بقلم: سلامة أحمد سلامة


تغرينى أصوات الصمت المطبقة من حولى.. تستدعينى، تستدرجنى، تلح علي كلما أصخت السمع التماسًا لما يؤنس الوحشة ويقطع السبيل على آلاف الأصوات الزاعقة من كل اتجاه.

كل إنسان يتطلع إلى لحظات يتحرر فيها من قيد الحصار المفروض عليه.. من الأوامر والنواهى التى تحدد له هويته وعلاقاته بالآخرين.. هذا السعى الإنسانى المطلق إلى الحرية، إلى الخروج من إلف العادة وروتينية الحياة اليومية، إلى التمسك بفرديته والإبقاء على ذاتيته وخصوصيته، لا يتأتى بغير الارتماء فى أحضان الهدوء الشامل، والانفراد بالذات. هنا يغوص الإنسان داخل نفسه، ويتحرر من عبودية الآخر. ينفصل عن البيئة المحيطة به ليعيد الاتصال بنوازعه الداخلية ومشاعره الحميمة.

وفيما بين الوصل والفصل تتبدى حقائق الأشياء. ويتعرى الإنسان من طبقات الزيف المتراكم فوق مشاعره كما تتراكم الأدران فوق جسم الدابة. وما بين المحو والإثبات تتجلى مفردات الحياة ومظاهر الطبيعة فى أعماقها الحقيقية وأبعادها غير المرئية. وويل للإنسان الذى تحرمه ظروف الحياة ووطأة العيش من فسحة الروح وقدرتها على الانطلاق من سجن الأحاسيس والمشاعر والأفكار الجاهزة السهلة التى تعيش داخله كل يوم وكل ساعة وكل لحظة! وويل للإنسان الذى تغتصب ضجة الحياة اليومية أحاسيسه، وتغرقه أصوات الزحام، وينهكه الجرى المتواصل فى دروب الحياة بغير لحظة توقف وتأمل!

ولكن من الذى يستطيع أن يلغى المسافة بينه وبين الآخرين.. أن يحتفظ بعقله ومداركه سليمة، وهو فى نفس البقعة من الزمان والمكان؟ إن أسوأ عقاب ينزله المجتمع بالإنسان حين يحكم عليه بالبقاء داخل مساحة ضيقة مغلقة مع آخرين. إنها أسوأ من السجن الانفرادى.. فمع الآخر يصبح السجن مضاعفًا: سجن الروح والجسد. وأكثر الثورات والمذابح الوحشية التى تقع فى السجون تنشأ من احتكاك الأجساد واختلاط الأصوات وامتزاج الروائح والأبخرة المتصاعدة من اكتظاظ البشر واختناقهم فى زنزانة واحدة. هنا يفقد الإنسان كرامته وإنسانيته وتتفجر أحط ما فيه من غرائز حيوانية. وربما كان أسوأ أنواع التدمير والتخريب هو ما ينجم عن إطلاق العنان للجموع الهادرة المتلاحمة التى تتملكها غريزة القطيع. وإذ يفلت الزمام منها، فإنها ترتكب من أعمال القتل والتدمير وإشعال الحرائق ما يصعب تصور صدوره عنهم كأفراد فى الظروف العادية. وذلك على نحو ما يحدث فى أعقاب مباريات كرة القدم من أحداث شغب.

غير أن انفلات السجين المكبل بقيود الحرمان من الحرية وتمرده على سجانيه، يختلف عن انفلات الفرد المكبل بقيود الروادع القانونية والاجتماعية. كلاهما فعل من أفعال التحرر من الآخر.. ولكن الأول تحركه آلة قمع عمياء لا تعرف العدل. والثانى تحركه الرغبة فى اختبار حدود حريته التى قد تصطدم بحرية الآخرين. الأول يشيع فى مجتمعات التخلف والقهر والطغيان، والثانى يظهر فى مجتمعات أكثر التزامًا بالقانون والنظام. فى الأول تظهر المعتقلات الجماعية، والسجون الجماعية، والمقابر الجماعية التى يكون الموت فيها هو فعل التحرر الوحيد الممكن. وهو ما يشيع فى عالمنا الثالث. حيث التشبيه الوحيد للصمت هو صمت القبور. أما صمت الهدوء الذى تعرفه الذات الحرة القادرة على الاحتفاظ بمسافة بينها وبين الآخرين، واللواذ بالطبيعة، واستئناس الوحشة، واصطناع الوحدة، فهو ما يبلغه الفرد فى المجتمعات المتقدمة بدرجات متفاوتة من التحقق.

دافيد كيلي خبير التسلح البريطاني
وعندما أقدم دافيد كيلى خبير التسلح البريطانى على الانتحار، بعد أن ضاقت حلقات الحصار حوله لتكشف عن مسئوليته فى إزاحة الستار عن التأويل المتعمد لخلق الذرائع لشن الحرب ضد العراق، لم يكن الانتحار فعلاً من أفعال التمرد على السلطة، بقدر ما كان انعتاقًا من مشاعر الذنب وتحررًا من عذاب الضمير، ونقضًا للروابط التى ألزمته أمام رؤسائه بالاشتراك فى تزييف الأدلة..

