*رنـده حيـدر

شهدت السنة الثانية لانتفاضة "المسجد الأقصى" تصاعداً كبيراً في العمليات الفلسطينية أعاد إلى الأذهان صورة الأشهر الأولى لها. ولقد بلغت هذه العمليات لا سيما الاستشهادية منها الذروة في شهر مارس/ آذار الماضي حيث لم يكن يمض أسبوع من دون وقوع عملية ضخمة تحصد خسائر بشرية بين المدنيين. كل ذلك أدى إلى مزيد من التدهور في الوضع الأمني والعسكري مع ما رافقه من خطوات عسكرية إسرائيلية كان أهمها إعادة احتلال المدن الخاضعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

ولقد كان لهذا التدهور بالإضافة إلى الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة على الإرهاب في أعقاب الهجمات على البرجين التوأمين في 11 سبتمبر/ أيلول 2001 انعكاساته الكبيرة على السياسة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين، فلقد استغل أرييل شارون الظرف لتضييق الخناق على السلطة الفلسطينية، والعمل على عزل زعيمها ياسر عرفات معلناً رفضه لأي حوار مع الفلسطينيين في ظل إطلاق النار، مما أدى إلى غياب أي أفق سياسي للحل وإلى شعور عام لدى الجمهور الإسرائيلي بأن المواجهات ستستمر لوقت غير محدد، وهي تتطلب نفساً طويلاً وقدرة على الصمود وتحمل الضربات والخسائر البشرية والمادية.

ازدياد الانقسام داخل الرأي العام الإسرائيلي


نشط في معسكر اليمين من جديد دعاة مشروع ترحيل الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن، واعتبار الأردن هو دولة الفلسطينيين
قد يكون أحد أهم انعكاسات السنة الثانية للانتفاضة تكريس الانقسام في الرأي بين دعاة الحل العسكري للانتفاضة من أنصار اليمين الراديكالي والديني القومي المنادي بفرض الحلول بالقوة على الفلسطينيين وإلغاء اتفاقيات أوسلو وإسقاط السلطة الفلسطينية وإعادة احتلال الضفة الغربية، وبين دعاة اليسار المؤمن بالحوار وسيلة للتوصل إلى إنهاء النزاع وأنه لا مجال للخروج من دائرة العنف الدموي والاقتتال إلا عن طريق تسوية سياسية.

ولقد ظهرت نتيجة لهذا الانقسام تيارات وتنظيمات مختلفة ومتضاربة الأهداف، ففي معسكر اليمين نشط من جديد دعاة مشروع ترحيل الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن واعتبار الأردن دولة الفلسطينيين. ومن أبرز المؤيدين لهذه الخطة أنصار حزب "موليدت" الذي اغتال الفلسطينيون زعيمه رحبعام زئيفي. فلقد استغل الحزب مقتل زعيمه والعمليات الاستشهادية ليعود بالمطالبة "بترحيل" الفلسطينيين طوعاً أو قسراً إلى الأردن.

ومن الظواهر الأخرى التي أثارتها الانتفاضة أيضاً ظهور نشاط التنظيمات اليهودية الإرهابية اليمينية التي كانت وراء مقتل عدد من المواطنين العرب وزرع عبوات متفجرة في أماكن عامة ومدارس للفلسطينيين.

في المقابل شهدت إسرائيل أيضاً حركات رافضة لاستخدام القوة في معالجة الانتفاضة، ومن بين أهم هذه الحركات رافضو الخدمة العسكرية داخل المناطق الفلسطينية. فقد بدأ هذا التحرك في شهر فبراير/شباط الماضي عندما نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عريضة حملت توقيعات جنود وضباط إسرائيليين أعلنوا رفضهم الخدمة في الضفة والقطاع احتجاجاً على الممارسات الوحشية للجيش إزاء الفلسطينيين. وبحسب معطيات وأرقام نشرتها حركات السلام في إسرائيل كان هناك نحو 400 جندي يرفضون أداء خدمتهم في المناطق أحيل بعضهم إلى المحاكمة وصدرت بحق الكثير منهم أحكام بالسجن كانت تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.

وإلى جانب تحرك رافضي الخدمة من الجنود الإسرائيليين برز تحرك أنصار السلام الذي وإن كان محصوراً وضيقاً فإنه ظل حاضراً. ومن بين نشاطات هذا الفريق تظاهرات شعبية شهدها مطلع شهر مايو/أيار أيّدت العودة إلى المفاوضات مع الفلسطينيين وأدانت استمرار الاحتلال الإسرائيلي، هذا إلى جانب نشوء تجمعات وتنظيمات مشتركة إسرائيلية فلسطينية يتزعمها دعاة سلام إسرائيليون أمثال يوسي بيلين ويوسي ساريد تعمل على تشجيع الحوار بين الطرفين.

