أبو العلا ماضي

لقد تشكل وعينا من الصغر على وقع أكبر هزيمة عربية في القرن العشرين، وهو ما يدفعنا لرسم الصورة الشعبية حال حرب 67 ونتائجها ثم كيف هي الآن.

الحالة الشعبية العربية قبل حرب 67
الحالة الشعبية العربية بعد حرب 67

الحالة الشعبية العربية قبل حرب 67

قبل حرب 67 كان هناك حالة مد قومي كبير تقوده مصر بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر في المنطقة العربية، وبالتالي النموذج المصري كان ملهماً لوعي للشعوب العربية وقائدا لها. لذلك سوف ننظر للحالة المصرية الشعبية كنموذج للحالة العربية في مرحلة ما قبل الحرب، خاصة وأنها شكلت رافعة شعبية ومعنوية للوضع العربي ومنها الدول المعنية بحرب 1967.

التنظيمات السياسية:
شعر قادة ثورة يوليو/تموز 1952 فور وصلهم الحكم أنهم بحاجة لتنظيم شعبي يمثلهم في المجتمع بعد أن كان حزب الوفد هو أكبر حزب سياسي يحوز الأغلبية فتم حله كما تم حل جميع الأحزاب عام 1953، واستثنيت حركة الإخوان المسلمين في البداية ثم ما لبثت أن حُلت بعد أن اصطدمت بالثورة عام 1954.

وأنشأ ثوار يوليو أول تنظيم سياسي يعبر عنهم وكان اسمه "هيئة التحرير" من عام 1953 حتى 1956، وبعد حرب السويس عام 1956 أنشأ الثوار تنظيما جديدا تشرف عليه الدولة أطلق عليه اسم "الاتحاد القومي" واستمر هذا التنظيم في العمل من أوائل عام 1957 حتى ما بعد انفصال مصر عن سوريا وانتهاء تجربة الجمهورية العربية المتحدة عام 1961.

في نوفمبر/ تشرين الثاني 1961 عقدت اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية اجتماعها الاول، وفي مايو/ أيار 1962 عُقد المؤتمر الوطني للقوي الشعبية لاختيار قيادات من النقابات المهنية والعمالية والاتحادات الطلابية موزعة جغرافياً، وتم إعلان "الميثاق الوطني" والإعلان عن تأسيس "الاتحاد الاشتراكي العربي" كتنظيم سياسي شعبي جديد بدلاً من "الاتحاد القومي".

وبعد سنتين من تأسيس "الاتحاد الإشتراكي العربي" الذي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة تم تأسيس تنظيم داخل الاتحاد الإشتراكي سراً لمن يضمن ولاءهم سمي "التنظيم الطليعي" ولا أدري ما حاجة نظام يتحكم في الدولة كلها إلى إنشاء تنظيم سري.

في نفس العام 1964 تم تأسيس "منظمة الشباب الاشتراكي" كتنظيم مكتمل من القاعدة للقمة لكنه يتبع الاتحاد الإشتراكي أي أحد تنظيماته وإن كانت تشكيلاته شبه مستقلة عنه، ويتبع أمين الاتحاد الإشتراكي الذي كان في ذلك الوقت علي صبري.

تشكل وعي الشباب في المنظمة على أفكار هي خليط بين الماركسية والاشتراكية والقومية والإسلام وإن كان المكون اليساري الماركسي أكبر فمال معظم خريجي المنظمة إلى الفكر اليساري الماركسي، وقاد عدد من قيادتها فيما بعد مظاهرات عام 1968 احتجاجاً على محاكمات ضباط الطيران المتسببين في الهزيمة، وكان هذا دافعاً للرئيس عبد الناصر لأن يأمر بتجنيد بعض قيادات المنظمة الموالين للنظام الحاكم في "التنظيم الطليعي" التشكيل السري، ومنع منظمة الشباب من النشاط في الجامعات والسماح فقط للتنظيم الطليعي.