ان تحريرًا متعمدًا للذات، ورأبًا للصدع الداخلى، ولملمة للشظايا التى تناثرت تحت وطأة صراع نفسى عميق، ولم يكن ذلك ليتحقق إلا فى أجواء الحرية وامتلاك الإرادة التى لا يستمدها صاحبها إلا من داخله. وهنا تصبح إرادة الصمت الذى يمليه الموت بمثابة تعبير قوى عن الاحتجاج. فهو ليس صمتًا أخرس مقطوع اللسان عاجزًا عن الكلام، بل هو صمت زاعق يخرق الآذان.. يقدم احتجاجًا سياسيا وإنسانيا بليغًا إلى العالم كله.

***

هذا النوع من الحرية يبدو غامضًا غير مفهوم لنا فى معتقداتنا ومجتمعاتنا. ولكنه يتكرر فى المجتمعات الأخرى التى توازن بين الحرية والمسئولية، وتكافئ بينهما، وتحاسب عليهما. وباستثناء حالات فردية فى التاريخ العربى، التزم المثقف العربى الصمت إما خوفًا من السلطان أو طمعًا فى هباته. وفى كلا الحالين كان الصمت إمعانًا فى العبودية وليس فعلاً من أفعال التحرر والاحتجاج.

التوأمتان الإيرانيتان الملتصقتان لاله ولادان بيجاني

لا شيء يقارب هذا النزوع الكامن إلى الحرية.. إلى التحرر من عبودية الآخر، غير التجربة الحزينة للتوأم الإيراني: هاتين الفتاتين الملتصقتين: لاله ولادان، اللتين أمضيتا 29 عامًا ملتصقتين، لا تملك إحداهما فكاكًا من الأخرى. كل منهما لها شخصيتها المستقلة التى تختلف عن شقيقتها اختلافًا كاملاً.. حتى فى لحظات الفرح والحزن، والجوع والعطش. فيما تفضله هذه من طعام وتعافه تلك. إحداهما تكتب باليمنى والأخرى باليسرى. ولكن الطبيعة التى لا يملك الإنسان وضع نواميسها حكمت عليهما بالبقاء متلازمتين، لا ترى الواحدة منهما وجه شقيقتها إلا فى المرآة. إذا تحركت إحداهما فلابد أن تتحرك الأخرى. وإذا غلب النعاس أو الصحو إحداهما فلابد أن تنصاع الأخرى.. أى نوع من العبودية والخضوع والاستسلام للآخر، حكمت به الطبيعة على هاتين الفتاتين؟ وأى طريق للخلاص يسلكانه لتحرير الجسد والروح والعقل؟! إنها علاقة ملتبسة غريبة. هى مزيج من الحب الشديد والكره العميق المتزامن: أشبه بروحين تتصارعان داخل نفس واحدة!

ومن هنا يمكن فهم الرغبة الدفينة الجامحة التى تملكتهما للخروج من سجن الجسد، وتصارع الرغبات والمشاعر، والتطلع إلى الفردية والتفرد والانفراد. كلتاهما كانت تبحث عن الخلاص من الأخرى والارتباط بها فى وقت واحد.. ولكن بطريقة أخرى. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتفق الفتاتان على المخاطرة بالعملية الجراحية لفصلهما، على الرغم من التصاق الدماغين إلى درجة الاندماج.. وعلى الرغم من اليقين شبه القاطع بأن فصلهما قد يعنى التضحية بإحداهما أو بكلتيهما معًا.

عرفت الأختان التوأم هذه الحقيقة، وأصرتا على الانفصال فى رحلة قد تفضى بهما إلى الصمت النهائى والموت بعد رحلة تعيسة فى الحياة. وما تعرضت له الشقيقتان فى هذه المسيرة المضنية هو مثال صارخ على أن سعى الإنسان للتفرد والتحرر من عبودية الآخر هى رحلة شاقة مترعة بالمعاناة والألم.

حين يتأمل المرء فجيعة موت الشقيقتين، وفجيعة انتحار عالم الأسلحة البريطانى كيلى، فى ظرفين مختلفين أشد الاختلاف، ولأسباب وبواعث لا علاقة بينها، فلا ينبغى أن ننسى أن سعى الإنسان الشاق إلى التفرد يقابله فى الحياة العادية سعى لا يقل معاناة وألمًا للاقتراب من الآخر والارتباط به ارتباط الشفتين فى فم الإنسان.. هذا الآخر هو نفسه الذى قد يضع حدودًا وقيودًا صارمة على حريتنا، أو يكون سببًا فى التحرر والانطلاق والانفصال، بأساليب غير جراحية.. ولكنها ـ على الأرجح ـ أشد قسوة ودموية!