د. لقاء مكي

لم يمض وقت طويل على تشكيل حركة حماس للحكومة الفلسطينية الجديدة بعد فوزها في الانتخابات العامة في يناير/كانون الثاني 2006، حتى ظهرت الخلافات الحادة بينها وبين مؤسسة الرئاسة التي أصبحت آخر قلاع حركة فتح في السلطة، وبسرعة بدأت الخطوط الحمر تنهار بين الحركتين اللتين تعايشتا في قيادة الشارع الفلسطيني سنوات عديدة، واتخذ ما بدا أنه خلاف حول الصلاحيات بين الرئيس محمود عباس وبين الحكومة، مظاهر عنيفة خلفت ضحايا وأوجدت أزمة ثقة بين الفلسطينيين ربما تكون الأخطر منذ بدء الاحتلال.

تنازع على الصلاحيات
تراشق بالكلمات والرصاص
هل فشل التعايش؟

تنازع على الصلاحيات

ليست حالة تقاسم السلطة في النظام السياسي الفلسطيني هي الوحيدة من نوعها في العالم، فهي ظاهرة منتشرة في دول كثيرة تعتمد في دساتيرها نظاما رئاسيا برلمانيا مختلطا، وفي أغلب الحالات يختار الناخبون رئيسا من غير الأغلبية البرلمانية أو بالعكس تلافيا لاحتكار محتمل للسلطة من جانب تيار أو حزب أو فرد.

ويتضمن القانون الأساسي الفلسطيني المعدل الصادر في مارس/آذار 2003 مبادئ عامة لتوزيع الاختصاصات بين كل من الرئيس والحكومة بوصفهما طرفي السلطة التنفيذية، لكن القانون أو الدستور ذاته سبب للخلاف حول هذه الاختصاصات بسبب عموميته وغموضه وعدم تحديده الدقيق للحدود الفاصلة بين سلطات وصلاحيات كل من الجانبين.

"
القانون الاساسي الفلسطيني سبب للخلاف بين الرئيس والحكومة الفلسطينية بسبب عموميته وعدم تحديده لتوزيع الصلاحيات بشكل واضح
"
وقد كانت هذه الضبابية والغموض وتنازع السلطات سببا في نشوب خلافات بين رئاسة ياسر عرفات وحكومة محمود عباس أدت إلى استقالة الأخير، ثم بين عرفات وقريع برغم أن الثلاثة هم من زعماء فتح ويتبنون الاتجاه ذاته، وهو ما يجعل الخلاف الراهن طبيعيا ومتوقعا، سواء بسبب الخلل في المرجعية القانونية، أو لحداثة التجربة الفلسطينية في السلطة واستمرار الجدل والتنازع بين روح المقاومة وعقلية الدولة، وكذلك خصوصية الواقع الفلسطيني وتعقيداته تحت الاحتلال، إلى جانب ما هو معروف من التباعد بين منهجي فتح وحماس في التعامل مع قضايا جوهرية أبرزها طبيعة العلاقة مع إسرائيل.


ويمكن إضافة المتغير الدولي كسبب آخر للخلاف، فالولايات المتحدة واللجنة الرباعية اللتان ضغطتا على عرفات قبل رحيله لتعديل القانون الأساسي بغية منح رئيس الوزراء صلاحيات أوسع على حساب الرئيس، هذه الأطراف هي ذاتها التي تضغط اليوم لتمنح الرئيس صلاحيات أكبر على حساب الحكومة، وفي الحالتين كان الأمر يتعلق بعلاقة هذه الأطراف الدولية مع الأشخاص والتنظيمات في فلسطين من غير اهتمام بإرادة الشعب الفلسطيني أو مصالحه.

