عمرو حمزاوي

منذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2006 ومساحات التماهي بين المقاربة الأميركية والمقاربات الأوروبية للساحة الفلسطينية وللعلاقة الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل تكاد تقترب من الكليانية.

مثل الخيط الناظم هنا في التقاء الولايات المتحدة والأقطاب الفاعلة في صياغة التوجهات الخارجية للاتحاد الأوروبي، أي بريطانيا وفرنسا وألمانيا في المقام الأول، على النظر إلى حماس بكونها حركة معادية ينبغي حصارها بهدف تهميشها طالما تعذر فرض تغير فعلي في خطابها وممارساتها.

صور بالمقابل دور فتح وفي موقع القلب منه دور الرئيس محمود عباس على أنه الضمانة الوحيدة لاستمرارية سياسة فلسطينية تجاه إسرائيل لا تتناقض مع الأولويات والمصالح الغربية بل وترتبط بها إقليمياً.

اللافت بحق أن الحصار الغربي المفروض على حماس والدعم المقدم إلى فتح قد تأطر منذ نجاح حماس الانتخابي في مرحلتين رئيسيتين، امتدت الأولى حتى الحرب الإسرائيلية على لبنان وبدأت الثانية مع نهايتها ولا تزال سياقاتها المركبة مستمرة حتى اليوم.

إستراتيجية الضغط والإقصاء
مرحلة جديدة ومقاربة صراعية
نتائج وأهداف المقاربة الدولية

إستراتيجية الضغط والإقصاء

"
رفض التوافق الأميركي الأوروبي خلال الأشهر السبعة الأولى من نجاح حماس في الانتخابات الانقلاب الكلي على نتائج الانتخابات الفلسطينية
"
اتسمت الإستراتيجية الأميركية والأوروبية تجاه حماس وفتح خلال الأشهر السبعة الأولى من 2006 بتكثيف الضغوط على حماس وحكومتها من خلال إيقاف برامج المساعدات الاقتصادية والمالية الغربية المقدمة للفلسطينيين، وتوظيف أدوات الضغط العسكري والحصار السياسي داخلياً والدبلوماسي إقليمياً ودولياً بهدف إجبار حماس على نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل والقبول غير المشروط باتفاقات السلام المبرمة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية (شروط اللجنة الرباعية) أو حال الممانعة إفشالاً لحكومة إسماعيل هنية بتغييب فاعليتها في تسيير الشأن العام ومن ثم تأليب قطاعات واسعة من قواعد حماس الانتخابية في الضفة الغربية وغزة عليها، ودفع الحركة إلى سلسلة من المواجهات المستمرة مع إسرائيل وفتح تستنزفها وتعمق من عزلتها.

وعلى الرغم من أن "التسونامي الإسلامي" كما دأب الإعلام الغربي عام2006 على وصف تداعيات نجاح حماس الانتخابي قد رتب في الأسابيع الأولى التي تلت الانتخابات، وبحكم مباغتته لمراكز صنع القرار في الغرب حيث لم يتوقعه أحد، بحثت إدارات الشرق الأوسط في الخارجية الأميركية والوزارات الأوروبية عن مداخل براغماتية للتعامل مع حماس ووضعيتها الجديدة في الساحة الفلسطينية، إلا أن العقل الإستراتيجي الغربي سرعان ما همش الأصوات النقدية واستقر على المقاربة الإقصائية بما استتبعته من دعم لعباس وفتح وتحشيد للحكومات الحليفة للغرب في الشرق الأوسط لضمان شمولية وفاعلية الحصار المضروب على حماس.

هنا صمتت واشنطن والعواصم الأوروبية عن فساد فتح ومؤسسات السلطة الفلسطينية وتجاوزات الأجهزة الأمنية متخلية عن ربطها السابق بين الدعم الغربي وبين إصلاح السلطة وتحويلها إلى بناء ديمقراطي، ووظفت ثنائية الصديق العدو لتصنيف فتح بكونها حليفا للغرب ينبغي حمايته وتقويته في مواجهة العدو المشترك.

وعلى ذات المنوال انقلبت إدارة بوش على خطابها المعلن منذ 2001 حول مركزية الديمقراطية والإصلاح السياسي والانتخابات الحرة في العالم العربي، واستبدلته إن بإشارات متواترة إلى مخاطر الانتخابات في المجتمعات غير الديمقراطية، مستدعية في كثير من الأحيان خبرة النازي في ألمانيا الثلاثينيات، أو بتنويعات على المقاربة الواقعية التقليدية للدور الأميركي في الشرق الأوسط من خلال الحديث عن مصالح القوة العظمى وأمن حليفتها الإستراتيجية إسرائيل، وأهمية حماية هذا وذاك إزاء تهديدات قوى معادية كحماس.

