شفيق شقير

فلسطين في الإرث الإسلامي
حماس والرؤية الاستراتيجية للدولة
حماس والدولة المرحلية
خيار الدولة الواحدة.. إلى أين؟

تتميز فلسطين بأهميتها الدينية لأصحاب الديانات السماوية الثلاث وعلى وجه الخصوص الإسلامية.

فلسطين في الإرث الإسلامي

"
التيارات الإسلامية ذابت في الإرث الإسلامي في فلسطين وجعلته المكون الأول ولعله الأخير في صناعة أيدولوجيتها السياسية والعسكرية
"

تحتل فلسطين في الجغرافية الدينية لدى المسلمين مكانة مرموقة تكاد تقترب من مكانة مكة، وورد في أخبار المسلمين الدينية العديد من الروايات التي تقارن فضل القدس والمسجد الأقصى فيها ببقية البقاع المقدسة في مكة والمدينة المنورة.

فالمسجد الأقصى كان قبلة المسلمين الأولى، وبه ارتبطت حادثة الإسراء والمعراج بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم*.

ولهذا كان من الطبيعي أن يحتل البعد الديني حيزا كبيرا في "الصراع العربي الإسرائيلي"، وهو ما لم يخل من أدبيات أي منظمة فلسطينية، سواء منها اليمينية أو اليسارية أو الإسلامية، ولكن كلا منها احتضن الإرث الديني في أيدولوجيته بحسب الطريقة التي تناسبه.

والتيارات الإسلامية ذابت في هذا الإرث وجعلته الركن الأول الذي قامت عليه ثقافتها، وجعلته المكون الأول ولعله الأخير في صناعة أيدولوجيتها السياسية والعسكرية.

التيارات الإسلامية
وتعتبر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التنظيم الإسلامي الأبرز في الساحة الفلسطينية، وهي المنافس الأقوى لمنظمة التحرير الفلسطينية على جميع الأصعدة، وتحظى بشعبية واسعة في وسط الجمهور الفلسطيني.

ويأتي بعدها في الأهمية على الصعيد الإسلامي "حركة الجهاد الإسلامي"، والتي في الغالب لا تختلف عن حماس في نظرتها الإستراتيجية إلى القضية الفلسطينية، ولا تختلف عنها في رؤيتها للدولة الفلسطينية العتيدة.

حتى أن أمينها العام الحالي رمضان شلح صرح بأن ما يحول دون الوصول إلى أعلى درجات التنسيق مع حماس "وحتى الوحدة الكاملة هو ظروف ميدانية تتعلق بظروف الواقع الفلسطيني المعقد".

لهذا اكتفت المقالة بالتركيز على حماس دون غيرها، كرأس للتيار الإسلامي في فلسطين.

حماس.. والرؤية الإستراتيجية للدولة

"
تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها
"
من ميثاق حماس

"ستقوم إسرائيل وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام كما أبطل ما قبلها".

مقولة لمؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا تصدرت ميثاق حركة المقاومة الإسلامية حماس والذي طرح يوم 18 أغسطس/آب 1988 إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

وهذه المقولة في الميثاق تختصر كل ما يأتي بعدها، فقيام دولة إسرائيل هو نقيض قيام دولة الإسلام، وما يراه البنا وحركة الإخوان المسلمين هو ما تراه حركة حماس التي تنتمي فكريا للمدرسة الإخوانية.

وتعبر حماس في الميثاق عن رؤيتها الإستراتيجية للدولة الفلسطينية التي تؤمن بها في المادة الحادية عشرة منه بقولها التالي:

"تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات سواء كانت فلسطينية أو عربية، لأن فلسطين أرض وقف إسلامي على الأجيال الإسلامية إلى يوم القيامة".

وتستدل الحركة على هذا الحكم بما فعله عمر بن الخطاب عندما فتح العراق والشام حيث أوقف الأرض المفتوحة "على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة".
 
وهذا الفهم للوقف يجعل من المستحيل التحدث عن قيام دولتين: فلسطينية وإسرائيلية جنبا إلى جنب، كما أنه من الصعب جدا تفهم قيام دولة واحدة تضم الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي لأن حماس ترفض أي حق لليهود الوافدين إلى "إسرائيل"، و
تعلن جهرا أنها ستعمل على طرد المحتلين من فلسطين التاريخية، وهذا يتطلب ترك اليهود الوافدين للأملاك التي سيطروا عليها، ما يعني عمليا طرد اليهود الذين وفدوا إلى فلسطين بعد قيام دولة إسرائيل.

ورؤية حماس هذه تلتقي مع ميثاق منظمة التحرير الذي تخلت عنه المنظمة، والذي يقول في مادته الثانية إن "فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ".