إن واحدة من نقاط الاختلاف مثلا تجسد في التنازع على قوات الأمن، فالرئيس بموجب القانون الأساسي هو القائد الأعلى للقوات الفلسطينية، ولم يكن واردا منذ تأسيس السلطة الفلسطينية أن يحصل خلاف بسبب ذلك، بسبب تمركز السلطة في حركة فتح لكن الوضع تغير بعد فوز حماس وسيطرتها على المجلس التشريعي والحكومة.

ويعتبر القانون الأساسي الحكومة مسؤولة عن "حفظ النظام العام والأمن الداخلي"، من غير أن يبين سلطتها على قوات الأمن وترك الأمر إلى تعاون مفترض مع الرئيس، وهو الأمر الذي لم يتحقق لأسباب عديدة لعل من أبرزها أن قوات الأمن ذاتها مازالت على الأغلب جزءا من ظاهرة الاستقطاب السياسي وينتمي الكثير من أعضائها إلى فتح، وبالتالي تجد الحكومة صعوبة في استخدامها لتحقيق واجبها في فرض الأمن في أراضي الضفة والقطاع.

تراشق بالكلمات والرصاص

عشية إجراء الانتخابات الفلسطينية العامة الأخيرة ، كان التراشق الإعلامي بين فتح وحماس يبدو طبيعيا في إطار الحملات الانتخابية، حتى وإن كانت الظروف الفلسطينية لا تحتمله، لكن ما حدث بعد ذلك بدا مختلفا ويدخل في إطار صراع السلطة الذي واصلته فتح من خلال الرئيس أبو مازن بعد خسارتها للأغلبية في البرلمان وخروجها من الحكومة، واتخذ هذا الأمر مظاهر عديدة بدأها الرئيس مدعوما من المجلس التشريعي المنتهية ولايته.

وكانت أولى الخطوات بعد إعلان نتائج الانتخابات، وفوز حماس بأغلبية غير متوقعة، أن أعلن الرئيس محمود عباس نقل مسؤولية جهاز الأمن الوقائي والشرطة والدفاع المدني من الحكومة إلى الرئاسة، وبعد ذلك بأسبوعين وقبيل انتهاء أعماله، قام المجلس التشريعي الذي كانت تسيطر عليه فتح، بإصدار قرارات تنقل جزءا من صلاحياته إلى الرئيس لاسيما في مجال السيطرة على المحكمة الدستورية، ولم يكن ذلك كل شيء، فرئيس الوزراء المنصرف أحمد قريع أصدر قرارات عديدة بترقية وتعيين عدد كبير من المسؤولين الموالين لفتح، باختصار قامت فتح التي فوجئت بما حدث بمحاولة جعل الرئيس عباس خط دفاعها الأخير عن مواقع نفوذها، وظنت أنها تزوده بأدوات صراع سلطة ظلت بيدها أكثر من عقد.

بالطبع ردت حماس بالمثل، فألغى أول اجتماع للمجلس التشريعي ما اتخذه سلفه في آخر جلساته، وبدأت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، وثار جدل حول الصلاحيات، ما لبث أن تحول إلى صراع دموي على الأرض فوقعت اشتباكات بين كل من أنصار فتح وأنصار حماس أسفرت عن سقوط ضحايا، لكن الأمر تطور لتبدأ سلسلة محاولات لاغتيال قادة في حماس، ثم مدير جهاز المخابرات العامة الفلسطينية المحسوب على الرئيس والتابع رسميا له.

"
حاولت كل من فتح وحماس كسب معركة نفوذ في الشارع لدعم مواقفهما في السلطة لكن التسابق تطور ليصل إلى مرحلة الصراع المسلح
"

كان طرفا الصراع يحاولان بدأب وبسباق مع الزمن كسب معركة نفوذ سريعة في الشارع، استعانت فتح الممثلة بالرئيس بالأجهزة الأمنية التي تزخر بمؤيديها، فردت الحكومة الخاضعة لحماس بتأسيس جهاز أمني مؤلف بشكل أساسي من عناصر الفصائل الفلسطينية أسمته "قوة المساندة" تابع لوزير الداخلية عضو قيادة حماس سعيد صيام، ولما نزلت القوتان إلى الشارع ظهر جليا أن خيطا رفيعا بات يفصل الفلسطينيين عن حرب أهلية قال الجميع إنهم ينبذونها، لكن كل طرف كان جاهز لخوضها.