أحداث مؤثرة 

"
من أهم ملامح القوة الشعبية تنامي الحلم في مصر كدولة عظمى وقائدة للأمة العربية وانتشار المد القومي الشعبي في بلدان عربية كثيرة تأثراً بزعامة الرئيس عبد الناصر ومشروعه القومي
"
وقعت أحداث قبل حرب 67 وكان لها أثر على الحالة الشعبية:

1- قرار الشيوعيين المصريين بحل تنظيماتهم المستقلة، والإفراج عنهم من السجون في أبريل/نيسان 1965، وقرارهم دخول الاتحاد الإشتراكي والتنظيم الطليعي كأشخاص، وإن كانت السلطة في ذلك الوقت اختارت عددا منهم ممن ارتاحت لولائهم وقبلتهم في هذه الأماكن، ودخل عدد من الماركسيين إلى المؤسسات الصحفية الإعلامية والثقافية وكان أبرزهم الكاتب محمد سيد أحمد حيث أشرف على صفحة الرأي في "الأهرام" ولطفي الخولي أصدر مجلة "الطليعة" وكمال رفعت أصدر مجلة "الكاتب" وكانوا على يسار النظام وكان ذلك أيضاً بدايات مناخ نقدي.

2- اعتقال الإخوان المسلمين في أغسطس/ آب  1965 بالآلاف، وجرت محاكمات وأُعدم عدد من قادة الجماعة علي رأسهم المفكر والكاتب سيد قطب، وسُجن وشُرد الكثير وتم استئصال الإخوان من الحياة السياسية وبالطبع هؤلاء أثروا في دوائر محيطة بهم ومتعاطفة معهم مما وفر مناخاً سلبياً كان بمثابة تهيئة سلبية لأجواء ما قبل معركة يونيو/ حزيران 1967.

3- بروز "منظمة الشباب الاشتراكي" التي سبق ذكرها والتي روﱠج برنامجها الفكري لمشروع نهضوي كبير، وكان هناك تصور بأن مصر دولة كبرى: أليس لديها أقوى جيش في المنطقة؟ ألم تتبن الاشتراكية والتنمية المستقلة وعملية التصنيع والعدالة الإجتماعية؟ فكانت آمال كبار، وعبر عن هذا الحلم والأمل الدولة بجهازها الرسمي والإعلامي، فكانت الهزيمة شرخ كبير صدم حلم هؤلاء الناس.

أهم ملامح القوة والضعف في الحالة الشعبية:
نخلص مما سبق إلى أن من علامات القوة في الوضع الشعبي عشية حرب 67 ما يلي:

  • كانت هناك حالة شعبية معقولة في منظمة الشباب وذلك لأنها تحمل بوادر التمرد، وهو ما حدث عند أول اختبار بعد الهزيمة.
  • كان هناك رضا شعبي عن الإنجازات على المستوى الإجتماعي عند قطاعات متسعة ممن استفاد بمجانية التعليم وتطوير الريف بالوحدات الصحية والمدارس وتوزيع الأراضي على صغار الفلاحين واتساع الطبقة المتوسطة.
  • تنامي الحلم في مصر كدولة عظمى وقائدة للأمة العربية، وانتشار المد القومي الشعبي في بلدان عربية أخرى تأثراً بزعامة الرئيس عبد الناصر ومشروعه القومي وخاصة تحديه للولايات المتحدة الأميركية والصراع العربي الصهيوني، وتأسيسه لمنظمة دول عدم الإنحياز.... إلخ.
  • ازدياد الروح النقدية في الصحافة بشكل نسبي لوجود رموز ماركسية سبق الإشارة إليها.

