر بعض الفلسطينيين على التنفيذ الكامل لحق العودة وفقا للقانون الدولي، الذي يعطي الأولوية للحق في العودة إلى الوطن لمن يريد العودة. وغالبا ما يتخذ الفلسطينيون فيما يبدو موقفا مرنا من هذا الموضوع فيسعون أساسا إلى الحصول على اعتراف رمزي من إسرائيل بالمشاق الملازمة لعمليات الإبعاد، والنص بشكل ما على التعويض، وإتاحة بعض الإمكانيات للم شمل الأسر الفلسطينية. ويفهم من الموقف الفلسطيني أنه إذا توافر حسن النية من الجانب الإسرائيلي تجاه القضايا العالقة الأخرى، مثل القدس والمستوطنات، أمكن بحث الخلاف حول حق العودة على نحو يراعي الواقع العملي الذي نشأ في غضون الخمسين عاماً ويزيد التي تلت الأحداث الكبرى.

أحد مظاهر الاعتداء على شباب الانتفاضة

32- وعلى العموم، تنزع حكومة إسرائيل والرأي العام الإسرائيلي إلى اعتبار كل استخدام إسرائيلي للقوة تدبيرا أمنيا معقولا بالنظر إلى تغير العلاقة بين المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني نتيجة لإعادة انتشار قوات جيش الدفاع الإسرائيلي المرتبطة بعملية أوسلو، وبالتالي فإن هذه التدابير الأمنية ينبغي أن تكون صارمة وأن تسمح بما يلزم من تدخل من أجل توفير الحماية للمستوطنات ولحركة تنقل المستوطنين من إسرائيل وإليها. ويعتبر الأمن الإسرائيلي مبررا لجميع السياسات الموجهة قسرا ضد شعب فلسطين. وهذه الفرضية الرئيسية تجعل الإسرائيليين ينظرون إلى أي استخدام للقوة من جانب الفلسطينيين باعتباره "إرهابا". ويبلغ الخلاف في وجهات النظر أشده فيما يتصل بمسألة العنف هذه وتفسيرها، حيث ينظر الفلسطينيون إلى ما يقومون به من أعمال معارضة باعتبارها ردا معقولا على احتلال غير مشروع لوطنهم، وبذلك فإنهم يرون أن ما يقومون به من أعمال عنف هو نتيجة لردود فعل إسرائيلية مفرطة باستمرار على مقاومة خالية من العنف. يضاف إلى ذلك أن الفلسطينيين يرفضون كليا الحجج الأمنية الإسرائيلية وينظرون إلى القيود المفروضة على حركة التنقل، وعمليات الإغلاق، وتدمير الممتلكات، والاغتيالات السياسية، وإطلاق النار من قبل القناصة، وما شابه ذلك من ممارسات، باعتبارها ممارسات عقابية وانتقامية تتعارض مع حقوق الإنسان الأساسية كما تتعارض مع الضوابط الدنيا المجسدة في القانون الدولي الإنساني.

33- وثمة ملاحظة شاملة تتصل بنظرة الجانبين إلى سلطة الأمم المتحدة. فالإسرائيليون ينزعون إلى النظر إلى الأمم المتحدة ومعظم أوساط المجتمع الدولي باعتبارها غير متعاطفة على الإطلاق مع سعيهم إلى ضمان الأمن فضلاً عن كونها منحازة لمزاعم الفلسطينيين وتظلماتهم. أما الفلسطينيون فيشعرون من جانبهم بخيبة أمل إزاء فعالية الدعم المقدم من الأمم المتحدة، كما يشعرون بأنه يجري التخلي عنهم في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى حماية أساسية. ويشير الفلسطينيون إلى قرارات الأمم المتحدة العديدة التي تؤيد قضيتهم والتي لم يتم تنفيذها قط. وبذلك فإن كلا الجانبين يقفان حاليا موقفاً متشككاً إزاء دور الأمم المتحدة ونظرتها إلى الأمور وقدرتها والتزامها.

34- ونشأ عن هذه النظرة ثلاثة استنتاجات:
(أ) أهمية تشجيع تحسين الاتصال بين ذوي النوايا الحسنة على الجانبين بحيث يكون التخاطب بين الطرفين أكثر انفتاحاً وأكثر مراعاة لوجهات نظر الجانب الآخر. وهذه الملاحظة تنطبق بصفة خاصة على الصحفيين الذين يلاحظ حاليا أن نشاطهم ينحصر بوجه عام ضمن مجتمع كل منهم والذين ينزعون إلى تقديم معلومات متحيزة لقرائهم فيما يتصل بالعلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا تتضمن نقدا للمواقف الرسمية لكل من الجانبين ويستخدمون لغة تعزز النظرة المقولبة إلى "الآخر" باعتباره "عدوا".

(ب) التحدي الذي يواجه أجهزة الأمم المتحدة في استعادة سمعتها لدى كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والسكان الإسرائيليين والفلسطينيين، من خلال السعي إلى التزام الموضوعية في توزيع المسؤولية القانونية والسياسية، وفي الدعوة إلى الالتزام بسلوك معين باسم القانون الدولي، وفي صياغة المقترحات لتحقيق السلم والمصالحة. ومن المهم بالقدر نفسه، ولربما من الأهم، ضرورة اتخاذ خطوات تكفل قدر الإمكان تنفيذ التوجيهات الصادرة عن الأمم المتحدة، سواء في شكل قرارات أو غير ذلك من الأشكال، فضلا عن ضمان اتخاذ إجراءات متابعة لمعالجة حالات عدم الامتثال.

(ج) ينبغي تقدير أن الالتزام بالموضوعية لا يعني اتخاذ موقف "الحياد" إزاء تناول الأسس الموضوعية لجوانب الخلاف فيما يتعلق بالانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. إذ يمكن بل يجب إصدار أحكام في هذا الشأن. ومن المفيد التذكير في هذا الخصوص بما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي، شلومو بن عامي، في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 أثناء مناقشة في مجلس الوزراء اعتُرض فيها على الإفراج عن فلسطينيين يُزعم أنهم خالفوا القانون خلال المراحل الأولى من الانتفاضة الثانية: "إن الاتهامات التي تصدر عن مجتمع راسخ فيما يتصل بكيفية قيام شعب يقمعه هذا المجتمع بمخالفة القواعد من أجل نيل حقوقه هي اتهامات لا تنطوي على الكثير من المصداقية" (مقال بقلم آكيفا إلدر في صحيفة هاآرتس، 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000). ولقد كان هذا المنظور أساسا استندنا إليه في إعداد تقريرنا. وقد حاولنا قدر الإمكان أن نعبر بإنصاف ودقة عن الوقائع ومقتضيات القانون فيما يتصل بكلا الجانبين ولكننا قيّمنا الوزن النسبي للوقائع والحجج المقدمة من حيث أهميتها القانونية. وهذه العملية وحدها تمكننا من استخلاص استنتاجات أكيدة بشأن وجود انتهاكات للمعايير القانونية الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

رابعا - الوضع القانوني للنزاع
35- إن الوضع القانوني للضفة الغربية وغزة والنظام القانوني الذي تخضع له العلاقات بين إسرائيل وشعب فلسطين ما برح موضع نزاع منذ أن قامت إسرائيل باحتلال الضفة الغربية وغزة في عام 1967. وبالنظر إلى أن سيادة الأردن على الضفة الغربية كانت موضع شك وأن مصر لم تدع قط سيادتها على غزة، فإن حكومة إسرائيل قد اعتمدت وجهة نظر مفادها أنه لم تكن هناك أية سلطة ذات سيادة قامت إسرائيل باحتلال هذه الأراضي على حسابها. وبالتالي فإن إسرائيل، رغم كونها طرفا في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تعتبر أنها ليست ملزمة قانونا بأن تعامل هذه الأراضي بوصفها أراضي محتلة ضمن معنى اتفاقية جنيف الرابعة. ومع ذلك، فقد وافقت إسرائيل على تطبيق بعض الأحكام الإنسانية الواردة في اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي المحتلة على أساس الأمر الواقع.

36- وقد أضفت اتفاقات السلم المعقودة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ويشار إليها فيما يلي باتفاقات أوسلو، مستوى إضافيا من التعقيد على حالة قانونية هي موضع خلاف أصلا. وتزعم إسرائيل الآن أنه على الرغم مما تتضمنه المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة من حظر لأي تدخل في حقوق الأشخاص المحميين في إقليم محتل ينشأ عن اتفاق بين سلطات الإقليم المحتل ودولة الاحتلال، فإن اتفاقات أوسلو قد أحدثت تغييرا كبيرا في الحالة. وتزعم إسرائيل بصفة خاصة أنه لم يعد من الممكن اعتبارها دولة احتلال فيما يتعلق بالمناطق "ألف" التي تسكن فيها أغلبية السكان الفلسطينيين لأن السيطرة الفعلية على هذه المناطق قد آلت إلى السلطة الفلسطينية.

37- ويثير وضع الضفة الغربية وغزة مسائل خطيرة ليس للأسباب المبينة أعلاه فحسب وإنما أيضا بسبب تأثير قضايا حقوق الإنسان وحق تقرير المصير في هذه الأراضي. فالذين تولوا صياغة اتفاقية جنيف الرابعة لم يتصوروا احتلالا مطولا مستمرا لما يزيد عن 30 سنة (انظر المادة 6 من الاتفاقية). وبالتالي فإن المعلقين قد اقترحوا أن تكون سلطة الاحتلال، في حالة الاحتلال المطول، خاضعة للضوابط التي يفرضها قانون حقوق الإنسان الدولي فضلا عن قواعد القانون الدولي الإنساني. كما أن الحق في تقرير المصير الذي يحتل مكانة بارزة في كل من القانون الدولي العرفي والصكوك الدولية لحقوق الإنسان يتسم بأهمية خاصة في أي تقييم لوضع الضفة الغربية وغزة. ولقد كان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير موضع اعتراف متكرر من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما من شك في أن الهدف النهائي لعملية السلام التي بدأت في أوسلو هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة. والواقع أن ما يزيد عن 100 دولة قد أقامت بالفعل علاقات مع الكيان الفلسطيني لا تختلف عن تلك العلاقات التي تقام مع دولة مستقلة، بينما تتمتع السلطة الفلسطينية بمركز المراقب في العديد من المنظمات الدولية. وبالتالي فإن الكثيرين ينظرون إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية استعمار، مع الاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية في النهاية كخطوة أخيرة في عملية إنهاء الاستعمار التي استهلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 1514(د-15).

38- إن حالة عدم التيقن التي تكتنف وضع فلسطين في القانون الدولي قد أفضت إلى تعقيد النزاع بين إسرائيل والشعب الفلسطيني منذ 29 سبتمبر/ أيلول 2000. وتزعم حكومة إسرائيل أنه لم يعد من الممكن اعتبارها دولة احتلال فيما يتعلق بالمناطق "ألف" لأنها قد نقلت سيطرتها على هذه الأراضي إلى السلطة الفلسطينية. وهي تزعم كذلك بأن الأسلحة المستخدمة في الانتفاضة الجديدة، خلافا لما كان عليه الحال في الانتفاضة الأولى التي كانت فيها الحجارة السلاح الرئيسي المستخدم في الانتفاضة الفلسطينية، تشمل استخدام البنادق وأسلحة أثقل وأن النتيجة التي تترتب على ذلك هي أن هناك الآن نزاعا مسلحا بين إسرائيل والشعب الفلسطيني بقيادة السلطة الفلسطينية. والهدف من طرح هذه الحجة هو تبرير لجوء قوات جيش الدفاع الإسرائيلي إلى استخدام القوة في النزاع الدائر حاليا. وتزعم إسرائيل أساسا أنه لم يعد من الممكن النظر إليها كسلطة شرطة محتلة مطالبة بالتصرف وفقا لقواعد إنفاذ قانون الشرطة بل إنها في حالة نزاع مسلح يحق لها فيه أن تستخدم الوسائل العسكرية، بما في ذلك استخدام الأسلحة القاتلة، من أجل قمع المظاهرات السياسية وقتل القادة الفلسطينيين وتدمير المنازل والممتلكات بحكم الضرورة العسكرية.

39- ومن الواضح أنه ليس هناك نزاع دولي مسلح في المنطقة، حيث إن المعايير المقبولة لقيام الدولة لم تستوف بعد في حالة فلسطين رغم ما تحظى به من اعتراف واسع النطاق. وبالتالي تنشأ مسألة ما إذا كان هناك نزاع مسلح غير دولي، وهو ذلك النوع من النزاع الذي عرفته دائرة الطعون التابعة للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في قضية تاديتش، بأنه "عنف مسلح متطاول بين سلطات حكومية وجماعات مسلحة منظمة". أما الحجة الإسرائيلية التي تعتبر أن الحد الأدنى للحكم على وجود نزاع مسلح قد استوفي فهي حجة تستند إلى وقوع نحو 3000 حادث تزعم أنها اشتملت على تبادل لإطلاق النار وأن العنف الفلسطيني هو عنف منظم تديره السلطة الفلسطينية. ويطرح الفلسطينيون وجهة نظر مناقضة مفادها أن الانتفاضة الحالية يجب أن تصنف بوصفها انتفاضة أعداد كبيرة من السكان المدنيين ضد التجاوزات غير المشروعة التي ترتكبها دولة الاحتلال في سيطرتها على هؤلاء السكان وبيئتهم، وأن محرك الانتفاضة هم عناصر من السكان غير منظمين تنظيما محكما ممن يعارضون الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وإخفاق السلطة الفلسطينية في تحسين وضع الشعب الفلسطيني، وأنه ليست هناك جماعات مسلحة محكمة التنظيم ناهيك عن أنه ليست هناك أية جماعات مسلحة تتولى السلطة الفلسطينية تنسيقها أو تنظيمها.

