تعرضت إندونيسيا لاستعمار طويل مديد وقاس منذ القرن الخامس عشر على يد البرتغال ثم هولندا واليابان، وورثت الدولة الإندونيسية المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية تركة معقدة تاريخيا وجغرافيا، فهذا البلد الإسلامي تعرض للتبشير المسيحي بمساعدة الاستعمار الهولندي، وهجر إليه الصينيون الذين أمسكوا بزمام التجارة والنفوذ، وهو يتكون أصلا من شعوب كثيرة وثقافات متعددة، فبالإضافة إلى الجاويين الذين يشكلون 45% من السكان هناك الساندان والملايو والمادور، ويشكل هؤلاء مع الجاويين ثلاثة أرباع السكان ويتكون الربع الباقي من مئات الشعوب واللغات، وتتكون إندونيسيا من أرخبيل جزر تزيد على الثلاث عشرة ألف جزيرة تمتد لمسافة خمسة آلاف كيلومتر، ويسكنها مائتان وعشرون مليون نسمة.

واليوم تتفاعل الظروف المحيطة من تدخلات خارجية مدفوعة بأطماع غربية في هذا البلد الغني، وعداوة حضارية للإسلام، والتشتت الجغرافي والعرقي والثقافي والديني، والنزعات الانفصالية والمركزية والفدرالية، والأزمات الاقتصادية، والفساد، والفجوة الاقتصادية، وفشل خطط التنمية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتراكمات الاستبداد والظلم والنخبوية، والصراع الإقليمي والدولي والمحلي لتشكل أزمة معقدة لا يمكن فهمها إلا بالنظر إلى الخريطة التاريخية والجغرافية الشاملة واستيعاب خلفيات الأزمة، ورصد أسبابها وتداعياتها.

جغرافيا الأزمة


يتكون الأرخبيل الإندونيسي من أكثر من 17 ألف جزيرة، وفيها تعداد سكاني يزيد عن 200 مليون موزعين على قرابة ثلاثمائة عرقية، كما توجد في إندونيسيا أكثر من 300 لغة ولهجة محلية

تتميز إندونيسيا جغرافيا بالتعدد والتنوع فهي تتكون من أرخبيل جزر يمتد في المحيطين الهندي والهادي لمسافة خمسة آلاف كيلومتر من الشرق إلى الغرب وألفي كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، ويتكون من ثلاث عشرة ألف جزيرة، والتركيبة السكانية على درجة من التباين والتشتت لا تقل عن التباعد والتباين الجغرافي، ويبلغ عدد سكانها مائتين وعشرين مليون نسمة، 90% منهم مسلمون، 7% مسيحيون يتركز معظمهم في تيمور الشرقية، 2% هندوس، 1% بوذيون، 1% ديانات أخرى، ويشكل الجاويون 45% من السكان، والسندان: 14%، والمادور: 7.5%، والملايو: 7.5%، وتشكل الجماعات العرقية الأخرى التي تعد بالمئات 26% من السكان، ومن أهمها الصينيون (4%) الذين يسيطرون على التجارة، والباتنغ والميننغاب والآتشيون واللامبنغ والمنهال والتورغ والدايك والميلانس والهنود والعرب، وتعتبر لغة الباسا الإندونيسية هي اللغة الرسمية والأكثر انتشارا، ويوجد إلى جانبها أكثر من ثلاثمائة لغة ولهجة من أهمها الجاوية التي يتحدث بها أكثر من 80 مليونا والساندانيسية والآتشية والباتاقية والملاوية. ويعيش نصف السكان تقريبا في جزيرة جاوا التي تزيد مساحتها قليلا عن 134 ألف كيلومتر مربع (5% من مساحة إندونيسيا) بكثافة سكانية تقترب من الألف نسمة للكيلومتر المربع وفي الوقت نفسه فإن الكثافة السكانية في أقاليم وجزر أخرى مثل أريان جاوا وكلمنتان ومالوكو تراوح بين 5- 28 نسمة للكيلومتر المربع الواحد، وموارد الدولة من النفط والغاز والمعادن والأخشاب موزعة على الجزر والأقاليم والسكان على نحو متفاوت، فالجزر الغنية بمواردها الطبيعية يعاني سكانها من الحرمان والفقر، ويسيطر الصينيون الذين لا تتجاوز نسبتهم 4% من السكان على أكثر من 25% من الدخل الإجمالي، وتسيطر النخب السياسية والعسكرية على معظم الموارد.

حاولت القيادة الإندونيسية بعد التحرر من الاستعمار أن تصنع من هذه الفسيفساء الجغرافية والسكانية والثقافية والاقتصادية دولة مركزية موحدة، وهو أمر لم يحدث من قبل، فاعتمدت الحكومات على الجيش وأطلقت يده في مواجهة النزعات الانفصالية والفدرالية، وأعطت قادته نفوذا اقتصاديا وسياسيا، وحدثت مجازر وانتهاكات لحقوق الإنسان مما أدى إلى زيادة الأزمة بدلا من السيطرة عليها.