غير أن التوافق الأميركي الأوروبي في هذه المرحلة الأولى رفض الانقلاب الكلي على نتائج الانتخابات الفلسطينية إن بقيام الرئيس الفلسطيني بحل المجلس التشريعي والدعوة إلى انتخابات مبكرة، أو حل حكومة حماس وتشكيل حكومة طوارئ، وكلاهما طرحا مراراً من جانب فتح والحكومة الإسرائيلية وبعض الأطراف الإقليمية الأخرى كمداخل أخيرة للإنقاذ.

بدا الحذر الغربي في هذا السياق مدفوعاً:

  • من جهة برغبة أميركية أوروبية في عدم الزج بالمنطقة بمجمل توتراتها في العراق ولبنان وغيرهما نحو لحظة صراع شاملة تشتعل بها الساحة الفلسطينية كذلك.
  • ومن جهة أخرى برغبة أميركية في الحفاظ على ما تبقى من مصداقية للولايات المتحدة لدى العرب بالامتناع عن تشجيع إقصاء عنيف وغير دستوري لحماس المنتخبة في واحدة من أكثر الانتخابات العربية نزاهةً، كما وثقتها العديد من المنظمات الدولية.

مرحلة جديدة ومقاربة صراعية

"
تبدلت الخطوط الحمراء للمقاربة الأميركية والأوروبية تجاه فتح وحماس بصورة جذرية مع نشوب حرب تموز 2006
"
غير أن الخطوط الحمراء للمقاربة الأميركية والأوروبية تجاه فتح وحماس تبدلت بصورة جذرية مع نشوب حرب تموز 2006.

إذا ما استثنينا الاختزالية الأيديولوجية لإدارة بوش التي سعت لتوصيف الحرب الإسرائيلية على لبنان بكونها لحظة حاسمة في زمانية صراع الخير والشر في الشرق الأوسط، وأعادت إنتاج خطابها المعهود حول الحرب على الإرهاب ومواجهة الراديكالية الإسلاموية لنشر الحرية والسلام والديمقراطية في المنطقة.

واتسمت القراءة الإستراتيجية الأميركية للحرب بهيمنة المكون الواقعي الدافع باستمرار للتعامل مع لحظات الصراع الدولي والإقليمي باعتبارها فرصا للدفاع عن مصالح القوة العظمى، وتثبيت دعائم هيمنتها الكونية من خلال التوظيف الكثيف والمغامر لأدوات القوة الصلبة والرخوة المختلفة المتاحة للولايات المتحدة ودونما اعتبار للشرعية الدولية أو للكلفة المادية والإنسانية المرتبطة بذلك.

هكذا تعاطت إدارة بوش مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 بإطلاق حرب عالمية على الإرهاب هدفت بالتأكيد لإسقاط حكم الطالبان في أفغانستان وشل القاعدة، إلا أنها تخطتهما لتغيير الجغرافيا السياسية في آسيا الوسطى والجوار الإيراني والضغط على نظم الحكم المناوئة للمصالح الأميركية في العالم العربي والإسلامي.

ثم طبق نفس النهج حيال الملف العراقي بتدخل عسكري أسقط نظام صدام حسين، وأراد -وإن أخفق- خلق عراق جديد يسهم في تغيير خريطة الشرق الأوسط على نحو يحمي مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ويضمن أمن حلفائها الرئيسيين وفي مقدمتهم إسرائيل.

في ذات السياق رأت إدارة بوش في الحرب الإسرائيلية على لبنان فرصة إستراتيجية سانحة لتحقيق هدفين رئيسيين:

  1. من جهة إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية في الداخل اللبناني باستبعاد كامل أو جزئي لسلاح حزب الله من المعادلة، وبالتبعية تمكين الأطراف اللبنانية الأقرب إلى الولايات المتحدة والغرب من تحجيم نفوذ الحزب ومحاصرته.
  2. ومن جهة أخرى تغيير علاقات القوة بين المحاور الإقليمية في الشرق الأوسط على نحو يخصم من الرصيد الإستراتيجي لقوى الممانعة الإيرانية والسورية بحرق ورقة حزب الله، ويسمح باحتواء النفوذ الإقليمي المتنامي للجمهورية الإسلامية الرابح الأكبر من مغامرة بوش في العراق.