40- ويصعب على اللجنة إصدار حكم نهائي في هذا الشأن. إلا أنها تميل إلى الرأي الذي يعتبر أن المظاهرات/ المجابهات المتفرقة التي كثيرا ما تحدث نتيجة لقتل متظاهرين ولا تسفر عن وقوع خسائر في الأرواح في صفوف الجنود الإسرائيليين، وأعمال الخطف والقتل غير المنظمة (كما في الحادث المأساوي الذي أسفر عن مقتل جنود احتياطيين في الجيش الإسرائيلي في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2000 في رام الله)، وأعمال الإرهاب التي تقع في إسرائيل نفسها، وإطلاق النار على الجنود والمستوطنين على الطرق المؤدية إلى المستوطنات من قبل مسلحين غير منظمين إلى حد بعيد، هي أعمال لا يمكن أن تعتبر من قبيل العنف المسلح المتطاول من جانب جماعة مسلحة منظمة. وهذا تقييم تؤكده حالة السلم السائدة في تلك المناطق من الضفة الغربية وغزة التي زارتها اللجنة. وتدرك اللجنة أن هذا التقويم الذي يستند إلى زيارة قصيرة إلى المنطقة وإلى آراء الشهود والمنظمات غير الحكومية من غير المتعاطفين مع قوات جيش الدفاع الإسرائيلي بصورة عامة قد لا يكون تقويما دقيقا بالكامل. إلا أن هناك ما يكفي من الشكوك التي تدور في خلد أعضاء اللجنة فيما يتصل بالحالة السائدة مما يلقي ظلالا من الشك حول تقويم جيش الدفاع الإسرائيلي للحالة بأنها حالة نزاع مسلح تبرر لجوءها إلى اتخاذ التدابير العسكرية بدلا من التدابير التي تعتمدها الشرطة.

41- وفي رأي اللجنة أن النـزاع يظل يخضع لقواعد اتفاقية جنيف الرابعة. فاللجنة لا تقبل الحجة الإسرائيلية التي تعتبر أن اتفاقية جنيف الرابعة غير منطبقة بسبب عدم وجود سلطة ذات سيادة في الأرض الفلسطينية المحتلة. فهذه الحجة التي تستند إلى تفسير ضيق للمادة 2 من الاتفاقية لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أن قانون الاحتلال إنما يُعنى بمصالح سكان الأرض المحتلة وليس بمصالح سلطة فقدت سيادتها على هذه الأرض. أما الحجة التي تعتبر أن إسرائيل لم تعد سلطة احتلال لأنها لم تعد لها سيطرة فعلية على المناطق "ألف" من الأرض الفلسطينية المحتلة فهي حجة لها وزن أكبر ولكنها غير مقبولة أيضا. فمعيار انطباق النظام القانوني الخاص بالاحتلال لا يتمثل فيما إذا كانت سلطة الاحتلال تمارس سيطرة فعلية على الأرض المحتلة بل فيما إذا كانت لها القدرة على ممارسة مثل هذه السلطة، وهو مبدأ أكدته المحكمة العسكرية للولايات المتحدة في نورنبرغ في قضية الرهائن في عام 1948. فاتفاقات أوسلو تترك لإسرائيل السيطرة القانونية النهائية على الأرض الفلسطينية المحتلة، أما كون إسرائيل قد اختارت لأسباب سياسية ألا تمارس هذه السيطرة في الوقت الذي تتوفر لها فيه بالتأكيد القدرة العسكرية على ممارستها فهو أمر لا يمكن أن يعفي إسرائيل من مسؤولياتها كدولة احتلال.

42- وبينما قد يتاح لسلطة الاحتلال أو للطرف في نزاع ما هامش معين من حيث تفسير الحالة لدى تقويمها لطبيعة النزاع، فإنه لا يمكن أن يسمح لها بأن تقوم من جانب واحد بتصنيف حالة ما بطريقة تغفل ضوابط القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ولهذا السبب، تقترح اللجنة أن تقوم الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف بمعالجة جدية لطبيعة النـزاع والتزامات إسرائيل بوصفها طرفا في اتفاقية جنيف الرابعة. وتدرك اللجنة الاعتراض الإسرائيلي على "تسييس" اتفاقيات جنيف، ولكنها لا ترى أن هناك أي بديل آخر لممارسة السلطات الإشرافية للأطراف السامية المتعاقدة بموجب المادة 1 من اتفاقية جنيف الرابعة. أما اعتراض إسرائيل بقولها إن المادة 1 لا تلزم الطرف السامي المتعاقد بأن "يكفل" احترام الاتفاقية من جانب الدول الأطراف الأخرى فيتعارض مع آراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومع الالتزام العام من جانب الدول بأن تكفل احترام القانون الإنساني.

43- وحتى في حالة تصنيف النـزاع بوصفه نزاعا مسلحا مما يتيح لقوات جيش الدفاع الإسرائيلي مجالا أوسع في ممارسة سلطاتها، فإنه من المؤكد أن جيش الدفاع الإسرائيلي ليس معفيا من مراعاة جميع الضوابط بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فهو يظل ملزما بمراعاة مبدأ التمييز الذي يقتضي عدم جعل المدنيين هدفا لأي هجوم "ما لم يكونوا يشاركون مشاركة مباشرة في الأعمال الحربية" (وهو مبدأ أعيد تأكيده في المادة 51(3) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف). أما قيام الشبان بقذف الحجارة على مواقع عسكرية يتوفر لها قدر هائل من الحماية فلا يبدو أنه ينطوي على مشاركة في أعمال حربية. يضاف إلى ذلك أنه ليس هناك الكثير من الأدلة على حدوث إطلاق نار عشوائي على المدنيين في المواقع القريبة من المظاهرات وغيرها من الأماكن. كما أن قوات جيش الدفاع الإسرائيلي تخضع لمبدأ التناسب الذي يقتضي ألا تكون الأضرار اللاحقة بغير المقاتلين أو بالممتلكات المدنية غير متناسبة مع المزايا العسكرية التي تنطوي عليها عملية ما. أما استخدام الأسلحة القاتلة ضد المتظاهرين وتدمير المنازل والممتلكات على نطاق واسع على امتداد طرق المستوطنات فلا يمكن أن يعتبرا، في رأي اللجنة، من الأمور المناسبة في ظل الظروف القائمة. كما أن قواعد حقوق الإنسان توفر مقياسا للتصرفات في الأرض الفلسطينية المحتلة، ذلك لأن هناك اتفاقا عاما على أن هذه القواعد يجب أن تطبق في حالة الاحتلال المطول. فمدونة قواعد السلوك للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون الصادرة في عام 1979 والمبادئ الأساسية لعام 1990 بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون تعكس قواعد حقوق الإنسان الواجبة التطبيق في حالة إنفاذ القوانين والسيطرة على التجمعات. ومن هذا المنطلق، سيتناول الفرع التالي من هذا التقرير المزاعم المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.

خامساً- استخدام القوة بإفراط
44- ما برحت الخسائر في الأرواح وحالات الإصابة مرتفعة في الانتفاضة. وتفيد التقديرات المحافظة أنه، حتى تاريخ 21 فبراير/ شباط 2001، قُتل 311 فلسطينياً (من المدنيين وقوى الأمن) على أيدي قوى الأمن الإسرائيلية ومدنيين إسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقُتل 47 إسرائيلياً (من المدنيين وقوى الأمن) على أيدي مدنيين فلسطينيين وقوى الأمن الفلسطينية، وجُرح 11575 فلسطينياً و466 إسرائيلياً، وقُتل 84 طفلاً فلسطينياً ممن هم دون سن 17 سنة، وجُرح نحو 5000 طفل، وقُتل طفل إسرائيلي واحد وجُرح 15 طفلاً، وقُتل 271 من المدنيين الفلسطينيين و40 من أفراد قوى الأمن الفلسطينية، بينما قُتل 27 من المدنيين الإسرائيليين و20 من أفراد قوى الأمن الإسرائيلية.

45- وحدثت معظم الوفيات والإصابات بين الفلسطينيين بفعل ذخيرة حية (الوفيات: 93%، الإصابات: 20%)، ورصاص مغلف بالمطاط (الوفيات: 1%، الإصابات: 37%)، والغاز المسيل للدموع (الوفيات: 1%، الإصابات: 32%). وحدثت معظم هذه الوفيات والإصابات أثناء مواجهات/ مظاهرات جرت في محيط المناطـق ألف، أي على حدودها الخارجية، وعلى الطرق المؤدية إلى المستوطنات أو على تقاطعات الطرق المؤدية إليها. وليس ثمة أدلة على أن أفراد قوة الدفاع الإسرائيلية المسؤولين عن حوادث القتل أو الإصابة هذه قد قُتلوا أو أصيبوا بجراح خطيرة. بل على العكس من ذلك، فإن الأدلة تبيِّن أن تعرض أفراد قوة الدفاع الإسرائيلية، المتمترسين وراء تحصينات خرسانية، للقذف بالحجارة أو بقنابل مولوتوف، بل وحتى تعرضهم لإطلاق نار متقطع من قبل مسلحين بين المتظاهرين أو حولهم، لم يكن، في معظم الحالات، يشكل خطراً على حياتهم. وتشكك قوة الدفاع الإسرائيلية بشدة في صحة هذه الحجة، مؤكدة أن الرصاص المغلف بالمطاط والذخيرة الحية لم تستخدم إلا في حالات تعرض أرواح أفرادها للخطر (1). غير أن الإحصاءات، على نحو ما يتجلى من عدد الوفيات التي تحدث بين الفلسطينيين أثناء المظاهرات، وعدم حدوث وفيات أو إصابات خطيرة في صفوف قوة الدفاع الإسرائيلية أثناء تلك المظاهرات، وإفادات شهود عيان أدلوا بها أمام اللجنة، وتقارير المنظمات غير الحكومية والهيئات الدولية، تضع تأكيد قوة الدفاع الإسرائيلية موضع شك شديد. وعليه، فلا يسعنا إلا أن نخلص إلى أنه كان من الممكن التصدي لمعظم هذه المظاهرات بالأساليب المستخدمة عادة لإخماد المظاهرات العنيفة، كَرش المتظاهرين بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع واستخدام الرصاص المطاطي الليِّن (من النوع المستخدم في إيرلندا الشمالية). كما أنه من غير الواضح لماذا لم تستخدم قوة الدفاع الإسرائيلية دروعاً واقية من أعمال الشغب لحماية أفرادها من الحجارة. وعلى وجه الإجمال، توحي الأدلة بأن قوة الدفاع الإسرائيلية هي إما غير مدربة أو مجهزة للتصدي بكفاءة للمظاهرات العنيفة (على الرغم من طول باعها في التعامل مع هذه المظاهرات) أم إنها قد قررت عمداً عدم استخدام تلك الأساليب. لذلك فإن اللجنة تشاطر كثيرا من المنظمات غير الحكومية رأيها بوجوب تأنيب قوة الدفاع الإسرائيلية على عدم تقيدها باستخدام أساليب إنفاذ القانون المنصوص عليها في مدونتي إنفاذ القانون لعامي 1979 و1990 المشار إليهما أعلاه. وتشاطر اللجنة كذلك المنظمات غير الحكومية هواجسها بشأن عدم تقيد قوة الدفاع الإسرائيلية بما لديها هي ذاتها من أحكام ناظمة لفتح النار بالذخيرة الحية في حالات من هذا القبيل.

46- وحتى وإن كانت الحجة المطروحة أعلاه غير صحيحة وإذا كانت المواجهات موضع البحث مظهراً من مظاهر النزاع المسلح بين قوة الدفاع الإسرائيلية وقوة فلسطينية منظمة، ترى اللجنة أن رد قوة الدفاع الإسرائيلية لا يستوفي شرط التناسبية وينم عن استخفاف جسيم بأرواح المدنيين المتواجدين قريبا من المظاهرات.

47- وتلقت اللجنة أدلة مقلقة عما تستخدمه قوة الدفاع الإسرائيلية من رصاص مغلف بالمطاط وذخيرة حية. فالأول مصمم، على ما يبدو، لاستهداف الأفراد تحديداً وليس لتفريق الحشود. وعلاوة على ذلك، فإن تسميته "رصاصاً مطاطياً" هي تسمية مضللة، حيث إنه رصاص معدني مغلف بغطاء من المطاط. أما الذخيرة الحية المستخدمة فتشمل رصاصا شديد السرعة يتشظى لدى اصطدامه بالهدف مسببا أقصى قدر من الضرر. ومما يبعث على القلق كذلك، الأدلة على أن كثيراً مما يحدث من وفيات وإصابات هو نتيجة لجروح في الرأس وأعلى الجسم، مما يدل على نية في إلحاق ضرر جسدي خطير، لا على نية في إخماد المظاهرات/ المواجهات.