ويطالب سكان بعض الجزر والأقاليم مثل آتشه وأمبون وكلمنتان وأريان جايا بالاستقلال على غرار تيمور الشرقية، وتطالب حركات سياسية بالحكم الاتحادي الفيدرالي، وتشهد هذه الأقاليم موجات من العنف والصراع العرقي والديني بين السكان الأصليين والمهاجرين وبين المسلمين والمسيحيين، وكانت الدولة طرفا في العنف والمواجهة مع الحركات الانفصالية أو المطالبة بالفيدرالية، واندلعت بتدخل أجنبي صراعات دامية بين المسلمين والمسيحيين في تيمور وجزر الملوك راح ضحيتها الآلاف من الطرفين.

تاريخ صنعته الجغرافيا أيضا


أقام الإنسان الإندونيسي حضارات عديدة في جزر متباعدة لم تجمع بينها إلا إندونيسيا الحديثة التي تأسست سنة 1949

استوطن الإنسان الجزر الإندونيسية منذ ملايين السنين، ثم قامت حضارات ودول في جزر مستقلة بعضها عن بعض، كانت تدين بالهندوسية ثم دخلت في الإسلام بالتدريج على يد التجار والدعاة القادمين من جنوب الهند واليمن وعمان والحجاز، وتعرضت منذ القرن الخامس عشر وحتى منتصف القرن العشرين لاستعمار أجنبي بدأه البرتغال ثم هولندا واليابان، فقد ظلت إندونيسيا بسبب مواردها الهائلة وارتباطها بالتجارة الدولية منذ مرحلة مبكرة من التاريخ هدفاً اقتصادياً تتنافس عليه الدول والكارتيلات الاقتصادية والتجارية.

واختارت الدولة المستقلة حديثا بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة سوكارنو أن تنحاز (برغم عدم انحيازها الرسمي) إلى المعسكر الشرقي في الحرب الباردة فاقتربت من الصين والاتحاد السوفياتي، وصار الحزب الشيوعي قوة كبيرة متنفذة، ولكن هذه الحقبة انتهت بالانقلاب العسكري على سوكارنو الذي دبره قائد الجيش سوهارتو بتأييد ودعم من الولايات المتحدة، وتعرض الشيوعيون لتصفيات دموية، واعتمد الحكم الجديد على الجيش والدعم الأميركي سياسيا واقتصاديا. وغضت الطرف عن الاحتلال الإندونيسي لتيمور عام 1975 بعد الانسحاب البرتغالي منها. ودخلت إندونيسيا في حلف آسيان الذي ترعاه أميركا على غرار حلف السنتو (تركيا وإيران قبل الثورة وباكستان)، وانعزلت إندونيسيا عن قضايا التحرر الآسيوي والأفريقي بعدما كانت من رواد العمل التحرري (مؤتمر باندونغ).

وبرغم التعددية السكانية والثقافية والتباعد الجغرافي فإن نظام الحكم الفردي الذي استمر في إندونيسيا أكثر من خمسين عاما لم يسمح للحياة الحزبية، واقتصرت الأحزاب السياسية في عهد سوهارتو على حزب رئيسي واحد هو "غولكار" وحزبين صغيرين هما "التنمية المتحدة" و"الديمقراطي"، وبعد سقوط سوهارتو قامت أحزاب سياسية كثيرة جدأ تعبر عن التعددية والاختلاف في إندونيسيا رخص لثمانية وأربعين حزبا تراوح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار وتعبر عن الأقاليم والسكان والأديان والانفصال أو الحكم الاتحادي الفيدرالي

وبانتهاء الحرب الباردة فقد النظام السياسي القائم أهميته لدى الولايات المتحدة، وتركته يواجه مشكلاته الاقتصادية وأزماته السياسية، بل إن إندونيسيا بدأت منذ عام 1997 تشهد تدخلات أجنبية وأمريكية تهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسي والسيطرة على الموارد الطبيعية، ومواجهة المد الإسلامي، والتقريب بين إندونيسيا وإسرائيل.

لقد نجح الضغط الشعبي والجماهيري في تنحية الرئيس سوهارتو بعد تفرده بالحكم أكثر من ثلاثة عقود ولكن التركة الثقيلة التي تركها سوهارتو خلقت أزمة الرئاسة التي لم تتوقف بعد فقد فشل يوسف حبيبي خليفة سوهارتو في السيطرة على الأزمة ففتح المجال لانتخابات رئاسية تنافس فيها مع عبد الرحمن واحد وميغاواتي ابنة الرئيس الأسبق سوكارنو، ونجح واحد في انتخابات الرئاسة لكنه لم ينجح في استيعاب الأحداث الكثيرة ووقع هو بشخصه فيما اعتبره البرلمان والمعارضة السياسية فسادا وقد ينحى واحد لتخلفه نائبته ميغاواتي.