انعكاس الانتفاضة على فلسطينيي 1948


ازداد بشكل ملحوظ تعاون أفراد من عرب إسرائيل مع منفذي الهجمات الفلسطينية داخل إسرائيل
ربما يكون من أهم التأثيرات السلبية التي حملتها السنة الثانية للانتفاضة انعكاسها على العلاقة بين اليهود وعرب 48 من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية. فقد أدى ظهور تعاون بعض عرب الداخل مع فلسطينيي الضفة وغزة والتأييد العارم من فلسطينيي 48 للانتفاضة الذي واجهته قوات الأمن الإسرائيلية بوحشية فقتلت نحو 13 عربياً منهم في تظاهرات سلمية شهدتها المدن الفلسطينية في إسرائيل لدى بدء الانتفاضة.. أدى ذلك إلى توتر كبير في العلاقة بين الأقلية العربية وبين السلطات الحاكمة في إسرائيل كان أحد مظاهرها المقاطعة العربية لانتخابات رئاسة الحكومة التي جرت في فبراير/شباط 2001 وأدت إلى فوز أرييل شارون.

في السنة الثانية للانتفاضة ازداد بشكل ملحوظ تعاون أفراد من عرب إسرائيل مع منفذي الهجمات الفلسطينية داخل إسرائيل، واعتقلت السلطات الإسرائيلية أعدادا من هؤلاء بتهمة المشاركة في "التخريب"، وكشفت عن عدد من الخلايا داخل المدن العربية في إسرائيل المتورطة بحسب أجهزة الأمن في العمليات.. كل ذلك أدى إلى سياسة تشدد إزاء هذه الأقلية ذهبت إلى حد استصدار قانون يقضي بنزع الجنسية الإسرائيلية وإبعاد كل عربي يثبت ضلوعه في العمليات الفلسطينية ضد إسرائيل.
كما شهدت السنة الأخيرة حملة تضييق سياسي ضد الزعامات السياسية للأقلية العربية، وكان أحد أهم مظاهرها تحويل عضو الكنيست عزمي بشارة زعيم حزب التجمع الوطني الديمقراطي للمحاكمة بتهمة دعم "الإرهاب" وزيارة دول معادية لإسرائيل. أذكى ذلك كله مشاعر العداء والكراهية بين اليهود والعرب داخل إسرائيل وفاقم بصورة كبيرة من إحساس الأقلية العربية بالخوف والحذر وعدم الاستقرار.

اتجاهات رأي الجمهور الإسرائيلي


وفي آخر استفتاء شعبي أعرب نحو 75% من الإسرائيليين عن عدم رضاهم عن سياسة رئيس الحكومة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي
كان واضحاً في السنة الثانية للانتفاضة أن المواجهة العسكرية غير المتكافئة الدائرة بين الجيش الإسرائيلي والتنظيمات الفلسطينية المسلحة قد اتخذت منحى جديداً، وذلك مع استخدام العمليات الاستشهادية ضد المدنيين الإسرائيليين سلاحا للضغط على إسرائيل في أكثر مواضعها ضعفاً، أي جبهتها الداخلية. والمبدأ الذي استندت إليه العمليات الاستشهادية هو صحيح أن الجيش الإسرائيلي هو أقوى جيوش المنطقة، لكن المجتمع الإسرائيلي مجتمع غير قادر على تحمل الضربات والخسائر.

وفي الواقع أظهرت السنة الثانية للانتفاضة الثمن الكبير الذي يدفعه المدنيون الإسرائيليون من حياتهم، فكشفت البيانات الإحصائية الصادرة عن الجيش الإسرائيلي بشأن الخسائر الإسرائيلية أثناء الانتفاضة بدءا من شهر سبتمبر/ أيلول 2000 وحتى شهر أغسطس/ آب 2002 أن الخسائر في أرواح المدنيين الإسرائيليين أكبر بضعفين من الخسائر العسكرية. ووفقاً لهذه الإحصاءات فقد قتل في هذه الفترة 428 مدنيا مقابل 186 عسكريا أو شرطياً. وبلغ عدد الجرحى من المدنيين 3203 مقابل 1311 شرطياً أو جندياً. أو من بين ما مجموعه 614 قتيلاً إسرائيليا هناك 227 مدنياً قتل في العمليات الاستشهادية الفلسطينية داخل المدن الإسرائيلية.

