حشود عسكرية إسرائيلية على حدود لبنان الجنوبية
 
استعادة تاريخ الاجتياحات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية منذ نشوء الحزام الأمني عام 1978 حتى الخروج الكبير عام 2000 تكشف عن الكثير مما طرأ على الذهنية العسكرية الإسرائيلية من تطورات في المفاهيم والنظريات الأمنية، استخلصتها بعد عقود طويلة من الاختبارات والاحتلالات المتعاقبة، وهي استعادة تجيء في وقتها لفهم أهداف وأبعاد العمليات الجارية لإعادة اجتياح الجنوب اللبناني من جديد.
 
تاريخ الاجتياحات
"
الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للبنان لا تنفك عن مفهوم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية للأمن الذي اعتبرته عقيدة لدولة إسرائيل لا يمكن التهاون فيها
"
مرت الاجتياحات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية بمراحل بدأت قبيل العام 1975 بمعارك أغلبها اتخذ طابع الضربات الجوية كان هدفها استنزاف قواعد الفلسطينيين المتواجدين في مناطق العرقوب وبعض القرى اللبنانية الجنوبية القريبة من الحدود الإسرائيلية.
 
ثم انتقلت إسرائيل إلى المرحلة الثانية حينما تهيأت لها ظروف الاختراق الداخلي فور اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في ربيع العام 1975.
 
اتخذت إسرائيل خطوة متقدمة في 16 مارس/ آذار 1978 بتوسيع عملياتها العسكرية على الأراضي اللبنانية واجتاحت الجنوب ومدت وجودها الجغرافي حتى حدود نهر الليطاني شمالا، وكان أهم ما أسفر عنه هذا الامتداد فضلا عن السيطرة على جزء كبير من مياه الليطاني إقامة حزام أمني تواجدت فيها قوات إسرائيلية ولبنانية موالية أطلق على الأخيرة جيش لبنان الجنوبي الذي كان من قادته الشهيرين سعد حداد وأنطوان لحد.
 
ثم كان الاجتياح الكبير للبنان عام 1982 وما صاحبه من اعتداءات كان أشهرها وأكثرها قسوة مجزرة صبرا وشاتيلا وكان من ضمن الأهداف المعلنة لهذا الاجتياح تدمير البنية العسكرية الفلسطينية تدميرا تاما وإقامة نظام حكم يعقد مع إسرائيل معاهدة سلام.
 
جدل البقاء أم الانسحاب
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان بثلاثة أعوام (1985) نشأ جدل كبير بين الجنرالات والسياسيين الإسرائيليين بشأن خيار البقاء أو الانسحاب من لبنان، وكان من أبرز الأصوات المنادية بالانسحاب صوت الجنرال الاحتياطي في سلاح المشاة يعقوب حسدائي الذي وصف الاجتياح الإسرائيلي بـ"الخطيئة الإستراتيجية" وقال "إن استخدام القوة بصورة تتخطى المألوف يؤدي إلى إلحاق ضرر سياسي بعيد المدى بالدولة الإسرائيلية أكثر من الفائدة التي ينطوي عليها هذا الاستخدام".
 
في هذه الأثناء كانت قوة المقاومة الإسلامية تتزايد يوما بعد يوم وتمثل باضطراد تهديدا مستمرا ومتراكما لإسرائيل ولوجودها في جنوب لبنان، ومن هنا أيضا كانت العمليات العسكرية الإسرائيلية في يوليو/ تموز 1993 وصولا إلى ما سمي "عناقيد الغضب" في أبريل/ نيسان 1996 التي كانت أبرز مشاهدها الدموية مذبحة قانا. في هذه المرحلة كانت إسرائيل تواجه مقاومة مفتوحة في الجنوب والبقاع الغربي ووجدت إسرائيل نفسها أمام ثلاثة خيارات:
  1. توسيع رقعة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب والبقاع الغربي لإبعاد قوة نار المقاومة عن مستوطنات الجليل.
  2. ضرب المنشآت والمرافق الحيوية في لبنان ودفع الحكومة اللبنانية إلى صدام مع المقاومة لوقف عملياتها العسكرية.
  3. توجيه ضربات عسكرية تحذيرية وإفساح المجال أمام الاتصالات الإقليمية والدولية لتهدئة الجبهة العسكرية.
وارتاحت القيادة الإسرائيلية آنذاك للخيار الثالث وبدأت في تنفيذه بتوجيه عمليات نوعية، لكن حتى هذا الخيار بدأت الثقة تتزعزع في جدواه بعد فشل عملية كوماندوز في بلدة أنصارية الجنوبية جرت أحداثها في سبتمبر/ أيلول 1997، وقد وصف المحلل العسكري والخبير الإستراتيجي الإسرائيلي الشهير زئيف شيف هذه الثقة التي تزعزعت بقوله "مثل هذا الفشل الذي يقاس عادة بعدد القتلى وبعدم تنفيذ المهمة هو أمر لم يسبق له مثيل في تاريخ وحدات النخبة في الجيش".


