* قسم الدراسات والبحوث

فؤاد إبراهيم
المعلومات عن شيعة المملكة العربية السعودية في مجملها قليلة، ويغلب على خطاب أكثر المتحدثين في هذه المسألة الطابع السياسي بالرغم من أن الحاجة إلى فهم الواقع الفكري بعين علمية أكاديمية باتت ماسة. من هنا تأتي أهمية هذا الحوار مع المفكر السعودي الشيعي الدكتور فؤاد إبراهيم مؤلف كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي.

بداية، هل يوجد بين شيعة المملكة من يقلد مرجعا في فتواه ويخالفه في آرائه السياسية مثلا؟

نعم، ملاحظتك دقيقة، فمن حيث الانتماءات المرجعية يوجد بين شيعة المملكة قسم يرجع إلى السيد علي السيستاني في النجف الأشرف، وقسم آخر يرجع إلى السيد علي الخامنئي والسيد محمد صادق الروحاني والسيد صادق الشيرازي في إيران، وقسم منهم يرجع إلى السيد محمد حسين فضل الله في لبنان، لكن نسبة كل قسم من هذه الأقسام غير معلومة.

ألا يخشى أن تكون المرجعيات الفكرية هذه بابا من أبواب التبعية السياسية؟

لا أعتقد هذا على الإطلاق، فهذه كانت دائما التهمة المكررة أن الشيعة -لأن لديهم انتماء خارج الحدود وهو المرجع- لا بد أن يكونوا مزدوجي الولاء، وهذا غير صحيح مطلقا، لأن اتباع مرجع ديني معين لا يعني أن هناك ارتباطا سياسيا بالمرجع، فالمرجعية لدى شيعة المملكة ظلت دائما ضمن إطارها الديني.

والذي أوجد لدى بعض الحكومات هذا الانطباع (أن شيعة المملكة لديهم ولاءات خارجية) هي الثورة الإيرانية عام 1979. وفي الغالب المرجعيات الدينية ليس لها موقف سياسي متشدد إلى حد المخاصمة مع الحكومات، وبالتالي لم أجد حتى الآن من ينادي أتباعه إلى مخالفة حكوماتهم. وأتباع نظرية ولاية الفقيه المطلقة، كما هو الحال بالنسبة للسيد الخميني في السابق والخامنئي الآن، يرون أنه "لولي أمر المسلمين ولاية على مقلديه خارج الحدود، بحيث لو أصدر حكما فعليهم اتباعه".

ولكن هذه الفتوى لم تأخذ مجالا في التطبيق بحيث يمكن القول بأن المرجع الديني دخل في مرحلة تجاذب مع السلطة السياسية للأتباع الذين يعيشون في دول معينة. فإلى الآن لم تبرز هذه المشكلة، ولا تزال ضمن الاحتجاج الجدلي، ولم نجد لها تطبيقا عمليا في أي بلد من البلدان التي يوجد فيها شيعة ويقلدون مرجعيات خارج الحدود.

معروف أن للأقلية الشيعية مطالب ولديها أيضا اعتراضات محددة على بعض السياسيات التي تتعامل بها الحكومة في المملكة معهم، فدعنا نفهم حقيقة ما يجري حاليا على الأرض، ما مظاهر ما تصفونه بأنه ظلم واقع على هذه الأقلية؟

ابتداء لا يمكن القول بوجود أقلية وأغلبية في السعودية، هناك مجموعة أقليات بما في ذلك أتباع المذهب الرسمي، فهؤلاء (أتباع المذهب الرسمي) أقلية بين أقليات أخرى، وكون الشيعة يعترضون على سياسة تمييز طائفي -وهذا هو التوصيف الذي عادة يستعمل من قبل الشيعة وحتى في الدراسات الأكاديمية- فهذا لا يعني أن الأقليات الأخرى لا تتعرض للتمييز، فهي تتعرض ولكن بدرجات أقل.

من هي هذه الأقليات تحديدا؟

مثل الشيعة الإسماعيلية في الجنوب، والسنة من أتباع المذاهب الأخرى كأتباع مذهب الإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أبي حنيفة. فمثلا هناك كتابات كثيرة لعلماء سنة لا تطبع في داخل المملكة مثل كتب السيد محمد علوي المالكي مثلا، بل أكثر من ذلك صدرت في حقه فتوى بالتكفير، وكثير من كتابات أصحاب المذاهب التي ذكرتها ممنوعة من الطباعة والنشر في المملكة، فهي تطبع في بلدان أخرى من بينها مصر على سبيل المثال.

صحيح أن الشيعة يمثلون النموذج الأبرز لسياسة التمييز الطائفي ولكن الأقليات الأخرى سواء أكانت سنية أو شيعية تتعرض بدرجات وبنسب متفاوتة للتمييز الطائفي أو المذهبي.


أعتقد بضرورة تخفيض الجرعة الدينية داخل الدولة، واعتبار المؤسسات الدينية جميعا سواء الرسمية الآن أو الأهلية ضمن مؤسسات المجتمع المدني

أخيرا برأيك سيد فؤاد كيف يمكن حل هذه الإشكالية التي وصفتها بالتمييز الطائفي

أعتقد أن مقترحات الحل متنوعة.المقترح الأول هو: إعادة تشكيل أسس الدولة، فالدولة السعودية قامت على أساس ركنين:

  • الأول هو المذهب الرسمي مصدرا لمشروعية الدولة
  • والثاني هو الحق التاريخي للعائلة المالكة.

وأعتقد بضرورة تخفيض الجرعة الدينية داخل الدولة، واعتبار المؤسسات الدينية جميعا سواء الرسمية الآن أو الأهلية ضمن مؤسسات المجتمع المدني، بحيث يتحول المذهب الرسمي إلى مؤسسة ضمن مؤسسات المجتمع الأهلي، وهكذا الحال بالنسبة للمؤسسات الدينية الأخرى سواء الشيعية أو السنية، هذا أولا.

وثانيا، أعتقد بضرورة وضع نظام دستوري يكفل للجميع حرية المعتقد، وهذا يشمل جميع المذاهب الإسلامية السنية والشيعية. للأسف الشديد أن المملكة ليس فيها نظام أو دستور يكفل الحريات العامة مثل حرية التعبير وحرية المعتقد، وما زالت المطالب في كثير منها سواء أكانت من قبل السنة أو الشيعة أو حتى من قبل النخبة الوطنية الليبرالية تؤكد أن حرية التعبير لا تزال غائبة في التفكير الدستوري -إذا صح التعبير- لدى الدولة أو الحكومة.

وهذا الأمر أعتقد أنه من الضروري أن تتبناه الحكومة في المرحلة الراهنة كمخرج لحالة التوتر الديني السائدة ولامتصاص كثير من التوترات. لأن تغليب مذهب على مذاهب أخرى سواء في نظام التعليم أو في ممارسة الشعائر والمعتقدات أو في الترويج للأفكار والمعتقدات الدينية يعطي فرصة للمذاهب الأخرى أن تخترع خيارات أخرى، سواء طباعة كتب أو نشر ثقافتها من خلال وسائل قد تفسر من قبل الحكومة على أنها غير قانونية.

ولكن هذه الخيارات هي ضمن التعبير التلقائي عن الحاجة إلى إبراز الهوية واستحضارها بواسطة التجمع الديني الواحد أو لإبرازها أمام التجمعات الدينية الأخرى التي هي في الغالب تتعرض لا أقول لهجوم، ولكن لعملية اختراق من قبل المذهب الرسمي.
______________
* الجزيرة نت.