48- إن القانون الدولي يلزم العسكريين بتوخي عناية خاصة لدى تعاملهم مع الأطفال. ومن بين مجموع من قُتل من الفلسطينيين، فإن 37% هم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، كما أن حوالي 50% من المصابين الفلسطينيين هم من الأطفال دون الثامنة عشرة من العمر. إن هؤلاء الأطفال كانوا مسلحين بالحجارة أو، في بعض الحالات، بقنابل مولوتوف. والموقف الإسرائيلي هو أن مشاركة الأطفال في المظاهرات ضد قوة الدفاع الإسرائيلية تتولى تنظيمها وتشجيعها وتنسيقها السلطة الفلسطينية بعد تلقينهم وتشريبهم أفكاراً مناهضة لإسرائيل. واللجنة، وهي مستعدة لقبول أنه ربما كان بعض الأطفال قد لقنوا في المدارس أو في مخيمات تدريب خاصة دعاية معادية لإسرائيل، فلا يسعها إغفال أن المظاهرات هي، إلى حد كبير، نتيجة لما ينتاب الأطفال وأسرهم من شعور بالإذلال والإحباط من جراء سنوات من الاحتلال. وقد اطلعت اللجنة على أدلة مقدمة من آباء ومن منظمات غير حكومية عما كان يبذله كثير من الآباء من محاولات لم تفلح في منع أبنائهم من المشاركة في المظاهرات، وعما كان يلمّ بهم من حزن إثر مقتل أطفالهم أو إصابتهم. ولا يختلف الآباء الفلسطينيون في هذا الشأن عن نظرائهم الإسرائيليين. وربما كان بإمكان السلطة الفلسطينية أن تفعل أكثر مما فعلت لثني الأطفال عن المشاركة في مظاهرات رمي الحجارة. وتوحي الأدلة بأن رجال الشرطة الفلسطينيين قد بذلوا أحياناً محاولات لمنع القيام بمظاهرات، إلا أن هذه المحاولات كثيراً ما باءت بالفشل. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدم كفاءة رجال الشرطة الفلسطينيين، وإلى أنهم هم أنفسهم كانوا يستهدفون من قبل رماة الحجارة عندما يحاولون كبح المتظاهرين، كما يمكن إرجاعه إلى ما يشعر به رجال الشرطة الفلسطينيون، بداهة، من تعاطف مع المتظاهرين روحاً وأهدافا. والتاريخ حافل بأمثلة عن حالات شاركت فيها الشبيبة، تحفزها نزعة مثالية ومشاعر اليأس والإهانة ورغبة في الإثارة، في مظاهرات واجهت نظاماً جائراً. ومنذ عهد قريب، تصرف الأطفال على هذا النحو في إيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وغيرها. إن إصرار قوة الدفاع الإسرائيلية على أن المتظاهرين الفلسطينيين، الذين يدفعهم شعور بالمذلة إثر رزوحهم طيلة سنوات تحت الاحتلال العسكري الذي بات يشكل جزءا من ثقافتهم وتربيتهم، يتصرفون بإيعاز من السلطة الفلسطينية التي تتولى تنظيمهم والتنسيق بينهم، هو تحليل ينم إما عن جهل بالتاريخ أو عن تجاهل تام للأدلة البيِّنة والحجج الدامغة.

49- إن عدم احترام قوة الدفاع الإسرائيلية حرمة مركبات الهلال الأحمر وغيرها من المركبات الطبية هو دليل آخر على إفراطها في استخدام القوة وعدم امتثالها لأحكام القانون الإنساني الدولي. فتبين الإحصاءات أنه قد اعتدي على مركبات الهلال الأحمر مائة مرة ومرة. كما منعت قوة الدفاع الإسرائيلية سيارات الإسعاف وسيارات خاصة من الوصول إلى المستشفيات. وينبغي التأكيد في هذا الصدد على أن الفلسطينيين قد أبدوا، هم كذلك، عدم احترام لحرمة المركبات الطبية، حيث وقعت 57 حادثة اعتدى فيها فلسطينيون على موظفي ومركبات نجمة داود الحمراء.

50- وأثناء الانتفاضة الراهنة، قامت قوة الدفاع الإسرائيلية، لدواعي الضرورة العسكرية على ما يبدو، بتدمير المنازل وإتلاف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وخاصة في غزة، التي تفتقر أصلا للأراضي. وتبين الإحصاءات أنه قد تم تدمير 94 منزلا وجرف 7024 دونما من الأراضي الزراعية في غزة. وتقدر قيمة الأضرار التي لحقت بالبيوت الخاصة بمبلغ 9.5 من ملايين دولارات الولايات المتحدة، والأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية بحوالي 27 مليون دولار. وقد قامت قوة الدفاع الإسرائيلية بمعظم هذه الإجراءات على الطرق المؤدية إلى المستوطنات، من أجل حماية مركباتها، حسبما زعم. وقامت اللجنة بمعاينة بعض ما سببته قوة الدفاع الإسرائيلية من دمار على امتداد طرق المستوطنات. فعلى طريق كوسوفيم، بمنطقة قرارة، عاينت اللجنة أرضا جُرفت مسافة 700 م تقريباً من الطريق. فقد دُمرت المنازل الواقعة على هذه الأرض وأُجبرت الأسر التي كانت تسكنها على المعيشة في خيام. كما دُمرت آبار المياه التي كانت محفورة في جوار تلك المنطقة تدميراً تاماً. وكان من الصعب على اللجنة أن تصدق أن هذا التدمير، الذي كان يتم عادة في منتصف الليل ودون إنذار مسبق، له ما يبرره لدواعي الضرورة العسكرية. فقد بدا للجنة أن تدمير الممتلكات على هذا النحو كان يتم بطريقة ترهيبية لا تمت إلى الأمن بصلة، ومع عدم مراعاة أوضاع المدنيين، وبما يتجاوز كثيراً دواعي الضرورة العسكرية. وتوحي الأدلة أن إتلاف الممتلكات وتدمير المنازل كانا يجريان أيضا في مناطق أخرى من الضفة الغربية وغزة. والفلسطينيون، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الناس، مرتبطون ارتباطا وثيقا ببيوتهم وأراضيهم الزراعية. إن تدمير البيوت وإتلاف أشجار الزيتون والحمضيات، التي ما فتئ المزارعون يرعونها ويعتنون بها على مر السنوات، قد سببا معاناة بشرية لا حصر لها لدى من لا صلة لهم بأعمال العنف الراهنة. فحتى وإن كان يوجد نزاع مسلح قليل الشدة في الضفة الغربية وغزة، يبدو واضحاً لنا أن هذه التدابير غير متناسبة، من حيث أن الأضرار التي يتم إلحاقها بالممتلكات المدنية تفوق المكسب العسكري. وينبغي التشديد هنا على أن اتفاقية جنيف الرابعة تحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة "إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير" (المادة 53).

51- وتخلص اللجنة إلى أن قوة الدفاع الإسرائيلية قد استخدمت القوة استخداما مفرطا على حساب أرواح الفلسطينيين وممتلكاتهم. وتود اللجنة، في الوقت ذاته، أن تعرب عن هولها لمقتل احتياطيين عسكريين إسرائيليين على أيدي حشد من الغوغاء في رام الله في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2000، ولمقتل إسرائيليين عند موقف للحافلات في تل أبيب على يدي سائق حافلة فلسطيني في 14 فبراير/ شباط2001، ولحوادث مماثلة كان لها أثر كبير في إلهاب مشاعر الرأي العام الإسرائيلي ضد الانتفاضة الفلسطينية.

52- وليس ثمة ما يدل على أن قوة الدفاع الإسرائيلية قد اتخذت خطوات جادّة للتحقيق في حوادث قتل الفلسطينيين وجرحهم، باستثناء بضع حالات، حتى عندما توحي الظروف والملابسات إيحاء قويا بأن الجنود قد تصرفوا تصرفا يعوزه الانضباط أو لا يتصف بالشرعية. أما ذريعة أنه ليس هناك ثمة ما يقتضي التحقيق في هذه الحوادث نظراً لوصف النزاع بأنه نزاع مسلح فهي غير مقنعة وتنم عن استهانة باتفاقية جنيف الرابعة التي تقتضي من الدولة المحتلة محاكمة المتهمين باقتراف مخالفات جسيمة لأحكام الاتفاقية وغيرها من الإخلالات بأحكامها (المادة 146). وكذلك فإن الأسباب التي ساقتها السلطة الفلسطينية لامتناعها عن التحقيق في حوادث قتل الإسرائيليين وإحالة المسؤولين عنها إلى القضاء، وخاصة المسؤولون عن حوادث القتل الغوغائي التي وقعت في رام الله، هي أيضا أسباب غير مقنعة.

سادساً - عمليات الإعدام بدون محاكمة/ الاغتيالات السياسية
53- إن ما أقدمت عليه قوة الدفاع الإسرائيلية من عمليات إعدام بدون محاكمة أو اغتيالات تستهدف شخصيات سياسية معينة لم تسفر سوى عن عدد قليل من الوفيات ولا يمكن مقارنتها من حيث حجمها بالمعاناة الأوسع انتشارا التي سببتها هذه القوة للسكان الفلسطينيين. ومع ذلك، فقد قررت اللجنة إيلاء اهتمام خاص لحوادث القتل هذه، نظراً لما تم رسمياًَ من اعتراف بها وتشجيع لها وتغاض عنها.

54- إن إسرائيل متهمة منذ أمد طويل بأنها مسؤولة عن اغتيال فلسطينيين معينين مستهدفين، غير أنه لم يتم الإقرار رسميا بهذه الممارسة والدفاع عنها على أعلى مستويات الحكومة في إسرائيل إلا أثناء الانتفاضة الثانية. ففي مطلع يناير/ كانون الثاني 2001، قال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، إفراييم سنيه، مبررا هذه السياسة: "بوسعي أن أشرح لكم بلا التباس ماهية هذه السياسة: إذا أقدم أحد على ارتكاب اعتداءات إرهابية أو كان يخطط للقيام بذلك، فلا بد من توجيه ضربة إليه... وهي فعالة ومحكمة وعادلة". وفي اجتماع للجنة الشؤون الخارجية والدفاع، صاغ رئيس الوزراء إيهود باراك هذه المقولة بعبارات أعم، حيث قال: "إذا كان أناس يطلقون النار علينا ويقتلوننا، فخيارنا الوحيد هو رد الضربة. إن بلدا يتعرض للتهديد الإرهابي لا بد له أن يتصدى لذلك". وأثناء زيارة قام بها السيد باراك إلى أحد مراكز القيادة العسكرية في الضفة الغربية، نُقل عنه قوله، بعبارات أكثر تحديداً، "إن لقوة الدفاع الإسرائيلية الحرية في التصدي لمن يسعون إلى إيذائنا".

55- وهناك مزيد من التصريحات الرسمية التي تؤكد حق إسرائيل في تنفيذ عمليات إعدام بلا محاكمة. فعندما سئل القائد العسكري للضفة الغربية في قوة الدفاع الإسرائيلية، العميد بَني غانتز، عما إذا كانت إسرائيل تنتهج سياسة "تصفية" إزاء الفلسطينيين، أجاب قائلاً: "أنت الذي قلت تصفية، لست أنا. إننا سنتصرف حسب دواعي الضرورة. ولن نكف عن اتخاذ إجراء من هذا القبيل طالما كان هناك تهديد". أما رئيس الأركان الإسرائيلي، شاؤول موفاز، فاستشهد بالفتوى الصادرة عن المدعي العام العسكري، التي تجيز قتل إرهابيين فلسطينيين في حالات استثنائية، شارحاً ذلك بالعبارات المتحفظة التالية: "هذا ليس أمرا اعتياديا، بل إنه أسلوب استثنائي هدفه إنقاذ أرواح بشرية في غياب أي بديل آخر... وهو يُستخدم ضد أشخاص تم تحديد هويتهم جزما على أنهم عملوا ويعملون على ارتكاب اعتداءات ضد إسرائيل". وينبغي التنويه بأن المدعي العام العسكري يستخدم عبارات أكثر تحديدا مما يستخدمه الزعماء السياسيون والقادة العسكريون، لكن مبادئه التوجيهية تطبق ذاتيا تبعا لدقة الاستخبارات الإسرائيلية ولحسن النية في إبقاء هذه الأساليب مقتصرة على الظروف ذات الطابع الاستثنائي.

56- ومن الأمثلة البارزة على الاغتيال السياسي مقتل الدكتور ثابت أحمد ثابت في طولكرم بالضفة الغربية بنيران أحد القناصة بينما كان يقود سيارته من منزله صباح يوم 9 ديسمبر/ كانون الأول 2000. وكان الدكتور ثابت طبيب أسنان في الخمسين من عمره، له ثلاثة أبناء، ويشغل مناصب رسمية في وزارة الصحة الفلسطينية ويلقي محاضرات عن الصحة العامة في جامعة القدس المفتوحة. وكان يعمل أمينا لحركة فتح في طولكرم وله اتصالات منتظمة بالمنظمات غير الحكومية الإسرائيلية العاملة في مجال الصحة وحقوق الإنسان. وأعرب العديد من الشهود الإسرائيليين الذين مثلوا أمام اللجنة عن ارتياعهم لمقتل الدكتور ثابت، واصفين إياه بأنه "صديق" و"شريك" لهم في السعي إلى السلم. هذه العبارات لا تستبعد إمكانية أن الدكتور ثابت ربما كانت له شخصية مزدوجة، لكن إسرائيل لم تقدم دليلا على ضلوعه في أعمال عنف ضد أهداف إسرائيلية، فيما عدا ادعاء مبهم عن تورطه في "أنشطة إرهابية". وأفادت تقارير صحفية أن القوات الخاصة الإسرائيلية قد اتخذت هذا الإجراء ضد الدكتور ثابت كجزء من عملية عسكرية تهدف إلى "تطهير" القدرات الأمنية لحركة فتح نظرا للمظاهرات الجارية داخل الأراضي الفلسطينية، وفي طولكرم تحديدا. وتقدمت السيدة سهام ثابت، أرملة الدكتور ثابت، بالتماس إلى المحكمة العليا لإسرائيل طالبة إنهاء "سياسة التطهير" التي تنتهجها إسرائيل، واصفة هذه السياسة بأنها تطبق "حكم الإعدام بلا محاكمة". ورُفض الالتماس. وبقدر ما هو معروف، فإن النيابة العامة لم تقدم أدلة إضافية تجرِّم الدكتور ثابت.