 
ضمانات الانسحاب
"
عمليات المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني رفعت من تكلفة بقاء الجيش الإسرائيلي وأقنعته بأن الدفاع عن إسرائيل من خلف الحدود أقل كلفة من التوغل في أراضي الغير
"
خلقت عمليات المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني وإمكانياتها المتزايدة حالة من الارتباك في مفاهيم الأمن ونظرياته لدى إسرائيل وبدأت تفكر جديا في الثمن الذي تدفعه ومشاريع الانسحاب بأقل الخسائر الممكنة، وبدأت تفكر في تطوير عروض الانسحاب التي تقدمت بها من قبل بدءا من العام 1983 حين تقدمت بمشروع "الانسحاب مقابل اتفاق سلام" الذي رفضه لبنان لأنه لا يتم وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 425.
 
مرورا بعرض مناحيم بيغن الذي اشترط لانسحابه من لبنان انسحاب الجيش السوري المتواجد على الأراضي اللبنانية في وقت متزامن، وعرض انسحابا مشروطا بترتيبات أمنية تتماهى مع اتفاقية الهدنة وليست مع قراري 245 و426 ، ومحاولة إسحق رابين عرض الانسحاب مقابل نشر الجيش اللبناني على الحدود في الجنوب ثم توقيع معاهدة اتفاق سلام مع لبنان.
 
واستمرت عروض الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني مستمرة إلى أن تقدم شارون بمشروع للانسحاب من طرف واحد وعلى مراحل شريطة أن تأخذ الحكومة اللبنانية على عاتقها مسؤولية ملء الفراغ الناجم بعد كل انسحاب جزئي وإن لم تتمكن الحكومة اللبنانية من ضبط الأمن على الحدود يبدأ الجيش الإسرائيلي في الرد بقوة تدميرية لمواقع المقاومة مع ضرب البنى التحتية المدنية.
 
وفي العام 1998 تقدمت حكومة بنيامين نتنياهو بعرض وصف آنذاك بالمتكامل لوضع حد للتمدد الإسرائيلي في لبنان وتضمن العرض نقاطا خمسا تمثلت في:
  1. القبول بالقرار رقم 425 مع ضمان عدم استخدام الأراضي كقاعدة لنشاطات معادية لدولة لبنان.
  2. مواصلة الجيش الإسرائيلي مهماته حتى تنفيذ الترتيبات الأمنية الضرورية.
  3. التفاوض مع الحكومة اللبنانية من أجل التأكيد على ضمان أمن دولة إسرائيل.
  4. اعتبار موضوع الحزام الأمني وضمانه جزءا من قرار 425 ومن أي ترتيبات أخرى.
  5. مواصلة الجهود لإبرام اتفاقيات سلام مع دول الجوار.
تحرير الجنوب
ولم تصل هذه المشاريع إلى طريق تستطيع إسرائيل من خلاله الخروج من لبنان، فزادت من وتيرة المواجهات واستهداف البنية التحتية خاصة في يونيو/ حزيران 1999 وهو ما أدى إلى ما أسماه حزب الله آنذاك بوأد العمل بتفاهم نيسان الذي كان يحد بشكل نسبي من توسيع حزب الله لعملياته، هذا التصعيد كان له ضريبة متزايدة على إسرائيل تراكمت بشكل متزايد يوما بعد يوم حتى جاءت أحداث الـ15 من مايو/ أيار عام 2000 وهو العام الذي اقتنعت فيه إسرائيل بأن الانسحاب أحادي الجانب من الجنوب اللبناني أقل كلفة لها من البقاء.
 


لكن تفجر الأوضاع حاليا واعتزام إسرائيل إعادة الاجتياح البري للمناطق الجنوبية بعد ستة أعوام مما أسماه البعض آنذاك بـ"الهروب الكبير" ينبئ بأنها عادت لتحتكم إلى معادلتها "إن لم يرتدع العدو فلتُدَمّر قوته" وهي وإن كانت معادلة جديدة/ قديمة فإن أحدا لا يستطيع حاليا الجزم بنتائجها العسكرية والأمنية فضلا عن جدواها السياسية.
_______________
المصادر:
1- أمن إسرائيل صراعات الإيديولوجيا والسياسة، د. حسن براري، كراسات إستراتيجية، السنة الرابعة عشرة - العدد 143 - سبتمبر ‏2004‏
2- نهاية الجدار الطيب، سيرة الاحتلال الإسرائيلي للبنان 1976-2001، محمود حيدر، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، تشرين ثاني 2001
3- اسرائيل في إستراتيجيات شارون التوسعية :مفاهيم-مخططات-أبعاد، إحسان مرتضى، مجلة الدفاع الوطني، الموقع الرسمي للجيش اللبناني