كل ذلك انعكس على الرأي العام الإسرائيلي وعلى مواقفه السياسية وتوجهاته العامة. فعلى الصعيد السياسي أدى تصاعد العمليات الفلسطينية إلى ازدياد التشدد وميل الجمهور الإسرائيلي نحو اليمين. وشهدت الأشهر الثلاثة الأولى لهذا العام صعوداً مضطرداً في شعبية شارون بلغ الذروة في شهر أبريل/ نيسان حيث أشارت استطلاعات الرأي التي نشرتها الصحف الإسرائيلية إلى أن 62% من الجمهور يثق بشكل عام بشارون ويؤيد عملية "السور الواقي" التي بموجبها أعاد الجيش الإسرائيلي احتلال مدن الضفة الغربية، لكن هذا الجمهور نفسه ما لبث أن عاد وتراجع عن تأييده لرئيس الحكومة في الأشهر التي تلت لا سيما بعد أن تبين له أن العمليات العسكرية الواسعة النطاق لم تنجح في وضع حد نهائي للهجمات الفلسطينية ولا استطاعت إنهاء الانتفاضة.

ومن المتغيرات التي أثارتها أحداث السنة الثانية للانتفاضة أنه رغم التوجه اليميني للجمهور الإسرائيلي وميوله الصقرية وتأييده استخدام القوة العسكرية، فإن أغلبية لا بأس بها منه مقتنعة بضرورة إيجاد تسوية سياسية للنزاع مع الفلسطينيين، وأن مثل هذه التسوية لا يمكن أن تحدث من دون التنازل عن المستوطنات اليهودية في الضفة وغزة. هذا ما أظهرته استطلاعات الرأي لشهر مارس/ آذار الماضي حيث تبين أن 60% من الجمهور الإسرائيلي مستعد للتنازل عن المستوطنات في إطار التسوية مع الفلسطينيين، وأن 45% مع تفكيك كل المستوطنات. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل بوضوح على قناعة متزايدة وسط الإسرائيليين بأنه لا مجال للتوصل إلى إنهاء النزاع مع الفلسطينيين عن طريق القوة العسكرية وحدها وإنما بواسطة رؤية سياسية واضحة للحل النهائي الذي بدا واضحاً أن حكومة شارون تتهرب من طرحها قبل القضاء الكامل على كل ما حققه اتفاق أوسلو من نتائج وإنجازات للفلسطينيين.

وكان بالإمكان رصد ظواهر عامة وسط المجتمع الإسرائيلي منها مثلاً الشعور العام بعدم الرضا وعدم الثقة بالوضع الإسرائيلي عامة، وازدياد نسبة المتشائمين (75% قالوا إنهم من المتشائمين في أحد الاستطلاعات)، كما أدت العمليات الاستشهادية إلى انتشار حالة من الخوف والهلع والحذر من ارتياد الأماكن العامة. ففي استطلاع نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" في شهر أبريل/ نيسان قال نحو 67% من الإسرائيليين إنهم يرفضون الخروج ليلاً إلى أماكن اللهو، وهو ما يعني أن نحو ثلثي السكان رهن الأسر المنزلي خلال ساعات الليل.

وفي آخر استفتاء شعبي أجرته صحيفة "معاريف" في شهر أغسطس/ آب أعرب نحو 75% من الإسرائيليين الذي شملهم الاستفتاء عن عدم رضاهم عن سياسة رئيس الحكومة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وعارض 63% موازنة الحكومة لعام 2003 التي حملت تقليصات في الخدمات الاجتماعية. وكان واضحاً أن أهم النتائج السلبية التي نتجت عن استمرار الانتفاضة في عامها الثاني كان الأزمة الاقتصادية.

تأثير الانتفاضة في الاقتصاد الإسرائيلي

الخسائر الإسرائيلية

بدأت الانتفاضة الفلسطينية في وقت كان فيه الاقتصاد الإسرائيلي يمر بفترة انتعاش، فلقد وُصفت السنة السابقة لها (أي السنة الأولى من ولاية إيهود باراك) بأنها كانت أفضل السنوات في تاريخ الاقتصاد الإسرائيلي حيث قاربت نسبة النمو الاقتصادي 8% وبرز فائض في الموازنة وظهر نمو في التصدير وارتفاع في حجم الاستثمارات الأجنبية.

وبدأت الآثار السلبية للانتفاضة تنعكس على الحياة الاقتصادية في إسرائيل منذ الأشهر الأولى لنشوبها، وزاد في ذلك ظروف اقتصادية عالمية مثل التباطؤ في الاقتصاد العالمي وانهيار سوق الأسهم التكنولوجية وارتفاع سعر النفط.

