لا يمكن الحديث عن الغزو العسكري وسقوط بغداد إلا في خطوط عريضة جداً تعتمد المعلومات العامة التي لا تغني عن الإحصاءات الدقيقة والأسرار ذات الطبيعة العسكرية التي يمكن أن يتم الكشف عنها مستقبلاً.

وضمن هذا الإطار لا يمكن الحديث عن حرب متكافئة، حيث كانت أقوى قوة عسكرية في العالم تواجه قوة عسكرية صغيرة لدولة نامية بقدرات اقتصادية وعسكرية محدودة تخضع لحصار اقتصادي وسياسي وعسكري وثقافي وعلمي لأكثر من عشر سنوات بعد سنوات طويلة من حروب مدمرة وغياب تام لأي قدرة جوية، فالقوة الجوية العراقية كانت محيدة تماما وذلك لعدم وجودها أصلا بعد حرب الخليج الثانية، والنتيجة المنطقية تكون معروفة مسبقاً.

لقد أصابت الجيش العراقي خلال الفترة الأخيرة مصيبة كبيرة قادته إلى الهاوية بسبب الحصار الذي حرمه ليس فقط مواكبة التسلح الحديث، بل أفقده التدريب وسبب له فساداً طال معظم المراتب، مع قيادات عليا غير مؤهلة يتم اختيارها ليس على أساس مهني احترافي وإنما على أساس سياسي يعتمد معيار الولاء للرئيس والمؤسسة الرئاسية، لذلك كانت قيادات الجيش العليا بيد أقرباء الرئيس رغم عدم تأهيلهم المهني والحرفي العسكري. إن معرفة القيادة السياسية آنذاك بهذا الواقع المرير وحقيقة التفاوت الكمي والنوعي بين القوات العسكرية العراقية والقوات الأميركية يمكن أن تكونا الدافع وراء القيادة العسكرية في إبقاء الجيش والمليشيات في المدن لمواجهة القوات الغازية بدلا من مواجهتها عند حدود العراق، خاصة في ظل غياب تام لأي غطاء جوي أو مقاومات أرضية ضد الجو، وأن تكون المقاومة العسكرية والشعبية هي الأمل الوحيد في حال تمكن قوات الاحتلال من الوصول إلى بغداد ومحاصرتها، وهو أمر كان متوقعا جدا وأعلنه وزير الدفاع العراقي عند وصول قوات الاحتلال إلى مشارف مدينة كربلاء على بعد نحو مائة كلم جنوب بغداد، وفعلاً حصل ذلك على أمل أن تقوم مقاومة جادة في بغداد تستطيع أن تلحق بالعدو خسائر فادحة.

انطلقت القوات البرية الأميركية والبريطانية في اتجاهين، القوات البريطانية اتجهت نحو البصرة عن طريق أم قصر، والقوات الأميركية اتجهت نحو مدينة بغداد وكان عليها أن تمر بالناصرية صعوداً إلى النجف والحلة وكربلاء والمسيب ثم بغداد. وفي مسار آخر اتجهت القوات الأميركية نحو بغداد عبر طرق الكوت الصويرة من الشرق وبمحاذاة نهر دجلة. والمعارك التي خاضتها القوات العراقية التي أبلت بلاء حسناً في أم قصر والزبير والبصرة انتهت بسيطرة القوات البريطانية على منطقة البصرة والفاو وأم قصر، في حين واجهت القوات العسكرية الأميركية مقاومة نسبية في ظل التفوق الجوي المطلق من قبل قوات الجيش العراقي المكلفة مناطق: الناصرية، السماوة، الديوانية، النجف، الحلة، كربلاء، الكوت صعوداً إلى بغداد، لكنها انتهت باكتساح المنطقة كلها ووصلت إلى بغداد حيث كان من المفروض أن تقاوم بفضل وجود قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص وجيش القدس ومليشيات حزب البعث العربي الاشتراكي.

انتهت الحرب بدخول القوات الأميركية صباح يوم 9 أبريل/ نيسان 2003 مدينة بغداد من دون مقاومة تذكر، عدا ما تردد عن معركة المطار التي انتهت بسقوطه. وبعدها استسلم الجيش العراقي في مدن الأنبار وكركوك والموصل من دون قتال. كانت القيادة العراقية كما يبدو تراهن على مدينة بغداد التي دكت بالطائرات المتطورة وكذلك بالصواريخ التي كانت تحملها طائرات بي52 أو تلك التي كانت تطلق من الغواصات وحاملات الطائرات عبر البحار والتي انتهى واجبها بدخول القوات الأميركية بغداد.

كان المفروض أن تكون هناك مقاومة كبيرة جداً على الأقل في بغداد حيث تم تركيز أفضل فرق الجيش العراقي التابعة للحرس الجمهوري والحرس الخاص ومليشيات الحزب، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث وسقطت بغداد.

وفي إطار التحليل العام يمكن إرجاع أسباب سقوط بغداد من دون مقاومة إلى ثلاثة أمور:

  1. تدمير القوات المسلحة العراقية عند خطوط الدفاعات عن طريق القصف الجوي والصاروخي الكثيف لمدة 20 يوماً مع استخدام أسلحة متطورة جداً لا يمكن الاحتماء منها. فقد سمعنا بـ 2500 غارة جوية يومياً على بغداد فقط، وبهذا يكون احتمال تدمير القوات العسكرية العراقية بفعل هذه الهجمات الجوية أو الأسلحة غير الاعتيادية أمرا متوقعا.
  2. احتمال وجود تواطؤ وخيانة بين بعض القيادات السياسية والعسكرية أو من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس والمتكونة أساساً من بعض أقربائه الذين هم محل ثقته وبين القوات الأميركية. ولا يعرف حتى اليوم -عدا بعض المعلومات الصحفية- متى تمت هذه الصفقة إن وجدت وكما يشاع، قبل بدء الحرب أم في أثنائها؟ في الوقت نفسه توجد إشارات وتقارير وإشاعات غير موثقة تتحدث عن خيانة بعض المقربين الذين أصدروا أوامر باسم الرئيس أو باسم القيادة السياسية أو حتى القيادة العسكرية يطلبون فيها من جميع قوات الجيش إلقاء السلاح والانسحاب كل إلى داره ومنطقته.
  3. والاحتمال الثالث والأخير هو أن القيادة العسكرية والسياسية المجتمعة في شخص الرئيس ومجموعة قليلة من المقربين قد شعرت بأنه لم يعد مجدياً إعطاء تضحيات أكثر من دون هدف يرتجى في ظل التفوق العددي والنوعي لقوات التحالف، وأعطت أمراً بالانسحاب وقامت هي بدورها بالاختفاء.