57- وأثناء تواجد أعضاء اللجنة في الأراضي الفلسطينية، حدثت حالة بارزة أخرى من حالات الإعدام بلا محاكمة. فقد قامت طائرة عمودية من طراز كوبرا مجهزة بالصواريخ والمدافع الرشاشة بإطلاق ثلاثة صواريخ على مسعود عيّاد في 14 فبراير/ شباط 2001 بينما كان يقود سيارته في غزة بالقرب من مخيم جباليا للاجئين. وكان السيد عيّاد ضابطا برتبة مقدم ومن كبار أعضاء القوة 17، وهي وحدة أمنية مختارة تتولى تحديداً مهمة حماية السيد ياسر عرفات. وأقرت قوى الأمن الإسرائيلية بمسؤوليتها عن عملية الاغتيال، زاعمة أن السيد عيّاد كان من قادة وحدة تابعة لحزب الله في غزة تعتزم تحويل الانتفاضة الثانية إلى حرب استنزاف على غرار الحرب التي شنها حزب الله في لبنان في التسعينات بنجاح. وبصرف النظر عن شرعية هذه الأساليب، فلم تُنشر أية أدلة مستندية أو غيرها من الأدلة بما يثبت صحة هذه الادعاءات.

58- إن عدد ما نُفِّذ أثناء الانتفاضة الثانية من عمليات إعدام بلا محاكمة من هذا النوع لا يقل عن 11 عملية، لكنه قد يكون أعلى من ذلك بكثير. وتقدر مصادر فلسطينية ومصادر مستقلة عددها بما يتراوح بين 25 و35 عملية إعدام. ففي واحدة منها على الأقل، هي عملية إعدام حسين عبيّات، التي نُفِّذت في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000، حيث أطلقت طائرات عمودية صواريخ مضادة للدبابات على سيارته، قتلت أيضاً امرأتان من بين المارَّة وأصيب ثلاثة فلسطينيين آخرين بجراح خطيرة.

59- وفي تصعيد كلامي مقلق فيما يتصل بهذا العنف، نُقل عن أحد المتحدثين باسم حركة يهوشوا مور - يوسف الاستيطانية قوله إن "عرفات عدو، وهو لم يكن شريكاً قـط. فبعد سبع سنوات من الحرب ومن إيعازه لشعبه لأن يَقتُل، لا بد لنـا أن نغتاله. "صحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيـون، 27 فبراير/ شباط 2001، الصفحة 8".

60- لقد صدر العديد من الإدانات السياسية الهامة لعمليات الإعدام بلا محاكمة. فقد اتخذت حكومة الولايات المتحدة الأميركية موقفاً انتقادياً من هذه العمليات في عرض مفصل لهذه الممارسة ورد في فرع "الأراضي المحتلة" من التقارير القطرية عن ممارسات حقوق الإنسان في عام 2000، الصادرة عن وزارة خارجية الولايات المتحدة. وأصدرت رئاسة الاتحاد الأوروبي إعلاناً بشأن عمليات الإعدام بلا محاكمة، واصفة إياها بأنها "غير مقبولة ومنافية لقواعد القانون"، وحثت إسرائيل على "أن تكف عن هذه الممارسات مراعاةً لأحكام القانون الدولي". (بروكسل 13 فبراير/ شباط 2001، 5928/1 (البيان الصحفي (47). وأحال مجلس الاتحاد الأوروبي هذا الإعلان رسمياً إلى الأمين العام للأمم المتحدة طالباً إليه تعميمه كوثيقة من وثائق الجمعية العامة.

61- وترى اللجنة أنه، بصرف النظر عن حقيقة الادعاءات المختلفة الموجهة ضد أفراد معيَّنين، فإن ممارسة الاغتيال السياسي هي انتهاك أساسي لمعايير حقوق الإنسان الدولية، فضلاً عن كونها إخلالاً جسيماً بأحكام اتفاقية جنيف الرابعة. وإن العديد من صكوك حقوق الإنسان، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تؤكد الحق في الحياة وتحظر تحديداً عمليات إعدام المدنيين بلا محاكمة وبدون إجراءات قضائية عادلة.

62- ونظراً لأن قانون الاحتلال الذي تنص عليه اتفاقية جنيف الرابعة يسري أيضاً على حالة الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن أحكام هذا القانون الخاص لها الأسبقية على حقوق الإنسان. (للاطلاع على توضيح لهذا الاستنتاج، انظر البحث الوارد في الفرع رابعاً أعلاه بشأن الوضع القانوني للنزاع). وعليه، فإن مسألة ما إذا كان يتعين اعتبار مقتل شخص ما خسارةً تعسفيةً في الأرواح تتعارض مع أحكام المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هي مسألة لا يمكن البت فيها إلا بالرجوع إلى قانون الاحتلال الوارد في اتفاقية جنيف الرابعة. فالمادة 4 من هذه الاتفاقية تعرِّف الأشخاص الذين تحميهم الاتفاقية بأنهم "الذين يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان، في حالة قيام نزاع أو احتلال، تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال ليسوا من رعاياها". وعبارة "تحت سلطة" تعني وجود الشخص في أراضٍ تسيطر عليها الدولة موضع البحث، وتتجاوز هذه السيطرة مجرد السيطرة المادية. ويفقد المدنيون الحماية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة عندما يصبحون مقاتلين ويقومون بدور مباشر في الأعمال العدائية (المادة 51 (3) من البروتوكول الإضافي الأول). وتقول إسرائيل إن الضحايا المستهدفين في الاغتيالات السياسية كانوا مقاتلين. وهذا قول غير مقنع لسببين متصلين: فهم لم يكونوا مشاركين في الأعمال العدائية وقت قتلهم، ولم تقدم إسرائيل أدلة تؤيد ادعاءها قيامهم بدور قتالي على الرغم من مظهرهم المدني.

63- ولا يوجد أساس قانوني يجيز قتل الأشخاص المحميين بناء على اشتباهٍ بقيامهم، أو بإمكانية قيامهم مستقبلاً، بأنشطة أو عمليات خطرة مفترضة، أو حتى بناء على أدلة على ذلك. بل على نقيض ذلك، فإن المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على احترام الأشخاص المحميين، والمادة 32 تحظر صراحةً قتلهم في ظل أوضاع من هذا القبيل، والمادة 68 تضع قيوداً على تطبيق عقوبة الإعدام، وتشترط، في أي حال، محاكمة قضائية مسبقة.

64- وتبين الأدلة أن الدكتور ثابت، شأنه في ذلك شأن أشخاص عديدين آخرين وقعوا ضحايا للاغتيالات السياسية، كان يمكن إلقاء القبض عليهم عندما، كما في حالته هو، كان يقوم يومياً تقريباً برحلات إلى نقاط خاضعة لتفتيش رجال الأمن الإسرائيليين. وتخلص اللجنة إلى أن الممارسة المتمثلة في الاغتيال السياسي المستهدَف، وهي ممارسة تقر بها تماماً حكومة إسرائيل على أرفع مستوياتها، تشكل إخلالاً بعدد من أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، كما تشكل خرقاً جسيماً للاتفاقية، التي تشير في المادة 147 منها إلى "القتل العمد" في هذا الصدد. وعلاوة على ذلك، فإن المادة 146 تطلب إلى الأطراف السامية المتعاقدة إنفاذ هذا الحظر على المسؤولين عن خرقه.

سابعاً- المستوطنات
65- إن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية) وغزة هي عامل بارز في النزاع الراهن بين إسرائيل والشعب الفلسطيني. ويركز هذا التقرير على ما يترتب على المستوطنات من آثار بالنسبة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي أثناء الانتفاضة الثانية.

66- وتجادل إسرائيل بأن قضية المستوطنات اليهودية هي قضية سياسية يتعين تسويتها في مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين على المستقبل السياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة. أما الفلسطينيون فهم يرون في قضية المستوطنات عائقاً رئيسيا أمام العملية السلمية ومسألة تنظمها أحكام القانون الدولي. وهم يجادلون بأن المستوطنات غير مشروعة حيث إنها مخلة بأحكام المادة 49 (6) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي لا تجيز لدولة الاحتلال أن تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وقد أيد المجتمع الدولي بغالبيته العظمى الموقف الفلسطيني. وصدرت عن كل من مجلس الأمن والجمعية العامة مراراً وتكراراً قرارات تدين إنشاء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة باعتبارها مخلة بأحكام اتفاقية جنيف الرابعة. وتتخذ لجنة الصليب الأحمر الدولية موقفا مماثلاً إزاء المستوطنات.

67- أما لجنة حقوق الإنسان، فهي ترى أن المستوطنات اليهوديـة في الضفة الغربية وغزة تخل بأحكام المادة 49 (6) من اتفاقية جنيف الرابعة وتضع عقبة خطيرة في طريق السلم المستديم.

68- ومنذ عام 1967، ما فتئت إسرائيل مسؤولة عن إقامة مستوطنات يهودية في الضفة الغربية وغزة وعن تمويل هذه المستوطنات وحمايتها. وكانت إسرائيل في بادئ الأمر تسوق أسباباً أمنية لتبرير برنامج الضم الزاحف الذي ما برحت تطبقه عن طريق مصادرة الأراضي الفلسطينية واحتلالها. وقد تخلت عن هذه الذريعة منذ أمد بعيد. فعندما كان إسحق رابين رئيسا للوزراء ووزيراً للدفاع، أقر بأن معظم المستوطنات لا تضيف شيئا إلى الأمن، بل إنها تشكل عبئا على الجيش. ومعظم المستوطنات يقطنها اليوم مستوطنون مدنيون إما لدوافع أيديولوجية التوسع الصهيوني أو لأسباب الراحة التي توفرها المعيشة في الضواحي، مع ما تقدمه لهم حكومة إسرائيل من إعانات. أما وجهة نظر الحكومة في هذا الشأن، فهي أن المستوطنات تفضي إلى إيجاد حالات على أرض الواقع تساعد على بسط السيطرة السياسية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

69- وتوجد اليوم نحو 190 مستوطنة في الضفة الغربية وغزة، يقطنها قرابة 380000 مستوطن، يعيش نحو
180000 منهم في منطقة القدس الشرقية. وقد توسعت المستوطنات توسعا كبيراً منذ بدء عملية أوسلو السلمية وتسارعت خطاها أثناء فترة تولي السيد باراك رئاسة مجلس الوزراء. وما برحت المستوطنات تتوسع منذ بدء الانتفاضة الثانية. وتبين الخريطة الواردة في المرفق الثالث مدى انتشار المستوطنات في جميع أنحاء الأراضي المحتلة، كما تبين عدد سكان مختلف المستوطنات. وتختلف المستوطنات اختلافا كبيرا في حجمها وموقعها. فعدد السكان في بعضها يتجاوز 10000 نسمة، بينما يقل في بعضها الآخر عن 100 نسمة. وبعضها يبعد مسافة كبيرة عن المدن والبلدات الفلسطينية، بينما يقع بعضها الآخر داخلها، وأبرز هذه الحالات المستوطنة اليهودية الموجودة في الخليل، أو يقع على عتبة قرية فلسطينية أو مخيم من مخيمات اللاجئين. فمستوطنة نيفهِ ديكاليم، مثلاً، متاخمةً لمخيم خان يونس المكتظ باللاجئين. وفي هذا المكان، تَعَرَّض أعضاء اللجنة لإطلاق النار من قوة الدفاع الإسرائيلية.

70- وفي غزة، تمر الطرق المؤدية إلى المستوطنات عبر الأراضي الفلسطينية وتتقاطع مع طرق يستخدمها الفلسطينيون، مما يسبب اختناقات في حركة مرور المركبات الفلسطينية التي يتعين عليها التوقف كلما اقتربت من تقاطعات الطرق مركبة تابعة للمستوطنين أو مركبة عسكرية. أما في الضفة الغربية، فقد شيدت إسرائيل شبكة طرق ضخمة، يبلغ طولها نحو
400 كلم، تتجنب المراكز السكانية الفلسطينية وتمكن المستوطنين والقوات العسكرية التي تتولى حمايتهم من التنقل بسرعة وأمان عبر الضفة الغربية. ومن أجل إنجاز هذا المشروع، صودر 160000 دونم من الأراضي، كان الفلاحون الفلسطينيون يقومون بزراعة مساحات كبيرة منها. وعلاوة على ذلك، فقد تم في بعض الحالات تدمير بيوت فلسطينية دون تعويض سكانها لغرض تشييد هذه الشبكة من الطرق الالتفافية. إن هذه الطرق تحول دون توسع القرى الفلسطينية وتعمل على تقويض التنمية الاقتصادية للفلسطينيين بتقييدها حركتهم وإعاقتها تدفق التجارة والعمال من منطقة فلسطينية إلى أخرى. وإن حجم الإنفاق على شبكة الطرق هذه يثير أسئلة مقلقة عن نوايا إسرائيل الطويلة الأجل فيما يتعلق بالضفة الغربية.