وواقع الأمر أن مواقف الأقطاب الأوروبية -وإن اختلف بعضها جزئياً مع المقاربة الأميركية للداخل اللبناني ولدور حزب الله في سياقاته- إلا أنها تماهت كلياً مع الهدف الإقليمي للولايات المتحدة وتوافقت معها على استخدام الحرب للضغط على إيران وسوريا وعلى حلفائهما من بين حركات المقاومة العربية، وهو ما رتب دخول الدور الأميركي والأوروبي في الساحة الفلسطينية في مرحلة نوعية جديدة.

في أعقاب حرب تموز تصاعدت الضغوط الأميركية والأوروبية على حماس بكونها أحد العناصر الفاعلة في المحور الإيراني السوري (معسكر المتشددين) لتأخذ شكلا صراعيا واضحا، وفقدت الحلول التوفيقية المحبذة لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم فتح وحماس -والتي كانت دول أوروبية متوسطة (إيطاليا) وصغيرة (النرويج والسويد) قد صاغتها قبل الحرب- أهميتها، واختفت تدريجياً من قاموس النقاش الغربي حول الأوضاع الفلسطينية.

نتائج وأهداف المقاربة الدولية

"
رتبت هيمنة المقاربة الصراعية تجاه حماس أن اختفت كذلك الخطوط الحمراء التي حالت بين الغرب وبين تأييد إقصاء عنيف لحماس تديره فتح
"
رتبت هيمنة المقاربة الصراعية تجاه حماس أن اختفت كذلك الخطوط الحمراء التي حالت بين الغرب وبين تأييد إقصاء عنيف لحماس تديره فتح، بل وشرعت الولايات المتحدة تحديداً وبتنسيق مع الحكومة الإسرائيلية وعدد من الأطراف الإقليمية الحليفة لواشنطن في إعداد وتنفيذ خطط لتسليح الأجهزة الأمنية التابعة للرئاسة الفلسطينية، هدفت لتغيير الميزان العسكري بينها وبين حماس على نحو يضمن سيطرة محمود عباس ورفاقه على الضفة الغربية وغزة حال المواجهة مع حماس.

ثم حالت ذات المقاربة الصراعية دون تطور تأييد غربي فعال للجهود السعودية التي أسفرت عن اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فتحفظت عليها الولايات المتحدة والأقطاب الأوروبية، وبرزت للسطح توترات بين واشنطن والحليف السعودي الذي نظر لدبلوماسيته التوفيقية بكونها تهميشا لمحورية ثنائية المعتدلين المتشددين في الشرق الأوسط، وتهديدا لتماسك حلفاء الغرب في المواجهة الإقليمية الكبرى مع إيران وتوابعها.

كان من الطبيعي والمتوقع إذاً أن ترى إدارة بوش والحكومات الأوروبية في أحداث غزة حزيران 2007، ومع التسليم بفداحة الخطأ الإستراتيجي الذي ارتكبته حماس، إنهاء للحظة من الغموض فرضتها حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية واستمرارية المبادرات الإقليمية التوفيقية بين فتح وحماس، وبالتبعية فرصة جديدة لإزكاء نار الصراع بين "معتدلي و"متشددي" الشرق الأوسط.

اليوم تنبني المقاربة الأميركية والأوروبية تجاه الساحة الفلسطينية على أربعة أهداف رئيسية:

  • أولاً: محورية عزل غزة عن الضفة وعزل حماس لأجل غير مسمى في غزة (حماس ستان كما تعارف على تسميتها عدد من أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة) والتجاهل العملي للأوضاع الكارثية التي يعيش بها الشعب الفلسطيني هناك.
  • ثانياً: دفع الرئيس عباس وفتح إلى نقطة اللاعودة، فيما يتعلق بإقصاء حماس واستبعاد الحوار معها، والإبقاء على حكومة الطوارئ برئاسة سلام فياض كشريك مثالي للغرب ولإسرائيل في مفاوضات سلام محتملة.
  • ثالثاً: إنتاج زخم دولي وإقليمي لدعم عباس بإحياء المسار التفاوضي الثنائي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والمسار متعدد الأطراف بالدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط.
  • وأخيراً: الضغط الجزئي على الحكومة الإسرائيلية لقبول الشروع في مفاوضات حول الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية مع السلطة، وتخفيف القبضة الأمنية لقوات الاحتلال في الضفة الغربية تحسيناً لصورة عباس وفتح بين المواطنين الفلسطينيين.

تلك هي الخطوط الإستراتيجية العريضة للدور الأميركي والأوروبي اليوم، ومن غير المتوقع أن يحيد عنها على المدى المنظور.
_______________
كبير الباحثين بمؤسسة كارنيجي للسلام العالمي، واشنطن.