الشاعر حسن طلب

يعتقد الشاعر المصري حسن طلب أن الثقافة العربية تمر في مرحلة خواء، متهما دعاة التجديد بتنفير الناس من الشعر. وقال في مقابلة أجرتها معه الجزيرة نت في الدوحة على هامش الدورة الرابعة عشرة لمعرض الكتاب في العاصمة القطرية إن الشعر العربي المعاصر لم يعد شعر قضايا كبرى وإنما شعر اللحظات الخاصة واللاوعي، كما لم يتبق منه لا الوزن ولا اللغة ولا الإيقاع، مشددا على أن القارئ حين يجد شعرا فارغا من كل هذا فإنه بالطبع سينفر.

الشاعر حسن طلب نسألك في البداية كشاعر وناقد ما نظرتك للساحة الشعرية؟.

الساحة الشعرية تمر بمرحلة تحول من الناحية السياسية والاجتماعية وتحول من الناحية الثقافية، فوسائط الثقافة تتغير والطرق القديمة تتغير والأجيال الحديثة تبدي انبهارها واستجابتها، علما بأن هذه الفترات عشناها قبل 50 سنة، ولكن تبلورت هناك مشكلة الصراع بين المجددين أصحاب الشعر الحر والمحافظين أصحاب الشعر العمودي القديم، وقد انتصر في التحول الأول المجددون لأن المجتمع العربي كان مشتاقا إلى ما هو قادر على أن يشد الذوق والمثقف إلى المستقبل، ورأى أن الشعر القديم قد يثبت لحظة الماضي، ولكن في هذا التحول الجديد الذي نمر به -وقد انعكس على الشعر- نجد أن مجددي هذه الفترة لم يستطيعوا حسم المعركة مثل الأوائل، وذلك لأن التحول السابق قبل نصف قرن كان تعبيرا عن تطلع الجماهير الواسعة وعن شوق شعبي للتحرر من هذه الأغلال وهذه الثوابت الجامدة التي أطرت ورصدت وجمدت وعيه الجمالي والسياسي في قوالب جاهزة، وحتى عندما ننظر بتمعن في هذه الفترة نجد أن الشعر ليس هو وحده الذي انتصر بل انتصر الفكر الليبرالي وزعماء الإصلاح وتحرير المرأة، أما الآن فنحن نجد أن الشعر يفرغ من طاقته الشعرية لأنه ليس شعر قضايا كبرى وإنما شعر اللحظات الخاصة واللاوعي كما لم يتبق منه لا الوزن ولا اللغة ولا الإيقاع، كما أنهم يدعون إلى إبطال الدلالة عن اللغة العربية وهذا كلام مستورد من صيحات عدمية التجريب، والقارئ حينما يجد شعرا فارغا من كل هذا فإنه بالطبع سينفر فهذا التحول سلبي يسحب البساط من تحت كل فن شعري جاد، لأن هؤلاء الذين يحملون شعار التجديد الآن لا يعبرون عن وجدان الناس، فنحن لا زلنا مرتبطين بقضايانا الكبرى والتي تتحول فينا إلى قضايا ذاتية، فأنا كشاعر مثلا أنفعل مرغما لما يحدث للفلسطينيين وعلى أميركا عندما تفرض علينا أفكارها.

ما الحل في رأيك لهذه المشكلة؟.

الحل هو أن نعود إلى التراث لا لكي نقلد أو نحاكي بل لكي نبدع، وللناقد الراحل شكري عياد عبارة جميلة يقول فيها إنه لا بد لكل إنسان يريد أن يبدع في لغته من رحلة إلى التراث بشرط أن يذهب بتذكرة ذهاب وعودة حتى لا ينسى نفسه هناك.

نأتي للسؤال المهم عن الضجة التي أثارها ديوان "آية جيم" الذي نشرته في شكل تناص مع القرآن.

ديوان" آية جيم" هو قصيدة كتبتها سنة 1988، وقد صودر بمجرد أن نشر بأسبوع، وقد حاولوا استغلال الدين حيث كان عنوانه الفرعي "أعوذ بالشعب من السلطان الغشيم"، علما بأنني قصدت فيه الدلالة السياسية وليس الدينية فهو طعن في السلطة ومواجهتها وليس طعنا في الدين، لكنهم استندوا إلى هذه الصيغة التشكيلية علما بأن التناص مع القران إذا أجيد فإنه يدفع بالشعر إلى القمة ويربط الناس أكثر بلغة القرآن فهو نوع من الاستعانة وليس محاكاة، كما أنني أردت أن أضفي شيئا من القداسة على مقاومة السلطة الغاشمة، ومن ناحية أخرى هناك فكرة الحرف وكيف يمكن أن يقيم الشاعر أو أن يبني من حرف واحد قصيدة طويلة أو ديوان وهو ما أردت به أن أفتح مساحات من الرمز لا نهاية لتأويلها.

ولا أخفي هنا أنني كنت أقتفي أثر الصوفية من غير أن أكون صوفيا، إذ إنهم يتحدثون دائما عن الحروف ويعتبرونها كما عند ابن عربي أمة من الأمم وأن الألف هو رمز الله والميم رمز لمحمد صلى الله عليه وسلم وهكذا فهي عندهم صوتية أولا وعددية رمزية من ناحية ثانية.

دعنا نسألك عن ضحالة الساحة ونختصر السؤال عن العمل الذي قرأته وأعجبك خلال السنة الماضية؟.

الشاعر حسن طلب: أعجبتني مجموعة عفيفي مطر التي صدرت في سبتمبر/ أيلول الماضي عن مكتبة دار الأسرة والتي كانت اختيارا من كل تجربته الشعرية الماضية فقد أعطت للقارئ في نظري فرصة لتتبع إنتاج عفيفي الشعري، كما قرأت كتاب أدونيس الجزء الثالث لكنني أحسست أنه تكرار ولم يأت بجديد عما جاء به في الجزء الثاني.

نريد أن تختم لنا بالمقطع الأول من "آية جيم"؟

أعوذ بالشعب من السلطان الغشيم
الجيم تاج الأبجدية وهي جوهرة الهجاء
جمانة اللهجات أو مرجانة الحاجات
أجرومية الهزج ارتجال جر بالمجتث هجهجة الرجز
والجيم جرأة من عجز
والجيم خنجر من تجبر
إنها حجر تفجر تحت إسفنج تحجر
إن جل الجيم يوجد في البياض الجم
أبيض ما تجيء الجيم إن جهرت
وأجهر ما تجيء الجيم إن رهجت