71- إن العلاقة بين المستوطنين والفلسطينيين علاقة محزنة، وكل طرف ينظر إلى الطرف الآخر بعين من الحقد والغضب والارتياب. وقد اقترف المستوطنون العديد من أفعال العنف ضد الفلسطينيين وأتلفوا أراض زراعية وممتلكات فلسطينية، متمتعين بحماية عسكرية إسرائيلية وإعفاء من الولايـة القضائية لمحاكم السلطة الفلسطينية والقضاء الإسرائيلي، في كثير من الأحيان، إما يتغاضى عن هذه الأفعال أو يعامل مرتكبيها برأفة تكاد تبلغ حد التبرئة. وكان لا بد لذلك من أن يثير استياء الفلسطينيين، الذين يعتبرون القضاء الإسرائيلي متحيزاً للمستوطنين. ومنذ اندلاع الانتفاضة في 29 سبتمبر/ أيلول 2000، ازدادت حوادث العنف من جانب المستوطنين زيادة ملفتة، كما ازداد عداء الفلسطينيين للمستوطنين زيادة رهيبة. فمعظم الإسرائيليين الذين قتلوا في النزاع الراهن كانوا من المستوطنين أو الجنود المكلفين بحماية المستوطنات والطرق المؤدية إليها.

72- وتشكل المستوطنات عقبة رئيسية أمام السلم بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فهي، أولا، تحول عملياً دون إمكانية إقامة دولة فلسطينية لها مقومات البقاء، حيث إن هذه المستوطنات، إلى جانب شبكة الطرق التي تصل بينها، تشكل وبالاً على سلامة أراضي فلسطين، إذ إنها تشكل عائقاً رئيسياً لممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره داخل وحدة فلسطين المعترف بها دولياً، ألا وهي الأراضي التي احتلتها إسرائيل إثر حرب 1967. وهي، ثانيا، تقدم دليلاً يومياً على انتهاك القانون الدولي وعجز المجتمع الدولي، الذي يتصرف من خلال الأمم المتحدة والأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقيات جنيف، عن معالجة هذه الحالة. إن ما ينتاب المجتمع الفلسطيني من يأس وقنوط بشأن مدى رغبة المجتمع الدولي في إنفاذ حكم القانون ومدى استعداده لذلك هو شعور يعزى بدرجة كبيرة إلى عجز المجتمع الدولي عن وقف تنامي أعداد المستوطنين وحمل حكومة إسرائيل على الكف عن هذه الممارسة.

73- إن الصلة بين الاستيطان والعنف في الانتفاضة الراهنة واضحة. فكثير من أفعال العنف التي نُسبت إلى قوة الدفاع الإسرائيلية والمستوطنين والتي أسفرت عن وقوع قتلى وجرحى بين الفلسطينيين قد حدثت على الطرق المحمية المؤدية إلى المستوطنات أو بالقرب من المستوطنات. فالمستوطنات توفر للفلسطينيين هدفاً ظاهراً وقريباً يصبون فيه جام غضبهم الذي أذكت ناره سنوات من الاحتلال الإسرائيلي. إن قوافل قوة الدفاع الإسرائيلي وقواعدها الموجودة بالقرب من المستوطنات والتي تتولى حماية هذه المستوطنات ما برحت مقصداً للمتظاهرين الفلسطينيين وهدفاً لعنفهم وقنَّاصتهم. وكذلك فإن كثيرا مما قامت به قوة الدفاع الإسرائيلية من تدمير وجرف للممتلكات الفلسطينية لم تقم به من أجل الأمن العسكري بل من أجل أمن المستوطنين. فقد أقدمت هذه القوة على تدمير المنازل وإتلاف أشجار الفواكه والزيتون والمحاصيل الزراعية كي يشعر المستوطنون بقدر أكبر من الأمان وتيسيراً لهم للوصول إلى مستوطناتهم بواسطة الطرق التي تحميها من أجلهم.

74- والمستوطنون، بدورهم، قد عانوا نتيجة وجودهم بالقرب من الشعب الفلسطيني. وهم، بوصفهم أكثر رموز الاحتلال ظهوراً، يشكلون بالطبع أهدافاً جليةً للمسلحين الفلسطينيين.

75- وليس من شك في أنه، لو لم يكن هناك مستوطنات أو مستوطنون، لكان عدد الوفيات والإصابات في الانتفاضة الراهنة أقل كثيراً مما هو حالياً، بل ولربما لم تكن هذه الانتفاضة قد حدثت. ومن ثم، فإن الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء يدفعون ثمناً باهظاً بأرواحهم وسلامتهم الجسدية وممتلكاتهم من أجل برنامج يخل بمبدأ أساسي من مبادئ القانون الإنساني الدولي.

76- إن المستوطنات هي تذكير دائم للشعب الفلسطيني بما يمثله الاحتلال العسكري من إذلال. ومما يزيد من هذا الشعور بالمذلة ما يتراءى لهم من عيش رغيد ينعم به المستوطنون، وشتان ما بين هذا المستوى المعيشي الذي يعيشه المستوطنون وبين ما يكابده جيرانهم الفلسطينيون من فقر. فاللاجئون، الذين يعيشون في مخيمات مكتظة تفتقر إلى مرافق النظافة الصحية وتنقصها الموارد المائية، لا بد وأن يشعروا بالحسد والغضب حيال ما يوجد لدى المستوطنين في مستوطناتهم من مسابح ومروج خضراء مروية.

77- إن من مثل أمام اللجنة من شهود فلسطينيين، من جميع شرائح المجتمع، على الرغم من اختلاف انتماءاتهم السياسية واختلاف فئات دخلهم، قد تحدثوا بقدر مماثل من الغضب والاستياء عن وجود المستوطنات والمستوطنين في أراضيهم. وادعى كثيرون منهم أن المستوطنات هي سبب رئيسي من أسباب الانتفاضة الراهنة، وهو رأي تشاطرهم فيه منظمات دولية عاملة في الضفة الغربية وغزة.

78- إن اللجنة تؤكد مجدداً أن المستوطنات في الضفة الغربية وغزة تشكل انتهاكاً جسيماً لأحكام القانون الإنساني الدولي وتقر بأن وجود المستوطنات والمستوطنين هو سبب رئيسي لكثير من انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ثامناً- الحرمان من التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية آثار إجراءات:
الإغلاق وحظر التجول والقيود على الحركة وتدمير الممتلكات

79- ثامنا: ملاحظة تمهيدية
- يجب ألا يغيب عن البال أن السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة هم، حتى في الظروف الطبيعية شديدو الفقر، وعلى وجه الخصوص نسبة الـ50% منهم الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين. ولا بد أن يؤدي فرض أعباء إضافية على هؤلاء السكان إلى وجود أنماط من المشاق المادية والاجتماعية والنفسية. وتنطوي تلك المشاق على حرمانهم من احتياجات الإنسان الضرورية التي تحميها المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مما يثير قضايا هامة تتعلق بالقانون الدولي. والادعاء بوجود مبررات أمنية لسياسات تلحق هذه الأضرار الفادحة، يشكل عبء إقناع ثقيلاً على المدعي، وهو في هذه الحالة حكومة إسرائيل. ويبدو أن للإغلاق الداخلي طابعاً عقابياً أساساً لا صلة له إطلاقاً بالأمن، والأرجح أن يكون له أثر عكسي هو تأجيج المقاومة الفلسطينية. بل إن الإغلاق الخارجي، وخاصة بالنسبة لاستيراد مواد البناء وتصدير المنتجات الزراعية، لا تبدو له صلة بصون الأمن. فيجب أن يُقرأ العرض المكثف لآثار الإغلاق وما يتصل به من سياسات في هذا الفرع من التقرير مع أخذ هذه الاعتبارات في الحسبان.

القيود على الحركة
80- تفرض إسرائيل منذ 29 سبتمبر/ أيلول 2000 قيوداً مشددة على حرية الحركة في الأراضي المحتلة. وخلال فترة الـ‍ 123 يوماً من أكتوبر/ تشرين الأول 2000 حتى 31 يناير/ كانون الثاني 2001 أُغلقت الحدود الإسرائيلية الفلسطينية أمام تدفقات العمالة والتجارة لمدة 93 يوماً أو بنسبة 75.6% من الوقت. ونفذت القيود على الحركة الداخلية والإغلاقات الداخلية - جزئية أو مشددة - بنسبة 100% من الوقت في الضفة الغربية، وبنسبة 89% من الوقت في غزة. وأغلق مطار دهانيا في قطاع غزة، وهو المطار الفلسطيني الوحيد، لأكثر من نصف تلك الفترة. وخلال فترة الـ‍ 123 يوماً هذه أغلقت المعابر الحدودية الدولية إلى الأردن من الضفة الغربية وإلى مصر من غزة لأكثر من 20% و40% من الوقت على التوالي. أما الممر الآمن الذي يربط قطاع غزة بالضفة الغربية فقد أغلق منذ 6 أكتوبر/ تشرين الأول معطلاً بشدة لسفر الفلسطينيين ومقللا للفعالية الحكومية للسلطة الفلسطينية.

81- ويرى الفلسطينيون المتضررون أن الأثر التراكمي لهذه القيود على حرية الحركة بالنسبة للأشخاص والبضائع إنما هو حصار، وذلك أمر مفهوم. فقد أسفر عن صعوبات اجتماعية - اقتصادية قاسية في الأراضي الفلسطينية. فقد أفضت عمليات الإغلاق الداخلي بالفعل إلى تجميد مراكز السكان الفلسطينية وقيدت الحركة بين موقع وآخر. ويعني تقييد دخول الفلسطينيين إلى إسرائيل حرمانهم من الوصول إلى أماكن عملهم في إسرائيل، وهؤلاء يقدر عددهم بـ 100000 فلسطيني. وتأتي النتائج الاقتصادية كاسحة: فقد أصبحت أسر هؤلاء العاملين تقاسي الآن الحرمان الكامل من الدخل الذي يهددهم بالعوز. وتحقق تقريبا توقع البنك الدولي بأن أثر الإغلاق يرفع معدل البطالة إلى 50% ومعدل الفقر إلى 43.7% في عام 2001.

الإغلاق الداخلي
82- يعطل الإغلاق الداخلي مظاهر الحياة داخل الأراضي. فالعمال لا يستطيعون الوصول إلى أماكن عملهم. ويتعذر وصول المنتجات من المزارع إلى الأسواق. ولا تتمكن المتاجر والمكاتب التجارية من تأدية عملها. ومنذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول تفرض قيود عديدة على المرور بين شمالي وجنوبي قطاع غزة وعلى الحركة بين مدينة غزة ومدينتي خان يونس ورفح بالكامل تقريباً. وقاربت الحركة داخل الضفة الغربية أن تصبح مستحيلة. ونصبت قوات الدفاع الإسرائيلية المئات من نقاط التفتيش في كل أنحاء الضفة الغربية وأصبح الدخول إلى المدن والخروج منها يتطلب المرور عبر هذه النقاط. ونصبت قوات الدفاع الإسرائيلية نقاط تفتيش عند مداخل القرى جميعها ولم يعد من الممكن أن يتم الدخول والخروج إلا من الطرق القذرة مما ينطوي على الكثير من المشاق. وأصبحت الرحلة التي كانت تستغرق 15 دقيقة تستغرق الآن عدة ساعات. وفي بعض من القرى الواقع معظمها قرب المستوطنات والطرق الالتفافية سدت الطرق القذرة أيضاً بالطوب الإسمنتي الكبير وأكوام القاذورات فحبس القرويون في قراهم. وقد لاحظت اللجنة بنفسها نقاط التفتيش التي أقامتها قوات الدفاع الإسرائيلية والكتل الإسمنتية وأكوام القاذورات التي تسد الطرق.

الإغلاق الخارجي
83- إن إغلاق معابر الحدود الدولية مع الأردن ومصر، ثم القيود على حركة البضائع من إسرائيل إلى الأراضي أحدثا آثاراً سلبية مباشرة على كل قطاعات الاقتصاد. وأدى التعطيل شبه الكلي لإمدادات مواد البناء الأساسية إلى إغلاق المصانع والمعامل المعتمدة على هذه المواد في أنشطتها الإنتاجية. وتوقف قطاع التشييد والبناء في الأراضي الفلسطينية عمليا بسبب منع قوات الدفاع الإسرائيلية واردات مواد البناء الأساسية كالإسمنت والصلب والأخشاب من الدخول، عن طريق سيطرتها على نقاط التفتيش الحدودية. وأسفر هذا بدوره عن بطالة عشرات الآلاف من العمال والموظفين في قطاع التشييد والبناء. ونجم عن التعطيل الكلي للاقتصاد وعن البطالة، فضلاً عن القيود على التنقل وإغلاق الحدود، معدل بطالة متوسطه 38% (أكثر من 250000 شخص) مقابل 11% (71000 شخص) في الشهور التسعة الأولى من عام 2000. ويشير أحد التقديرات إلى أن البطالة تؤثر الآن بصورة مباشرة على دخل نحو 910000 شخص أي بنسبة 30% من السكان.