الأزمة الاقتصادية والتنموية


بالرغم من النمو الاقتصادي الذي بلغ
8% في سنة 1996 لم تحقق الحكومات الإندونيسية عدالة اجتماعية ومساواة في توزيع الثروة

أدت الأزمة المالية والاقتصادية التي اجتاحت الدول الآسيوية منتصف عام 1997 إلى انهيار المكتسبات الاقتصادية التي حققتها إندونيسيا لتزيد أزمتها السياسية، وقد كان الاقتصاد الإندونيسي قد حقق نموا خلال السنوات العشر السابقة بمعدل 8% ، ولكن منذ النصف الثاني لعام 1998 انهار سعر الروبية الإندونيسية والأسواق المالية، وتراجع النمو الاقتصادي إلى الصفر، واضطرت الحكومة الإندونيسية بسبب الأزمة المالية إلى توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض قيمته 43 بليون دولار، وهي أزمة يعيدها باحثون وسياسيون (مثل محاضر محمد رئيس الوزراء الماليزي) إلى التدخلات الأجنبية وبخاصة الأميركية. وقد توقفت بسبب هذه الأزمة مشروعات كبرى كبناء الطائرات والتصنيع الحربي.

النمو الاقتصادي الذي حققته إندونيسيا لم يحقق توزيعا عادلا للثروة، فمتوسط الدخل الفردي المعلن (1300$) لا يعبر عن حقيقة دخل أكثر من80% من السكان الذين لا يزيد دخلهم عن 350$، وقد جعل ذلك حراك الأزمة والعنف يستهدف السكان من أصل صيني، أو يعبر عن سخط أبناء الأقاليم الغنية بمواردها ولكن أهلها محرومون، كما نشأت حركات سياسية إقليمية تدعو إلى الفيدرالية بدلا من المركزية وتوزيع ثروات الدولة ومواردها بعدالة.

إندونيسيا في مواجهة المستقبل


تثور في أذهان المتابعين العديد من الأسئلة حول المستقبل الإندونيسي أهم محاورها هي:
1- وحدة إندونيسيا
2- دور الجيش في الواقع الإندونيسي
3- موقف القوى الإقليمية والدولية من الوضع الإندونيسي

هذا المزيج المركب من عنف الشعب وعنف الدولة يفرض مجموعة من الأسئلة المستقبلية، مثل:
هل ستبدأ سلسلة من استقلال الجزر والأقاليم كما حدث في تيمور؟ أم أن تيمور حالة خاصة فقد كانت مستعمرة برتغالية حتى عام 1975 ولكن الجزر والأقاليم الأخرى كانت ضمن حدود إندونيسيا عندما استقلت عام 1975 وهل يكون البديل للانفصال قيام حكم فدرالي فتصبح إندونيسيا الولايات الإندونيسية المتحدة؟

ما الذي جعل الدولة المركزية تسيطر على البلاد أكثر من خمسين عاما وما الذي جعلها تفقدها؟ وهل تستطيع استعادة سيطرتها؟ وهل ستكون هذه الاستعادة كما كان الأمر طيلة العقود الماضية أم بصيغة جديدة؟

ما موقع الجيش الإندونيسي في مستقبل السياسة والحكم؟ هل سيبقى دوره المركزي أم سيتراجع؟ أم سيتغير بما يلائم الفدرالية المقترحة؟ ومن المعلوم أن الجيش يعارض بقوة انفصال أي إقليم أو جزيرة أو حتى الحكم الفدرالي.

ما موقف القوى الإقليمية والدولية الخارجية؟ هل تؤيد تقسيم إندونيسيا وهل ينسحب موقفها المؤيد لاستقلال تيمور على بقية الأقاليم والجماعات التي تطالب بالانفصال؟ وهل من مصلحة الولايات المتحدة والغرب والصين فتح الباب للمطالب الاستقلالية والانفصالية في إندونيسيا وسائر أنحاء العالم حيث تشبه إندونيسيا دولا وأقاليم كثيرة جدا، بل تكاد تشمل معظم الدول الكبيرة بمساحتها وسكانها مثل الهند وباكستان وإيران وتركيا والسودان وروسيا ودول أفريقية كثيرة؟ لقد انفصلت دول عدة بعد انتهاء الحرب الباردة مثل جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق والاتحاد اليوغسلافي السابق، وقد كان ذلك ضمن تفكيك القوة السوفياتية/ الشيوعية المنهارة وبدعم من الولايات المتحدة والغرب، فهل تؤيد استمرار هذا التغير في الخريطة السياسية للعالم؟ أم أنها ستعمل على الحفاظ عليها؟ أم تتخذه وسيلة للضغط على الدول وابتزازها؟. إن النزاع المسيحي الإسلامي والنشاط التبشيري في إندونيسيا ليس بعيدا عن الغرب بل إن التدخل الأجنبي فيه واضح وعلني. وقد يهدف إلى المحافظة على خريطة النفوذ الحالية التي ارتبطت مصالحها بها، كما أن تغييرها سيكون لصالح الحركات الإسلامية التي امتلكت في السنوات الأخيرة نفوذا شعبيا وأهمية سياسة كبيرة، ولكنها مغيبة عن خريطة الحكم والتأثير.
_____________