كل هذا النزاع كان يجري بتدخل دولي وإقليمي واضح هدفه تشديد الخناق على حماس، بدءا من قطع المساعدات المالية ومنع وصولها إلى حكومة حماس، وليس انتهاء بدعوة مصر والسعودية الحكومة الفلسطينية إلى الموافقة على المبادرة العربية، التي تتضمن الاعتراف بإسرائيل وما في ذلك من تعديل جوهري في بنية حركة حماس.

وفي هذا المشهد لم تغب صورة عباس، فدعوة الرياض والقاهرة تتماشى مع نهجه، والاتحاد الأوربي استقبله ومنحه بالفعل أموالا، ولكنها لدعم حرسه الرئاسي، وحينما كانت الضغوط الأخلاقية تتزايد لوقف حصار الشعب الفلسطيني، كان أكثر المقترحات "تساهلا" يتمثل في تقديم مساعدات عينية وعن طريق الرئيس وليس الحكومة.

لكن أبو مازن حاول الحفاظ على توازن معقول لا يخل بعلاقته مع الحكومة ومؤيديها في الداخل، لذا شجب غير مرة السلوك الغربي الساعي لمعاقبة الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي، وفي الوقت ذاته دأب على مطالبة حماس بتغيير سياساتها والاعتراف بخيار السلام، بل إنه تكهن بعد وقت قصير من تشكيل الحكومة بأن حماس ستخفف من موقفها تجاه إسرائيل وستقبل بحقها في الوجود.

وبرغم الحذر النسبي في إطلاق التصريحات بين كل من مؤسسة الرئاسة الفتحاوية والحكومة الحماسية، فإن الواضح هو غياب التنسيق بشكل كبير بين الطرفين، سواء في القضايا الداخلية أو الخارجية، وقد تكررت المؤشرات على ذلك، بل إن عدم الانسجام كان يوازي تحركات من الطرفين لبسط النفوذ على الأرض والتهيئة لأي تطورات، كما هو الحال في الجدل حول منظمة التحرير أو الاستفتاء على وثيقة الأسرى، وبات كل طرف يتسقط ما يحسبه أخطاء للآخر، فدأبت حماس على اتهام الحكومة الفتحاوية السابقة بالفساد وسوء الإدارة، فيما تلقفت فتح اتهامات الأردن لحماس بتدبير اعتداءات في عمان بكثير من الاهتمام، بل إن الرئيس عباس تبنى الرواية الأردنية مطالبا حماس بتقديم تفسير، باختصار قدم مشهد العلاقة برمته انطباعا بوجود كيانين منفصلين وليس كيانا واحدا وإن كان برأسين.

ويعزز هذا الانطباع، السعي للسيطرة على قنوات الإعلام المحلية، فالرئاسة الفتحاوية أصبحت مسؤولة عن هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية الرسمية، الأمر الذي جعل الحكومة الحماسية تفكر في إنشاء محطة فضائية خاصة بها بسبب ما قالت مصادر مطلعة في وزارة الإعلام الفلسطينية، أنه ترويج المنابر الإعلامية الرسمية رسائل إعلامية متعارضة مع برنامج الحكومة وأدائها، وعدم تقديم صورة واقعية لوضع المجتمع الفلسطيني.

هل فشل التعايش؟

يحرص كل من طرفي السلطة الفلسطينية: الرئيس والحكومة، على تقديم انطباع جيد في علاقاتهما ببعض، وبرغم أن عناصر فتح وقياديي حماس من خارج الحكومة يتجادلون غالبا بلهجة حادة وأحيانا عدائية، فإن الأمر مازال يبدو حتى الآن تحت السيطرة بين أبو مازن والحكومة.