حظر التجول
84- يفرض حظر التجول في مناطق معينة من الأراضي المحتلة، وهو في الواقع يحبس سكانها جميعاً في ديارهم. وعلى سبيل المثال، فالفلسطينيون في المنطقة
H2 من منطقة الخليل ظل حظر التجول مفروضا عليهم بصفة شبه مستمرة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2000. ويبدو أن هذا الحظر مفروض لإراحة المستوطنين في المنطقة فهو غير مفروض عليهم. ويأتي طابع وتوقيت هذه القيود الإسرائيلية على حرية الحركة تحدياً لمفهوم أن هذه القيود تقتضيها دواعي أمنية صرفة: فقد فرضت إسرائيل إغلاقاً كاسحاً وحظرا للتجول وحصاراً على ملايين البشر لا على أفراد يشكلون تهديداً أمنياً. وفضلاً عن هذا فسياسة تقييد الحركة تميز بين نوعين من السكان الذين يعيشون في الأراضي المحتلة، هما الفلسطينيون وغير الفلسطينيين، إذ إن القيود تفرض بشكل حصري على السكان الفلسطينيين. وفي حالات كثيرة يكون الغرض المعلن من فرض القيود هو كفالة حرية حركة السكان المستوطنين على حساب السكان المحليين.

الآثار الاقتصادية السلبية
85- في حالة عدم وجود إغلاقات حدودية، كان دخل الفرد يقدر بنحو 2000 دولار في الأراضي الفلسطينية في عام 2000. ونتيجة لإغلاقات الحدود وللقيود على الحركة الداخلية يقدر أن ينخفض هذا الرقم إلى 1680 دولاراً أي أنه هبط بنسبة 16%. غير أن ثقل هذا الأثر السلبي يقاس بالأثر العالي على من يعيشون تحت خط الفقر (ويقدره البنك الدولي بمعدل 2.1 دولار للفرد يوميا في الإنفاق الاستهلاكي). ويقدر أن عدد الفقراء قد ارتفع من نحو 650000 شخص إلى مليون شخص وهي زيادة تفوق 50%. ونظراً لاستمرار الإغلاقات والقيود على حركة الناس والبضائع، وما ينجم عنها من بطالة وحرمان كامل من الدخل بالنسبة إلى أعداد متزايدة من السكان، فإن الفقر والعوز يتصاعدان. وقد زادت المساعدة الإنسانية زيادة كبيرة.

الخسائر الاقتصادية
86- تقدر الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن القيود على الحركة بنسبة 50% من الناتج المحلي الإجمالي، في فترة الشهور الأربعة للانتفاضة الثانية، وبنسبة 75% من الإيراد المكتسب من الأجور للعمال الفلسطينيين في إسرائيل. وتقدر الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي بمبلغ 907.3 ملايين من دولارات الولايات المتحدة الأميركية بينما الخسارة في الإيراد من العمل في إسرائيل تقدر بمبلغ 243.4 مليوناً من دولارات الولايات المتحدة الأميركية. ويقدر مجموع الخسائر بمبلغ 1150.7مليوناً من دولارات الولايات المتحدة الأميركية. وتصل الخسارة إلى نحو 11 مليون دولار عن كل يوم عمل، أي 3 دولارات للفرد في كل يوم عمل خلال الفترة من 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2000 إلى 31 يناير/ كانون الثاني 2001. وقد أبلغ عن انخفاض كبير في حصيلة قطاع النقل نتيجة للحصار الداخلي. أما قطاع السياحة فقد أفيد أيضاً أنه انخفض بشكل حاد.

الخسائر في عائدات القطاع العام: خسائر العائدات وزيادة الإنفاق الاجتماعي
87- حدثت خسائر فادحة في القطاع العام، أتت على هيئة عائدات مفقودة. فقد انخفضت عائدات الإيرادات المحلية وضريبة القيمة المضافة، نتيجة لانخفاض مستويات الإيرادات المحلية بسبب تعطل الإنتاج وانخفاض تدفقات العمالة إلى إسرائيل. أما العائدات الخارجية، وأساساً من الجمارك وضريبة القيمة المضافة المرتبطة بالواردات من إسرائيل والخارج فقد انخفضت بفعل تدني تدفقات السلع بسبب القيود على الحركة وانخفاض الطلب من المستهلكين. وفي عام 1999 كان 63% من كل عائدات السلطة الفلسطينية على هيئة تحويلات ومقبوضات حصلتها السلطات بموجب أحكام بروتوكول باريس لعام 1994 بشأن العلاقات الاقتصادية. وتقدر ضريبة القيمة المضافة والضرائب الجمركية وضريبة الدخل والرسوم الصحية وغيرها من الضرائب التي تحصلها إسرائيل نيابة عن السلطة المحلية، بمبلغ 53 مليون دولار أميركي شهرياً. وقد حجزت هذه العوائد عن السلطة الفلسطينية منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2000. ونتيجة لتآكل قاعدة العائدات لم تتمكن السلطة الفلسطينية من دفع مرتبات موظفيها.

تدمير الممتلكات
88- لقد تواصل تدمير الممتلكات وخاصة على مقربة من المستوطنات والطرق الالتفافية وطرق الوصول إلى المستوطنات، ويدعى أن ذلك يتم لضرورات عسكرية أو دواع أمنية. وفي 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2000 غزت الدبابات والجرافات الإسرائيلية مفرق نتساريم ودمرت عمارتين سكنيتين بهما 32 مسكناً قرب موقع عسكري إسرائيلي خارجي. وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول دمرت قوات الدفاع الإسرائيلي مصنعاً لتجهيز الحديد في منطقة نتساريم بينما اكتسحت الجرافات في المنطقة نفسها الأراضي الزراعية إلى الجنوب الشرقي والجنوب الغربي من ملتقى الطرق. وفي 16 أكتوبر/ تشرين الأول اكتسحت الجرافات أراض شمال مستوطنة نيفي ديكاليم. وفي 19 أكتوبر/ تشرين الأول اكتسحت قوات الدفاع الإسرائيلية الأراضي الموصلة إلى كتلة مستوطنات غوش قطيف. وقد زارت اللجنة هذه المنطقة وشهدت التدمير الذي لحق بالمزارع واكتساح الأراضي وتدمير أشجار الحمضيات والزيتون. وتستمر إلى الآن عملية التدمير هذه للحقول وتقطيع أشجار الفواكه وإتلاف الصوبات المزروعة بالخضراوات. وتلقت اللجنة أدلة من الضحايا الذين دمرت ديارهم ومزارعهم واقتلعت أشجار الحمضيات والزيتون المملوكة لهم واكتسحت الجرافات حقولهم.

89- ووفقاً لأحد التقديرات فإن السلطات الإسرائيلية دمرت 223 مبنى للفلسطينيين خلال عام 2000: منها 68 مبنى في الضفة الغربية (تشمل القدس الشرقية) و155 مبنى في قطاع غزة.

تأثير الإغلاق وتقييد الحركة على الرعاية الصحية
90- تلقت اللجنة أدلة على القيود التي تعوق وصول المرضى والجرحى والحوامل إلى المستشفيات. ثم إنه كانت ثمة حالات أدت فيها عمليات الإغلاق المطولة للحدود الخارجية، بما في ذلك المطار في غزة، إلى إعاقة نقل الجرحى الفلسطينيين إلى بلدان أخرى للعلاج. ومن أمثلة تأثير الحرمان من الوصول إلى المستشفيات ما تبينه البيانات الإحصائية الصادرة عن مستشفى سانت لوقا في نابلس، التي أفادت عن انخفاض بنسبة 38% في معدل دخول المستشفى وانخفاض بنسبة 29% في معدل شغل الأسرة، وانخفاض بنسبة 53% في عدد العمليات الجراحية التي أجريت، وانخفاض بنسبة 20% في عدد المواليد، وانخفاض بنسبة 48% في عدد المرضى بوحدة العناية المكثفة، وانخفاض بنسبة 49% في عدد المرضى المعروضين على الممارسين العامين، وانخفاض بنسبة 73% في عدد الفحوص بالعيادات التخصصية، وانخفاض بنسبة 30% في عدد حالات العلاج الكيميائي، وذلك في الفترة من أكتوبر/ تشرين الأول إلى نوفمبر/ تشرين الثاني2000 مقارنة بالفترة نفسها من عام 1999.

تأثير عمليات الإغلاق وتقييد الحركة على التعليم
91- منذ بداية أكتوبر/ تشرين الأول 2000 وإلى الآن تمت الإفادة عن إغلاق أكثر من 40 مدرسة أو عدم تمكنها من العمل بسبب حظر التجول أو الإغلاق. وفي وسط الخليل أغلقت 34 مدرسة مما أسفر عن بطالة أكثر من 460 معلماً، وأفيد عن عدم توافر مرافق تعليمية لنحو 13000 طالب. وأغلقت قوات الدفاع الإسرائيلية أربع مدارس فلسطينية في الخليل وحولتها إلى قواعد عسكرية، وهي مدرسة المعارف ومدرسة أسامة بن منقذ ومدرسة جوهر ومدرسة الأخوة. كما أفيد عن إجبار عدة آلاف من الأطفال على الانتقال بصورة دائمة من مدارسهم نتيجة للأضرار التي لحقت بالمباني المدرسية.

92- وكانت أكثر المدارس تضرراً هي القريبة من نقاط الاشتعال -173 مدرسة في الضفة الغربية و23 مدرسة في قطاع غزة. فقد تعرضت إلى عدة أنواع من الاعتداءات شملت القصف بقنابل الجيش الإسرائيلي ورصاص المستوطنين.

انتهاكات قواعد حقوق الإنسان المسلم بها دولياً وانتهاكات القانون الدولي الإنساني
93- تشكل إجراءات الإغلاق وحظر التجول أو تدمير الممتلكات على النحو الموصوف أعلاه انتهاكات لاتفاقية جنيف الرابعة وللالتزامات تجاه حقوق الإنسان الملزمة لإسرائيل. فتدمير الممتلكات محظور بموجب المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة، ما لم يكن هذا التدمير ضرورة مطلقة للعمليات العسكرية، وهو ما لا يبدو أنه ينطبق على كثير من أعمال التدمير المنفذة. وانتهكت التزامات أخرى بموجب اتفاقية جنيف الرابعة من جراء الإغلاق طبقاً للمواد 23 و55 و56. فهذه المواد تقضي بحرية مرور شحنات المواد الطبية ولوازم المستشفيات وبحرية مرور المواد الغذائية والملابس والأدوية المرسلة لفئات ضعيفة معينة من الأشخاص، وتفرض واجب كفالة وصول الأغذية والإمدادات الطبية إلى السكان وكفالة وصيانة المنشآت والخدمات الطبية والمستشفيات ومنشآت الصحة العامة والصحة الشخصية في الأراضي المحتلة.

94- كما أن قواعد حقوق الإنسان تنتهك في سياق عمليات الإغلاق لأن إسرائيل والمجلس الفلسطيني قبلا في الاتفاق الانتقالي أن يمارسا سلطاتهما ومسؤولياتهما عملاً بالاتفاق مع المراعاة الواجبة لقواعد ومبادئ حقوق الإنسان المعترف بها دولياً ولسيادة القانون (2). وتشمل حقوق الإنسان التي تنتهكها إجراءات الإغلاق الحق في العمل المسلم به دولياً في المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما المشاق الاجتماعية - الاقتصادية القاسية الناجمة عن القيود على الحركة فهي تشكل انتهاكاً للحق في مستوى معيشة ملائم مسلم به في المادة 11 من ذلك العهد. كما أن تدمير المساكن الذي يترك أصحابها مشردين ينتهك هذا الحق لأنه يشمل تحديداً الحق في المسكن الملائم. وتتعارض إجراءات الإغلاق والقيود على الحركة مع حق كل شخص في التعليم. فالأطفال والطلبة يحرمون من حضور الدروس على الرغم من واجب الدول في جعل التعليم الثانوي والعالي متاحا للجميع بكل الوسائل المناسبة. وعلاوة على ذلك فالقيود على الحركة تفرض أيضاً على الصحفيين. وهذا يؤثر على تغطيتهم للأحداث ويشكل انتهاكاً لحقهم في حرية التعبير، وبصورة غير مباشرة لحق السكان في طلب المعلومات وتلقيها المسلم به في المادة 19 من العهد. وقد يتعرض هذا الحق لقيود محددة ولكن لا يكون ذلك إلا في ظروف معينة وليس كقاعدة عامة. كذلك تقيد السلطة الفلسطينية حرية حركة الصحفيين.

95- ويسترعى الانتباه أخيراً إلى المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر العقوبة الجماعية، فإسرائيل تتذرع بالاعتبارات الأمنية لتبرير إجراءات الإغلاق وسائر التدابير الموصوفة أعلاه. ويبدو من ملاحظات اللجنة أنه وإن كانت الاعتبارات الأمنية قد تبرر في بعض الحالات إجراءات الإغلاق المؤقت، فالإغلاق الشامل والممتد وكذلك درجة وطبيعة تدمير الممتلكات للمدنيين الفلسطينيين تعتبر عقابا جماعيا.