كما كانت علامات الضعف في الحالة الشعبية التي سبقت نكسة 1967 ما يلي:

  • التضييق على الحريات ومنع الأحزاب والقوى السياسية المخالفة وذلك منذ حل الأحزاب جميعاً ثم حل الإخوان واعتقالهم واعتقال الشيوعيين وانتهاك حقوق الإنسان بشكل كبير في السجون والمعتقلات.
  • تأميم الدولة للسياسة واختزالها في حزب واحد هو حزب السلطة بمراحله الثلاث (هيئة التحرير، الاتحاد القومي، الاتحاد الإشتراكي).
  • وجود شرائح أخرى معادية للنظام ممن تأثروا بالتأميم أو مصادرة الأراضي أو حل الأحزاب والجماعات، وكان آخرهم اعتقال الإخوان عام 1965 كما ذكرنا.
  • الانفصال بعد الوحدة بين مصر وسوريا الذي جرى بقرارات فوقية وليس بمشاركة شعبية أدى لإضعاف وإنهاك النظام والشعور الشعبي.

الحالة الشعبية العربية بعد 67

تركت هزيمة 67 أثرا كبيرا على الحالة الشعبية في مصر التي كانت قبل الحرب هي الرائدة للحالة العربية، وفي بقية العالم العربي عموما:

علي المستوي المصري
1- تمرد شباب الجامعات المصرية بقيادة منظمة الشباب الاشتراكي التي أنشئت لتكون الذراع الشبابية للنظام الناصري وذلك مرتين في سنة واحدة عام 1968 في فبراير/ شباط عقب محاكمات الهزيمة، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من نفس العام احتجاجاً على قمع طلاب المدارس الأزهرية والثانوية في مدينة المنصورة، وكانت مطالب الشباب تتركز على الحريات ومواجهة مراكز القوى والسعي لتحرير الأرض المحتلة.

2- بعد وفاة الرئيس عبد الناصر عام 1970 وتولي الرئيس السادات السلطة نادى بأن 1971 هو عام الحسم لتحرير الأرض المحتلة، ومر عام 1971 دون حسم فخرجت مظاهرات غاضبة من طلاب الجامعات في فبراير/ شباط 1972 وتصادمت مع السلطة وأجهزة الأمن واعتقل العشرات، لكنها كانت وسيلة ضغط ناجحة وكانت دافعاً لحدوث معركة العبور عام 1973.

3- تبلور تيار ماركسي في الجامعات أوائل السبعينيات كل رموزه وقادته من خريجي منظمة الشباب الاشتراكي.

4- ظهر تيار قومي ناصري بدأ يبتعد عن تجربة الدولة الناصرية ويوجه لها نقدا وخاصة فيما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان.

5- ظهور تيار إسلامي جديد مستقل عن الإخوان تقاسم السيطرة على الحركة الطلابية في السبعينيات مع التيارين الآخرين، ثم انضم عدد كبير من رموز التيار الإسلامي إلى الإخوان نهاية السبعينيات.

7- بعد انتصار أكتوبر/ تشرين الأول 1973 والانفتاح الاقتصادي والتعددية الحزبية المقيدة التي أطلقها السادات، فاجأ الرئيس الجميع بذهابه إلى القدس في نوفمبر/تشرين الثاني 1977، ثم التوقيع على إطار السلام في كامب ديفد عام 1978 ثم اتفاقية السلام عام 1979 بين مصر وإسرائيل، وخرجت من الموقف العربي الموحد إلى الموقف المنفرد، وهو الأمر الذي أحدث منذ ذاك الوقت وحتى الآن شرخا بين توجهات الحكومة المصرية وتوجهات الشعب.

على المستوي العربي:

"
أهم نتائج هزيمة 67 هو دخول الشعوب كطرف في إدارة الصراع بعد أن كانت تمنح ثقتها لأنظمة الحكم في إدارة هذا الصراع، وأصبحت الشعوب والحركات الشعبية هي التي تدير هذا الصراع
"
كان الشرخ أيضاً كبيراً في الحالة الشعبية بعد صدمة الهزيمة عام 1967، وكانت هناك أحداث أهم ملامحها:

1- ظهور منظمة التحرير والمنظمات الفلسطينية بما لها من عمق شعبي فلسطيني وعربي، وقيامها بعمليات فدائية منذ ذلك الوقت وطوال عقد السبعينيات.