كما أن ميثاق المنظمة كان يتبنى إخراج اليهود الوافدين واستثنى المقيمين منهم تاريخيا في فلسطين وذلك في المادة السادسة التي تقول إن "اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين".

وتتخذ حماس من الميثاق الوطني المذكور تكأة للدفاع عن رؤيتها للدولة الفلسطينية وأن ما تثبته في مرجعيتها الدينية هو ما كانت المنظمة تتمسك به لدواع وطنية وقومية.

حماس والدولة المرحلية

طرح بعض رموز الحركة أكثر من مبادرة رسمية وغير رسمية يحددون فيها ملامح الدولة الفلسطينية على مرحلتين:

  1. المرحلة الأولى وتقوم الدولة الفلسطينية على أرض 67 فقط، على أن لا يستتبع ذلك اعتراف بدولة إسرائيل، أو إقرار بحق اليهود الوافدين على أي جزء من أرض فلسطين التاريخية.
  2. المرحلة الثانية وهي التي تقوم فيها الدولة على كامل أرض فلسطين التاريخية، وذلك بعد تحريرها من اليهود أي تدمير دولة إسرائيل بالكامل.

واشتهر عن زعيم حركة حماس الشيخ أحمد ياسين طرحه أكثر من مبادرة في هذا الصدد وذلك بدءا من الانتفاضة الأولى وحتى قبيل استشهاده، وعرض فيها إقامة دولة فلسطينية على أرض 67، وإقامة هدنة مؤقتة مع إسرائيل.

كما أن موضوع مبادرته أعيد طرحه عام 1993 من قبل الناطق باسم حماس في الأردن أحمد نزال، وطرح مرة أخرى وبصورة أوضح عام 1994 من قبل رئيس المكتب السياسي آنذاك للحركة موسى أبو مرزوق، واشترط فيها ثلاثة شروط، الشرطان الأولان وهما تقليديان للحركة ولكنه أضاف شرطا ثالثا وهو إجراء انتخابات حرة للشعب الفلسطيني في داخل فلسطين وخارجها ليعبر ممثلوهم عن خياراتهم.

حتى أن عبد العزيز الرنتيسي الذي كان يعد من صقور الحركة قال عام 2002 إن حماس توصلت إلى "نتيجة أنه من الصعب تحرير كل الأراضي الفلسطينية في هذه المرحلة ولذلك فهي تقبل تحريرًا تدريجيًا"، وأن الحركة مستعدة للإعلان عن هدنة لمدة عشر سنوات مع إسرائيل إذا انسحبت إلى حدود 1967.

ولكنه أوضح أن أي اقتراح جديد من هذا القبيل لا يعني أن حماس اعترفت بإسرائيل أو بنهاية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ورأى البعض في هذا التقسيم المرحلي تنازلا ضمنيا من حماس عن الالتزام الفعلي بإقامة دولة واحدة على كامل التراب الفلسطيني، ومن ذلك الدراسة التي أعدتها المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات تحت عنوان "التعامل مع حماس"، وقد تتبعت فيها مبادرات الحركة وأوردت نقولات عن قادتها تؤكد ميلهم إلى حل الدولة المؤقتة.

ونسبت الدراسة إلى أحد الصحفيين الفلسطينيين قوله (خالد العمايرة) إن "رفض حماس لحل يقوم على دولتين ليس ثابتا أو حقيقيا كما كان من قبل، وإن حماس عام 2003 هي غير حماس عام 1987". كما أن  "حماس تقبل تحت ظروف معينة الاعتراف بالشرعية السياسية ولكن ليس المعنوية لدولة إسرائيل"، وأن هذه الظروف هي الانسحاب التام إلى حدود عام 1967.

يبدو أن ما أورده معدو دراسة المجموعة الدولية عن الصحفي الفلسطيني يعبر عن ميلهم لهذا التفسير لمبادرات حماس، ويشاركهم في هذا النوع من التفسير مراكز القرار في أكثر من دولة غربية منها بريطانيا والولايات المتحدة اللتان دخلتا في محادثات مع حماس في حوار عبر شخصيات غير رسمية.

وقد أفصح وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في يونيو/حزيران 2005 عن وجود مثل هذه المحادثات، فيما أعلن عن لقاء في بيروت بين وفد أميركي ومجموعات إسلامية بينها حركة حماس.

والحقيقة أن طرح الدولة المؤقتة ليس جديدا داخل حماس وهو ما عبر عنه الرنتيسي عندما طرح مبادرته للهدنة حيث قال حينها إن المناقشات داخل حماس بشأن قبول دولة مؤقتة ليست جديدة، وإن المسألة مسألة اتخاذ قرار وإن الحركة اتخذت القرار.