تاسعا- اللاجئون الفلسطينيون والانتفاضة الثانية
96- تسعى اللجنة إلى جذب الاهتمام إلى الضعف البيّن للاجئين الفلسطينيين باعتباره حالة خاصة من حالات المشاق طوال فترة الانتفاضة الثانية، وخاصة نتيجة لسياسات الإغلاق والحصار التي تنتهجها إسرائيل. ولا بد من تقويم ما جاء في الأرقام الصادرة عن الأونروا لعام 2000 من أن هناك
1407621 لاجئا فلسطينيا مسجلا يعيشون في الضفة الغربية وغزة يشكلون أكثر من 50% من السكان الفلسطينيين في هذه الأراضي. ولا يمثل هذا الرقم سوى 38% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين حيث تنتشر بقيتهم أساساًً في الأردن ولبنان والجمهورية العربية السورية. وهناك مجموعتان من القضايا المتعلقة باستطلاعنا هما: أولا، ضعف اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة، وثانيا قضية ما يسمى "حق العودة".

97- فهناك، في المقام الأول، الوضع الشاذ للاجئين الفلسطينيين بسبب استبعادهم من آليات الحماية ومن مسؤولية مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فليست هناك جماعة أخرى من اللاجئين في العالم مستبعدة على هذا النحو. وقد أنشئت الأونروا في عام 1949 للتصدي لشواغل محددة للاجئين الفلسطينيين، وبدأت العمل الفعلي في عام 1950. وتعزز هذا النظام الخاص للإقرار بأهمية بعد اللاجئين في العلاقة الإسرائيلية - الفلسطينية على مر السنين بقرارات الأمم المتحدة الهامة التي تتناول هذا الصراع. وألقيت على عاتق الأونروا المسؤولية عن الجوانب الإنسانية في الجهد الدولي الرامي إلى تخفيف المعاناة المادية للاجئين الفلسطينيين ولكنها لم تكلف بأي مهام من شأنها توفير الأمن والحماية لهم. فقد عهد بهذه المهام إلى كيان مواز سمي لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين. ومن المفارقات أن هذه اللجنة قد أنشئت استجابة لقرار الجمعية العامة 194(د-3) الذي يطالب بحماية اللاجئين الفلسطينيين. وعلى خلاف الأونروا لم تكن هذه اللجنة منذ إنشائها قادرة على تنفيذ مهامها ومواجهة العقبات السياسية والمالية. ومع أن اللجنة لاتزال قائمة على الورق فهي تفتقر إلى وجود ميزانية وموظفين، وهي بالفعل لا تعمل. ومع هذا يظل هذا الهيكل التنظيمي يحدد الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين.

98- ووفقا لاتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، توفر الحماية لجميع اللاجئين الخاضعين لسلطة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ما عدا الفلسطينيين. وقد استبعدوا بسبب المادة 1 دال من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 التي تنص على ما يلي:

"لا تنطبق هذه الاتفاقية على الأشخاص الذين يتمتعون حالياً بحماية أو مساعدة من هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة غير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين".

ورغم عجز اللجنة المذكورة عن توفير الحماية المرتقبة يظل اللاجئون الفلسطينيون في طي النسيان ولم يحدث لأكثر من نصف قرن على وجودهم أن أدرجوا في نظام المفوضية.

99- وهذه النتيجة تثير القلق بوجه خاص لأن المادة 1 دال تسلم صراحة باحتمال أن تفشل أشكال الحماية البديلة لسبب أو لآخر. وصياغة الفقرة الثانية من المادة 1 دال واضحة بما لا يدع مجالا معقولا للجدل في هذه المسألة، إذ تنص على ما يلي:

"فإذا توقفت هذه الحماية أو المساعدة لأي سبب دون أن يكون مصير هؤلاء الأشخاص قد سوّي نهائياً طبقاً لما يتصل بالأمر من القرارات التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، يصبح هؤلاء الأشخاص، من جراء ذلك، مؤهلين للتمتع بمزايا هذه الاتفاقية".

وما من سبب واضح للامتناع عن تنفيذ هذا الحكم الشامل الذي كان من المتعين تنفيذه منذ عقود.

100- وهذه ليست بالمسألة الهينة. أولاً، لأن اللجنة أبلغت مراراً من شهود مختلفين وأيدتهم وثائق مادية بأن اللاجئين في المخيمات في الأراضي المحتلة يتحملون مشاق تفوق ما يتعرض له السكان الفلسطينيون عامة، وأن موظفي الأونروا يرون أنفسهم عاجزين عن إثارة أي مسائل تتعلق بتوفير الحماية للاجئين وتخرج عن ولايتهم الإنسانية ومسائل ذات طابع "سياسي".

101- وترتبط هواجس توفير الحماية للاجئين ارتباطاً مباشراً بالضغوط الصارخة التي تمارسها الردود الإسرائيلية على الانتفاضة الثانية. فمخيمات اللاجئين في الغالب نقاط بارزة في العلاقات مع قوات الدفاع الإسرائيلية والمستوطنات تدفع إلى اتخاذ تدابير "أمنية" انتقامية، لا سيما منها إجراءات الإغلاق التي تشمل سد طرق الوصول. فاللاجئون محبوسون في هذه المخيمات المكتظة، ومحرومون من الذهاب إلى أماكن عملهم وكثيرا ما يحرمون من الوصول إلى المرافق التعليمية والطبية. وانتشار حالات العوز الناجمة عن أثر الانتفاضة الثانية بالنسبة للاجئين أكثر بكثير منه بالنسبة لغيرهم، وهم يشعرون به أكثر من غيرهم لأن اللاجئين يفتقرون إلى الأرض اللازمة لزراعــة ما يؤمن قوتهم أو للتحرك في أنحائها. وقد كشفت لنا زياراتنا إلى عدة مخيمات للاجئين الفلسطينيين عن الإحساس الخاص بالمرارة المادية والنفسية الناجمة عن حبسهم في مخيماتهم وعن حظر التجول في فترة الانتفاضة هذه. وفي هذه الظروف ليس من المستغرب أن يتولد الكثير من الدعم للفلسطينيين المقاتلين وللكفاح المسلح الفلسطيني في داخل مخيمات اللاجئين.

102- والسؤال الثاني الأعم الذي يتعلق بالحق في العودة يتصل بمستقبل اللاجئين خارج الأراضي وداخلها وهو لا يدخل في معظمه في نطاق الولاية الأساسية للجنة. وتأتي أهميته من درجة إصرار الإسرائيليين على أن قبول هذا الحق عمل انتحاري من جانب إسرائيل وأنه لا ينتظر من أي دولة أن تدمر نفسها بنفسها. وأي نهج غامض كهذا تجاه قضية اللاجئين يعطل كل التحركات الرامية إلى إحلال سلام عادل.

103- وختاما، الفلسطينيون اللاجئون داخل الأراضي يبدو أنهم أسوأ حظا من اللاجئين الفلسطينيين في الشتات في البلدان المجاورة. ثم إن تردي أحوالهم في أنحاء الضفة الغربية وغزة يزداد حدة بزيادة التوترات والعنف في الشهور الأخيرة. فهؤلاء اللاجئون يحتاجون إلى شتى أنواع الحماية الطارئة التي لا يمكن تقديمها إلا بتضافر الجهود على الصعيد الدولي على أساس الاستعجال. والأونروا بمواردها المستنزفة بالفعل وبظروف عملها المعرضة للتدخل، غير قادرة على توفير الحماية اللازمة.

عاشراً- الاستنتاجات والتوصيات
104- إن لجنة التحقيق تدرك تماما مسؤوليتها في توخي كل الحرص على أن تكون موضوعية ومحايدة في جمع المعلومات وتقويم الأدلة التي تؤسس عليها نتائجها وتوصياتها بغرض جذب الانتباه إلى انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي ارتكبت منذ 29 سبتمبر/ أيلول 2000 والتشجيع على الامتثال مستقبلا للالتزامات الدولية إلى أقصى مدى ممكن.

105- وإذ تقدم اللجنة توصياتها فإنها تشدد من البداية على ضرورة فهم السياق والظروف التي ارتكبت فيها انتهاكات حقوق الإنسان ومخالفات للقانون الإنساني الدولي، والحالة التي أدت إلى التصاعد الكبير في أعمال العنف منذ آخر سبتمبر/ أيلول 2000 والتي أسفرت عن التردي الخطير لحالة حقوق الإنسان.

106- والسياق التاريخي هو سياق صراع وحروب متتابعة (على مدى 50 عاماً) واحتلال طال أمده (أكثر من 30 عاماً) وعملية سلام ممتدة (لأكثر من 7 سنوات). ويظل المتضررون يعانون من تركة من انعدام الثقة ومن الإذلال والإحباط، لم تسطع فيها بارقة أمل إلا فيما ندر، وقد تلاشت في الفترة الأخيرة.

107- وأهم عناصر القلق في التصاعد الأخير للعنف، الذي أدى إلى خسائر في الأرواح وإصابات بعاهات للآلاف وتدمير للممتلكات ومصادر الرزق، هو أن الآمال والتطلعات التي أوجدتها عملية السلام قد تبددت الآن نتيجة لنظرة كل جانب إلى الآخر نظرة تنسب إليه أسوأ الدوافع مما يعمق مشاعر عدم الثقة والعواطف السلبية والمدمرة.

108- ومن المهم أن نشدد على أن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي كليهما يتوقان إلى تحقيق السلام والأمن، وأن من الشروط الأساسية لإحلال سلام عادل ودائم أن تبذل كل الجهود من كل الجوانب لتخفيف التوتر وتهدئة الخواطر وتعزيز ثقافة السلام. ومن الممكن تعزيز هذا الاتجاه لو اتسمت العملية التي تسير فيها مفاوضات السلام بالشفافية حتى يتسنى تعبئة الرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي دعماً للعملية ونتائجها النهائية. فبهذه الطريقة يمكن تغذية الثقة المتبادلة التي لا بد أن يرسى على أساسها سلام دائم.

109- ومما يشجع اللجنة أن تقويماتها للقضايا الأساسية التي تناولها التقرير تتطابق، بشكل كبير، مع الآراء الجديرة بالثقة التي أبدتها أطراف ثالثة، بما فيها آراء الممثلين الدبلوماسيين للاتحاد الأوروبي وكبار موظفي الخدمة المدنية الدولية ذوي الخبرة الطويلة في المنطقة. ومن ثم فإن توافق الآراء الواعي والنزيه يعزز ما يرد هنا من نتائج وتوصيات.

110- ومع تفهم التاريخ المأساوي للشعبين المعنيين وما خلفه من تركة نفسية فإن توصياتنا الرامية إلى تثبيط استمرار الانتهاكات الأخيرة لحقوق الإنسان قسمت إلى ثلاثة أجزاء. يتناول الجزء الأول مسألة التصدي للأسباب الجذرية التي تحتاج إلى مواجهة حاسمة وحل. ويسرد الجزء الثاني الضمانات والإجراءات التي لا بد أن تراعى طوال إجراء المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى سلام عادل ودائم، مع توافر حسن النية. ويعرض الجزء الثالث سلسلة من التدابير التي يمكن اتخاذها فوراً لردع استمرار العنف ولإنهاء إزهاق الأرواح وتدمير الممتلكات وموارد الرزق. أما الجزء الرابع فهو أكثر طموحا حيث يوصي بخطوات لإيجاد مناخ يوصل بمرور الوقت، إلى سلام عادل ودائم، بمرور الوقت لشعبي إسرائيل وفلسطين.

1- شروط لإحلال سلام عادل ودائم
111- لا بد من التماس التوصل إلى إحلال سلام شامل وعادل ودائم أن يكون عن طريق المفاوضات مع توافر النوايا الحسنة التي من شأنها أن تنهي الاحتلال وتقيم حكماً يلبي التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني فيما يتعلق بإعمال حقه في تقرير المصير وتبديد الهواجس الأمنية الحقيقية لشعب إسرائيل.

112- ومع ملاحظة أن الموقف الإسرائيلي هو أن الاحتلال قد انتهى بالفعل من كثير من الأراضي المحتلة عقب الاتفاقات التي تم التوصل إليها والتي أدت إلى إنشاء السلطة الفلسطينية، وأن الوضع النهائي للمستوطنات في تلك الأراضي مسألة تحل بالمفاوضات بين الطرفين، لا بد من التسليم بأن المنظور الفلسطيني هو أنه إذا ظل للمستوطنات وجود كبير في الأراضي المحتلة، وما دامت القوات العسكرية الإسرائيلية تنتشر لحماية تلك المستوطنات، فلا يمكن القول بإنهاء معتبر للاحتلال.

2- حقوق الإنسان وحتميات القانون الإنساني
113- ينبغي أن يستلهم أي إطار للتسوية النهائية والعملية التي تسير فيها، في كل مراحلها، احترام حقوق الإنسان والقانون الإنساني والتطبيق الكامل للمعايير الدولية لحقوق الإنسان المبينة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي صكوك حقوق الإنسان السارية، وخاصة ما يتعلق منها بالنساء والأطفال واللاجئين.

114- ويتعين إقرار وجود دولي مناسب وفعال لرصد امتثال جميع الأطراف لمعايير حقوق الإنسان والقانون الدولي والإبلاغ المنتظم عنه بغية كفالة الحماية الكاملة لحقوق الإنسان للناس في الأراضي المحتلة. وينبغي أن تنشأ تلك الآلية الدولية على الفور وأن تشكل بطريقة تعكس إحساسا بالضرورة الملحة لحماية حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني.