في السنة الثانية للانتفاضة بلغت الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإسرائيلي حوالي 50 مليار شيكل (11 مليار دولار) وذلك بحسب تقديرات الخبراء في وزارة المالية الإسرائيلية. ووفقاً للتقديرات الرسمية فإن مستوى النمو سيبلغ 1% فقط.

وبالاستناد إلى تقرير بنك إسرائيل رقم 95 فقد أدت الانتفاضة إلى انخفاض يزيد على 50% في نسبة مجيء السيّاح إلى إسرائيل مما أدى إلى انخفاض عائدات السياحة بنسبة 10%. كما أدت الانتفاضة إلى انخفاض حاد يوازي 80% في عدد عمال المناطق الفلسطينية الذين يعملون في إسرائيل مما ألحق ضرراً شديداً بقطاعي البناء والزراعة حيث يشكل عمال المناطق نحو ربع مجموع العاملين فيهما.

وأدت الأزمة العالمية في قطاعات التكنولوجيا إلى إلحاق ضرر شديد بالشركات الإسرائيلية العاملة في هذا المجال مما دفعها إلى تسريح الآلاف من موظفيها في السنة الحالية.

ومن أبرز القطاعات المتضررة قطاع الاستثمارات الأجنبية، فنتيجة ازدياد الخطر الأمني في إسرائيل والانخفاض الحاد في مؤشر نازدك وصعوبة إصدار الأسهم في الخارج، انخفضت قيمة الاستثمارات الأجنبية حوالي 70%.

انعكست الأزمة الاقتصادية على مشروع الموازنة إذ وجدت الحكومة نفسها ملزمة بتطبيق خطة تقليصات حادة على بنود موازنتها تناولت عدداً من القطاعات بينها قطاع التربية والتقديمات الاجتماعية، الأمر الذي أثار موجة من الانتقادات العارمة وكاد يهدد بسقوط حكومة أرييل شارون. ومن المفترض أن تطرح الموازنة على الكنيست لإقرارها في الشهر المقبل.

تأثير الانتفاضة في الهجرة إلى إسرائيل


لا يقوم مكتب الإحصائيات المركزية بجمع معلومات عن الهجرة نظراً لأن ثمة موقفا أيدولوجيا من اليهود الذين يختارون النزوح عن إسرائيل إذ ينظر إليهم بوصفهم خانوا وطنهم
انخفض عدد المهاجرين إلى إسرائيل بصورة ملحوظة في السنة الأولى والثانية للانتفاضة، ووفقاً للأرقام الإسرائيلية فقد وصل في الأشهر الستة الأولى لعام 2001 نحو 24 ألف مهاجر مقابل 32 ألفاً في الفترة نفسها عام 2000 و37 ألفا عام 1999.

وبالاستناد إلى تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" في 2/4/2002 فإن نحو ثلث السكان اليهود
(27%) الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عاما يفكرون في النزوح عن إسرائيل يدفعهم إلى ذلك الخوف من الهجمات والصعوبات الاقتصادية. ورغم ذلك من الصعب التوصل إلى أرقام دقيقة عن معدل النزوح عن إسرائيل نظراً لمحاولات إسرائيل تجاهل هذه الظاهرة وعدم قيام مكتب الإحصائيات المركزية بجمع معلومات عنها لأن ثمة موقفا أيدولوجيا من اليهود الذين يختارون النزوح عن إسرائيل، إذ ينظر إليهم بوصفهم خانوا وطنهم. لكن الأكيد أن تدهور الحالة الأمنية والاقتصادية في إسرائيل والبحث عن فرص عمل أخرى في الخارج هما أحد أهم الأسباب للنزوح عن إسرائيل اليوم.

وقع الانتفاضة على الاستيطان اليهودي وحياة المستوطنين

مما لا شك فيه أن الانتفاضة الفلسطينية أعادت من جديد طرح مشكلة وجود المستوطنات اليهودية داخل المناطق الفلسطينية، وأثارت العبء الأمني الذي تفرضه على الجيش الإسرائيلي وعلى حياة الإسرائيليين عامة.

ويبلغ عدد المستوطنين اليهود اليوم في الضفة الغربية وغزة نحو 200 ألف مستوطن نحو 81% منهم من اليهود المتدينين، ونحو 11% من العلمانيين. 69% منهم من الأشكناز الغربيين و20% من السفارديم الشرقيين. يتمتع هؤلاء المستوطنون بامتيازات مالية واجتماعية وخدمات حكومية خاصة لا يعرفها سكان إسرائيل مثل الإعفاء من نسبة معينة من ضريبة الدخل، والحصول على قروض ميسرة ومنح وخدمات اجتماعية. وتقوم قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي (ما بين 50 و60 سرية من سلاح المشاة تضم كل واحدة منها 100 جندي في غزة) بحماية المستوطنات، وتقدر كلفة الجنود الذين يقومون بتأمين حماية المستوطنين بـ75 مليون شيكل في السنة.