ومن الملاحظ أن مبادرات الحركة للهدنة الشاملة غالبا ما كانت توجه إلى الجانب الفلسطيني وتحديدا السلطة الفلسطينية، حيث إن حماس تحاول جاهدة إيجاد برنامج مشترك يجمعها مع السلطة الفلسطينية وبقية الفصائل، والدولة المؤقتة على حدود 67 هي الحد الأدنى لبعضها ومنتهى الأمل لبعضها الآخر.

ولكن بعد استلام أرييل شارون لرئاسة الوزراء وجعله اغتيال القيادات الفلسطينية وهدم المنازل وقضم الأراضي على نطاق واسع أمرا واقعا لا يعارضه المجتمع الدولي، دفع حماس إلى إضفاء حيوية أكبر على طرح الدولة المؤقتة وتفعيله باتجاه المجتمع الدولي.

كما استفادت حماس من الأجواء الإيجابية التي رافقت استلام محمود عباس لرئاسة السلطة الفلسطينية، حيث إن الأخير تجاوب مع رؤيتها "للهدنة وللدولة المؤقتة" وجعلها منطلقا لخطاب السلام الذي وجهه للمجتمع الدولي ولاسيما الدول المعنية، كما أنه سيأخذ هذه الرؤية بالاعتبار في أي تسوية مستقبلية مع الجانب الإسرائيلي.

خيار الدولة الواحدة إلى أين؟

"
الواقعية التي تتبعها حماس تطرح تساؤلات عدة حول قدرة الحركة على إبداع طريقة سياسية مرنة تحفظ لها وجودها وإنجازاتها، وبنفس الوقت تحفظ وفاءها للمبادئ التي تعطيها هويتها الخاصة
"

انغمست حماس بأدائها السياسي في واقع الدولة المؤقتة أكثر من أي وقت مضى، فبعد أن شاركت بحماسة غير مسبوقة في الانتخابات البلدية أبدت استعدادها ولأول مرة للمشاركة في الانتخابات النيابية، ودون أن تعتبر هذه المشاركة من مفاعيل اتفاق أوسلو الذي تعارضه بشدة.

كما أعلنت الحركة أنها ستدرس موضوع المشاركة في الحكومة الفلسطينية وإن امتنعت عن المشاركة لاحقا، وذلك بعدما دعاها الرئيس عباس للانضمام إلى حكومته والمساعدة في انتقال هادئ للسلطة في قطاع غزة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية.

وأعلنت الحركة أيضا موافقتها المبدئية على المشاركة في منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت المسؤول المباشر عن اتفاق أوسلو. 

فالواقعية التي تتبعها حماس تطرح تساؤلات عدة حول قدرة الحركة على إبداع طريقة سياسية مرنة تحفظ لها وجودها وإنجازاتها، وبنفس الوقت تحفظ وفاءها للمبادئ التي تعطيها هويتها الخاصة.

فتجربة منظمة التحرير الفلسطينية مع "الواقعية" وصلت بها إلى خيار دولة على أرض 67، كما أن تجارب الحركات الإسلامية في الدول المجاورة لفلسطين انتهت بها إلى التسليم بالحدود التي رسمتها سايكس بيكو، وهي تتعامل معها واقعيا على أنها حدود نهائية رغم رفضها النظري لها.

والأمر هذا فما الذي يمنع أن تنتهي حركة حماس إلى ما وصلت إليه الحركات الإسلامية في دول الجوار، وتصبح الحدود التي تفصلها عن أرض 48 هي حدود فعلية من حيث الواقع، خاصة أن تراكمات الواقع الاجتماعي والسياسي ونوعية الاهتمامات التي تفصل الفلسطينيين العرب في إسرائيل عن فلسطينيي 67 والشتات في ازدياد مطرد؟

على كل يبدو أن هذا التوجه في حماس سيأخذ مجراه رغم كل ما يقال عن وجود نقاشات داخل الحركة وأن بعض الأطراف فيها غير قادر على مجاراة هذا الأداء، ومن الصعب أن يحسم الجدل داخل الحركة لأن التزامها الأيدولوجي بمبدأ الدولة الواحدة على كامل التراب الفلسطيني سيفرض عليها أن تبحث عن الوسائل الآيلة للتوفيق بين أدائها المرحلي "لتحقيق الدولة المؤقتة" وتصورها الإستراتيجي للدولة الحلم.
_______________
الجزيرة نت
المصادر:
1- أرشيف الجزيرة نت
2- ميثاق حركة حماس
3- تصريح رمضان شلح عن حماس في مجلة السبيل 26/4/2005 
4- ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية
5- ميثاق حركة الجهاد الإسلامي

* كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى قبل أن يأتي الأمر النبوي بتحويل وجهة الصلاة إلى مكة. أما حادثة الأسراء والمعراج، فهي الرحلة التي انتقل بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المسجد الأقصى ليعرج من هناك إلى السماء ثم يعود إلى مكة المكرمة في ليلة واحدة.