115- ويجب أن توفر الحماية لشعب الأراضي المحتلة امتثالا كاملا لاتفاقية جنيف لعام 1949 المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب (اتفاقية جنيف الرابعة). وعلى الأطراف السامية المتعاقدة أن تتخذ، فرادى ومجتمعة، وعلى سبيل الاستعجال، الإجراءات المناسبة والفعالة استجابة للحالة الطارئة ومطالبة باتخاذ تدابير لتخفيف المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني النابعة من الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة. فالمادة الأولى من الاتفاقية تجعل من واجب الأطراف السامية المتعاقدة "احترام وكفالة احترام" أحكام الاتفاقية "في كل الظروف". وتشير اللجنة إلى أن مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة المعقود في جنيف في 15 يوليه/ تموز 1999 أعاد في بيانه الختامي تأكيد انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وأكد من جديد على ضرورة الاحترام الكامل لأحكام الاتفاقية في تلك الأراضي، ثم سجل المقرر التالي:

"وإذ يأخذ في اعتباره تحسن المناخ في الشرق الأوسط بصفة عامة، فإن المؤتمر يُرجأ على أساس أن يعقد من جديد في ضوء المشاورات بشأن تطور الحالة الإنسانية في الميدان".

ونظراً إلى التدهور الخطير للحالة الإنسانية في الأراضي، فإن اللجنة توصي بأن تتصرف الأطراف السامية المتعاقدة على وجه الاستعجال بإعادة عقد المؤتمر. وينبغي أن ينشئ ذلك المؤتمر آلية دولية فعالة لاتخاذ الإجراءات العاجلة اللازمة.

3- التدابير العاجلة لحماية حقوق الإنسان
116- يبدو أنه لا خلاف على أن قوات الأمن الإسرائيلية (أي قوات الدفاع الإسرائيلية وقوات الشرطة الإسرائيلية) قد أفرطت في استعمال القوة وبلا تمييز منذ بداية الانتفاضة الثانية سواء قيس سلوكهم بمعايير القانون الإنساني الدولي المنطبقة على الصراعات المسلحة أم بمدونة قواعد السلوك المنطبقة على أعمال الشرطة في الحالات التي لا تبلغ حد الصراع المسلح أم بنظم إطلاق النار الملزمة لقوات الأمن الإسرائيلية. وفي هذه الظروف ثمة حاجة ماسة لأن تكفل قوات الأمن الإسرائيلية توخي قدر كبير من الحذر، حتى في الحالات التي تتهدد فيها الأرواح، كي لا تلحق الأذى بالمدنيين غير المشتركين مباشرة في الأنشطة العدائية، ولا تتسبب في أضرار وإصابات غير متناسبة. وفي الحالات التي لا تهدد الأرواح، وخاصة المظاهرات، ينبغي أن تمتثل قوات الأمن امتثالاً كاملاً لمدونتي قواعد عمل الشرطة لعامي 1979 و1990، ولأنظمتها الخاصة بإطلاق النار. وينبغي ألا تدخر حكومة إسرائيل أي جهد في سبيل كفالة مراعاة قوات أمنها لهذه القواعد، وإعلام أفراد قوات أمنها بهذه القواعد بصورة فعالة، وعدم تغيير هذه القواعد بصورة عشوائية أو بإجراءات موجزة، والإعلام الواضح لقوات الأمن أن الانتهاكات تؤدي إلى اتخاذ إجراءات تأديبية شديدة ضدهم.

117- وينبغي ألا تلجأ قوات الأمن الإسرائيلية إلى استعمال الطلقات المطاطية والذخيرة الحية إلا كملاذ أخير. بل إنه لا ينبغي حتى في الحالات التي تهدد الأرواح استعمال سوى الحد الأدنى من القوة ضد المدنيين. وينبغي أن تُعد قوات الأمن الإسرائيلية وتُدرب بالقدر الكافي على أساليب الرد غير الفتاكة، وخاصة في التعامل مع المظاهرات العنيفة. وينبغي بذل قصارى الجهد في سبيل استخدام الأساليب المقررة على نحو سليم للسيطرة على الحشود.

118- كما أن استعمال قوات الأمن الإسرائيلية للقوة لدى ممارستها لدورها في توفير الأمن للمستوطنين يخضع لمعايير القانون الإنساني الدولي بما فيها اتفاقية جنيف الرابعة ولا يمكن استعمالها لإطلاق النار وقائياً على المدنيين العزل في المناطق القريبة من المستوطنات، أو لتدمير ممتلكات فلسطينية بما في ذلك هدم البيوت وتقطيع الأشجار وإتلاف المزارع، وينبغي إصدار التعليمات المناسبة بهذا المعنى لكل المعنيين.

119- وتشكل عمليات إطلاق النار الذي يستهدف الأفراد من قبل قوات الدفاع الإسرائيلية أو المستوطنين أو القناصة من أي من الجانبين عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وهي انتهاك جسيم للحق في الحياة وتشكل خرقاً للقانون الإنساني الدولي وينبغي أن يحمّل مرتكبوها المسؤولية الجنائية الدولية. وينبغي أن تصدر تعليمات على وجه السرعة وأن تنشرها جميع السلطات المعنية فورا لإنهاء هذا القتل المتعمد.

120- وينبغي التحقيق في أي شكوى تتعلق باستعمال القوة الفتاكة أو الإفراط في استعمال القوة مما ينجم عنه وفاة أو إصابة خطيرة، وتحميل المسؤولين عن ذلك كل المسؤولية وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

121- ويجب اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لإنهاء إجراءات الإغلاق وحظر التجول وسائر القيود المفروضة على حركة الناس والبضائع في الأراضي المحتلة بغية استعادة الحق في الحصول على موارد الرزق والقيام بالأنشطة الاقتصادية العادية، فضلاً عن الحق في الحصول على الخدمات التعليمية والصحية.

122- وينبغي اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لمنع تدمير الممتلكات في الأراضي المحتلة بما في ذلك هدم البيوت وقطع الأشجار المثمرة وغير المثمرة وإتلاف المزارع والمحاصيل الموجودة باستعمال الجرافات وغيرها من الوسائل.

123- ولا بد أن تكون لإجراءات الحظر والقيود التي تحول دون تمتع الشعب الفلسطيني بحقوقه، بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تذرعا باعتبارات أمنية، مبررات محددة، ولا بد في كل الحالات من إخضاعها للامتثال لمعايير القانون الإنساني الدولي.

124- وعلى جميع السلطات المعنية أن تمتنع عن اتخاذ تدابير تصل إلى حد العقاب الجماعي. ويشمل هذا التوقف عن تحويل الضرائب والرسوم التي تحصلها الحكومة الإسرائيلية، إلى السلطة الفلسطينية، كما يشمل فرض القيود على الحركة أو أعمال العنف الانتقامية من أي من الجانبين.

125- ويجب أن تصدر التعليمات فوراً من جميع السلطات المعنية إلى قوات الأمن بالامتناع الصارم عن استعمال القوة ضد العاملين في تقديم الإغاثة الطبية أو تعطيله، أو معاملة العاملين في الصليب الأحمر والهلال الأحمر وماجن ديفيد أدوم، والعاملين في المستشفيات، وكفالة حماية رجال الإسعاف والمستشفيات. وتقتضي هذه التعليمات أن يكفل كل المعنيين عدم إعاقة وصول المرضى والجرحى والحوامل إلى المستشفيات.

126- وينبغي تعويض ضحايا الاستعمال غير القانوني للقوة حين يتسبب ذلك في وفاة أو إعاقة الأشخاص أو تدمير للممتلكات أو إلحاق خسائر اقتصادية.

127- وينبغي إزالة أي عراقيل أمام تدفق المساعدة الإنسانية المطلوبة الآن بصورة أكثر إلحاحاً، باعتبار ذلك أمراً عاجلاً، وبذل قصارى الجهد لتيسير عمل الأمم المتحدة والهيئات الأخرى المعنية بتقديم المساعدة الإنسانية والإغاثة الطبية.

128- ويجب توفير حماية خاصة لحياة وسلامة الأطفال وتأمين حصولهم على التعليم والرعاية الصحية. وينبغي إصدار تعليمات خاصة عاجلة تحظر إطلاق النار على الأطفال العزل مع توضيح أن هذه الأفعال تترتب عليها مسؤولية جنائية دولية ووطنية. ولا بد من الحرص الشديد على ضمان عدم إشراك الأطفال في حالات يعرضون أنفسهم فيها لمخاطر السقوط ضحايا لأعمال العنف.

129- وينبغي اتخاذ إجراءات لتطبيق المادة 1 دال من اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين لضمان أن يكون هناك نظام للحماية خاضع لسلطة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ينطبق على اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما المقيمين منهم حاليا في مخيمات الضفة الغربية وغزة. فقد وقع هؤلاء اللاجئون ضحايا بوجه خاص خلال الانتفاضة الثانية ولا تظلهم الآن أي حماية بتطبيق إطار الأونروا، وهم في أمس الحاجة إلى حماية دولية على سبيل الأولوية.

130- ويجب أن تعالج أي تسوية شاملة مقبولة بصورة متبادلة قضايا اللاجئين الفلسطينيين ومطالبهم المشروعة بصورة منصفة، ويشمل ذلك اللاجئين الذين يعيشون خارج الأراضي الفلسطينية. وينبغي التفاوض على تلك الترتيبات بأسلوب يراعي المطالب الإسرائيلية المشروعة.

131- وينبغي إزالة جميع القيود المفروضة على الوصول إلى أماكن العبادة وجميع المواقع المقدسة واحترام وصول أتباع كل الديانات إليها.

4- تغيير المناخ العدائي
132- يعلن الاتفاق الأوروبي المتوسطي المعقود بين الجماعات الأوروبية ودولها الأعضاء ودولة إسرائيل، في المادة 2، أن علاقتهما تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية التي تستلهمها سياستهما الداخلية والدولية، ويمكن أن يوفر هذا أساساً لمبادرة من الجماعة الأوروبية للقيام بدور فعال في تعزيز تقبل وتنفيذ هذه التوصيات وفي تأييد عقد مشاورات وحوار على كل الصعد بين الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي.

133- ولتحسين آفاق السلام الدائم وخصوصاً بالنظر إلى الفجوات الأساسية في وجهات النظر التي تفصل حالياً بين الجانبين، يوصى بقوة بأن تتخذ لجنة حقوق الإنسان خطوات ملموسة لتيسير الحوار بين ممثلين إسرائيليين وفلسطينيين على كل الصعد للتفاعل الاجتماعي بصورة رسمية وغير رسمية. وفي هذا الصدد تحث لجنة حقوق الإنسان على إجراء مشاورات بين قادة المجتمع المدني الإسرائيلي والفلسطيني على أساس شعبي في جنيف في أقرب وقت ممكن. وبروح مماثلة تحث لجنة حقوق الإنسان على عقد اجتماع مائدة مستديرة يجمع ممثلي المجتمع المدني والحكومات الأوروبية، بقصد إشراك أوروبا بصورة أكبر في وقائع الأزمة، وذلك بغية مناقشة الخطوات التي يمكن اتخاذها للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني وكفالة زيادة احترام الجانبين لمعايير حقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي.

134- وبالنظر إلى الحرمان الشامل من حقوق الإنسان واستمرار نمط من السلوك ينتهك القانون الدولي الإنساني، فإن هذه اللجنة توصي بأن تضع لجنة حقوق الإنسان مشروعا واضحا يحظى باهتمام واسع للرصد والإبلاغ الدوريين بقصد النظر في مدى تنفيذ ما يتضمنه هذا التقرير من توصيات إلى الأطراف.

الحواشي
(1) تفيد تقارير موثوقة أن لجوء الشرطة الإسرائيلية إلى إطلاق النار في الحرم الشريف/ جبل الهيكل في 29 سبتمبر/ أيلول 2000، مما أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية، لم يكن رداً على إطلاق نار من الجانب الفلسطيني. ويثير ذلك سؤالاً خطيراً عن إصرار الحكومة الإسرائيلية على أن الأسلحة الفتاكة لم تستخدم إلا رداً على إطلاق للنار من جانب الفلسطينيين.

(2) الاتفاق الانتقالي المؤرخ 28 ديسمبر/ كانون الأول 1995، المادة التاسعة عشرة. وبغير هذا الاتفاق تظل إسرائيل ملزمة بكفالة الحقوق المدنية والسياسية غير القابلة للانتقاص لسكان الأراضي المحتلة. فالمادة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تقضي بحماية حقوق جميع الأفراد الخاضعين لولاياتها القضائية، أي الأفراد الخاضعين لسيطرتها الفعلية. ولا يشير العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى الأفراد الخاضعين لولاية الدولة القضائية، مما يجعل تطبيقه على سكان الأراضي المحتلة موضعاً لمزيد من الشك. وقد أصبحت إسرائيل طرفاً في العهدين الدوليين في عام 1991.

المرفق الأول
مقتطف من القرار د أ -5/1 الذي اعتمدته لجنة حقوق الإنسان في
دورتها الاستثنائية الخامسة المعقودة في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2000.

تقـرر
أن تنشأ، على أساس عاجل، لجنة للتحقيق بشأن حقوق الإنسان، يتم اختيار أعضائها على أساس الاستقلال والموضوعية، وتقوم بجمع المعلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان والأفعال التي تشكل خروقات خطيرة للقانون الإنساني الدولي من جانب سلطة الاحتلال الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتوافي اللجنة باستنتاجاتها وتوصياتها بهدف منع تكرر وقوع انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت مؤخرا.
______
المصدر:
الموقع الرسمي للسلطة الفلسطينية: فلسطين والأمم المتحدة