ولقد انعكست الانتفاضة بصورة واضحة على واقع حال المستوطنين الذين باتوا لا يستطيعون التنقل على الطرق من دون حماية عسكرية، وبات طلاب المدارس يذهبون إلى مدارسهم في باصات مصفّحة ضد الرصاص. وتوترت العلاقة بين المستوطنين والجنود الإسرائيليين مع تزايد الهجمات عليهم وتحوّلهم إلى هدف أساسي للعمليات، فأخذوا يطالبون الجيش بالمزيد من استخدام العنف والقمع ضد الفلسطينيين، ودعا بعضهم إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم.

وفي السنة الثانية من الانتفاضة ازداد الجدل الداخلي بين الإسرائيليين بشأن مستقبل المستوطنات اليهودية داخل الضفة وغزة بعدما اتضّح للجميع أن وجودها يشكل عقبة كبيرة في وجه التوصل إلى حل دائم مع الفلسطينيين. ويمكننا تلخيص المواقف الإسرائيلية بهذا الصدد على النحو التالي:

  1. هناك أولاً موقف رئيس الحكومة شارون الذي لا يتوقف عن التشديد على أن أية مستوطنة لن تُخلى أو تفكك خلال أيام ولايته، وهذا هو الموقف الذي تدعمه عامة أحزاب اليمين القومي والأحزاب الدينية المتشددة.
  2. وهناك موقف حزب العمل المؤيد لتفكيك المستوطنات المعزولة وإخلائها وضم الكتل الاستيطانية الكبرى إلى إسرائيل مقابل التعويض على الفلسطينيين بأراض تعطى لهم.
  3. وهناك أخيراً موقف اليساريين وأنصار السلام الذين يعتبرون وجود المستوطنات في الضفة وغزة إنما هو لأهداف سياسية وأن على الدولة أن تعهد تأمين حياة المستوطنين داخل حدودها والتعويض عليهم. ويرفض هؤلاء أن يحتكر المستوطنون مستقبل حياة الإسرائيليين عامة. هذا هو رأي يوسي ساريد زعيم المعارضة الإسرائيلية، وأوري أفينري رئيس كتلة السلام، وعدد من المثقفين والكتاب والصحفيين الإسرائيليين أمثال دافيد غروسمان وعاموس عوز وأ. ب. يهوشواع وتوم سيغيف الذين يعتقدون أن الحل الوحيد للنزاع مع الفلسطينيين هو إعلان الحدود الواضحة لدولة إسرائيل وحل مشكلة المستوطنات والقبول بدولة فلسطينية مستقلة في الضفة وغزة.

خلاصة
ما تعيشه إسرائيل اليوم من واقع سياسي وأمني واقتصادي يتأثر إلى حد كبير بالمواجهات الدامية المستمرة منذ عامين بين الفلسطينيين نتيجة فشل مفاوضات كامب ديفد صيف 2000 وتعثر المسار السياسي.

وإذا كانت أحداث السنتين الماضيتين تركت آثاراً مدمرة في الحياة السياسية الفلسطينية وغيّرت بصورة جذرية واقع الحال الذي كان سائداً قبل نشوب انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر/ أيلول 2000، فإن الآثار السلبية في الحياة السياسية الإسرائيلية لا تقل دماراً باعتراف الإسرائيليين أنفسهم. وللخروج من النفق المظلم الذي يعيشه الطرفان لا بدّ من حدوث تغيير سياسي على مستوى السلطة في إسرائيل يبعد عناصر التشدد والتطرف اليميني القومي الذي يحكم إسرائيل حالياً، ويعيد الأطراف الإسرائيلية المعتدلة من جديد إلى السلطة. ومثل هذا التغير صعب قبل حلول موعد الانتخابات العامة في إسرائيل في مايو/ أيار 2003. وحتى ذلك الحين ستظل المنطقة تدفع ثمن الأيدولوجيا اليمينية المتطرفة التي لا تزال تؤمن أن بإمكان إسرائيل أن تفرض واقع احتلالها على الفلسطينيين وأن تمنع تحقيق إرادتهم بتقرير مصيرهم وبناء دولتهم الفلسطينية المستقلة.
ـــــــــــــــ
* صحفية لبنانية مختصة بالشؤون الإسرائيلية.