"
يحرص كل من قطبي السلطة الفلسطينية على إبقاء خطوط الرجعة في العلاقة بينهما، لكن التضاد في منهجي فتح وحماس يثير الشكوك في إمكانية استمرار تعايشهما
"
وربما يدور تساؤل عما إن كان عباس يهاجم الحكومة بالنيابة من خلال قياديي فتح وقواعدها، أو إن كانت الحكومة تهاجم الرئيس من خلال قياديي حماس غير المشاركين في السلطة وكذلك قواعدها بل وقواعد تنظيمات أخرى، لكن الثابت حتى الآن أن كلا من قطبي السلطة يحرص على عدم قطع جسور العلاقة مع القطب الآخر، برغم ما حدث من مواجهات مسلحة بين عناصر فتح وحماس وسقوط ضحايا من الجانبين، أو ما تشهده الساحة الفلسطينية من استقطابات حادة تتجسد خصوصا باستعراض كل طرف قوته في الشارع.

وقد حاولت الحكومة الفلسطينية التهوين من شأن الخلاف مع الرئيس، لكنها فعلت ذلك من خلال اتهام "بطانة " الرئيس الفتحاوية كما يقول سعيد صيام وزير الداخلية، هذه "البطانة" لا تريد للرئيس أن يعمل مع الحكومة بشكل إيجابي، وهي -أي الحكومة- امتدحت عباس لإصراره على إجراء انتخابات نزيهة، ولا تتهمه رسميا بالوقوف ضدها، لكنها في الوقت ذاته تهاجم منظمة التحرير التي يرأسها وتخوض صراعا مع فتح التي يسهم في قيادتها، والأهم أنها تسمح لبعض عناصرها بمهاجمة الرئيس بشكل مباشر إلى حد اتهامه بالمشاركة في حصار الحكومة وسحب صلاحياتها الأمنية والمالية والإعلامية، كما قال محمد نزال عضو قيادة حماس.

الرئيس الفلسطيني من جانبه، حرص في أغلب الأحيان على وضع نفسه خارج دائرة الصراع بين فتح وحماس، فهو بعد أن كان قد أبدى تصميما على إجراء الانتخابات في موعدها، أعلن أنه يوافق على أي صلاحيات للحكومة ينص عليها القانون الأساسي، كما أنه طالب أكثر من مرة بإعطاء فرصة لحماس "لتعديل مواقفها"، وهو أكد دوما أنه لا يسعه الضغط على حماس للاعتراف بإسرائيل أو باتفاقيات السلام، لكن عباس المدعوم دوليا وإقليميا لا يترك لحماس فرصة طويلة لمراجعة موقفها السياسي من إسرائيل أو مشاريع التسوية، وهو كما تبدى في العديد من تصريحاته وخطبه يريد إجراءات ومواقف سريعة بسبب ما يعتقد أنه وضع فلسطيني متأزم إلى حد الاقتراب من الوقوع في الهاوية.

وبغض النظر عن النوايا، فإن تجربة التعايش داخل السلطة الفلسطينية بين رئاسة فتحاوية وحكومة حماسية ربما تكون قد اقتربت من الفشل إلى حد كبير، وسواء تمكن ساسة الجانبين من التفاهم والاتفاق أو واصلوا الحوار بلغة السلاح واستعراضات القوة، فإن تضاد منهجي المنظمتين فتح وحماس واختلافهما الحاد لن يبقي كثيرا من الفرص لتقاسم مريح للسلطة حتى وإن كان الطرفان قد اعتادا على تقاسم الشارع.
_______________
الجزيرة نت

المصادر:
أرشيف الجزيرة نت
موقع السلطة الوطنية الفلسطينية
http://www.pna.gov.ps/arabic/index.asp