2- نشأة حزب الله اللبناني بعد عام 1982 ودخوله على خط المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وخاصة في الجنوب، حتى علت أسهمه حين نجح لأول مرة في تحرير الأراضي اللبنانية عام 2000.

3- ظهور حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في فلسطين مع الانتفاضة الأولى في ديسمبر/كانون الأول 1987، وتنامي دورها حتى وصلت إلى السلطة عام 2006، كذلك ظهور حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني.

التحولات الشعبية عامة
أهم نتائج التحولات منذ نكسة 1967 وحتى الآن:

1- وبسبب أن الناس أرجعوا الهزيمة لسببين: الأول غياب الدين ودوره الفعال، فكانت ظاهرة التدين ثم الصحوة الإسلامية التي قويت في معظم الدول العربية حتى أصبحت الحالة الإسلامية رقما صعبا في الحياة السياسية العربية. والسبب الثاني: غياب الحريات فأصبح هناك الآن عشرات من منظمات حقوق الإنسان وعدد أكبر من القوى الديمقراطية التي تقاوم من أجل الحريات السياسية والديمقراطية وهي ممثلة لكل التيارات السياسية.

2- انتقال إدارة الصراع العربي الإسرائيلي المسلح من الجيوش العربية وأنظمة الحكم إلى الجماعات والحركات الشعبية والمقاومة، وخاصة بعد توقيع عدة دول عربية معاهدات صلح مع إسرائيل واختيار أنظمة الحكم العربية "السلام كخيار إستراتيجي" مما يؤكد عدم التفكير مطلقاً وكذلك عدم الاستعداد لأي حرب سواء دفاعية أو لتحرير الأراضي، مما حول الدفة كما قلت من الأنظمة الحاكمة إلى الجماعات والحركات الشعبية.

3- ظهور أشكال جديدة من المقاومة الشعبية السلمية كالمقاطعة (مقاطعة السلع والبضائع والثقافة والنشاط) مع إسرائيل أو الدول التي تعاونها وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك مقاومة التطبيع الثقافي والفكري والسياسي مع إسرائيل، ووسائل دعم الانتفاضة الفلسطينية المتكررة ضد الاحتلال.

4- تنامي المكون الديمقراطي في كل التيارات السياسية أو فصائل في كل هذه التيارات سواء كانت ماركسية أو قومية أو إسلامية أو ليبرالية، وأصبحت هناك حركات عابرة للأيديولوجيات وخاصة في المجال الديمقراطي مثال حركة (كفاية) المصرية.

وفي الختام فإن شعور الشعوب العربية بالانكسار قد يكون مضراً، وقد يكون مفيداً في حفزها لتحقيق النصر كما حدث في حرب 1973، وفي تغيير الواقع إلى واقع أفضل.

أما أهم جوانب الفائدة فهو دخول الشعوب كطرف في إدارة الصراع بعد أن كانت تمنح ثقتها في أنظمة الحكم في إدارة هذا الصراع، وأصبحت الشعوب والحركات الشعبية هي التي تدير هذا الصراع الآن سواء منه المسلح حركات المقاومة (كالجهاد وحماس وحزب الله وغيرهم) أو المقاومة المدنية كالمقاطعة ومقاومة التطبيع ودعم الانتفاضة.

كما أنه توجد الآن حركات مقاومة سلمية للاستبداد والتسلط ولغياب الديمقراطية، والتي ستنجح فيها الشعوب بإذن الله كما نجحت في مقاومة الاحتلال.
_______________
مدير المركز الدولي للدراسات بالقاهرة، وكيل مؤسسي حزب الوسط المصري