إعداد: قسم البحوث والدراسات

"لا نتجاهل عذابات اليهود على مر التاريخ، وقد حان الوقت لإنهاء كل هذه المعاناة". قالها رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس في اجتماع العقبة الذي جمعه مع نظيره الإسرائيلي شارون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس الأميركي جورج بوش.

هذه العبارة الشهيرة لعباس قد تختصر طريقة إدارته للصراع الفلسطيني الإسرائيلي أثناء ترؤسه للحكومة الفلسطينية لمائة يوم، وهو ما يعد خطوة بعيدة كل البعد عن طريقة أداء الرئيس ياسر عرفات الذي يملأ الفراغ بالكلمات المناسبة لزعامته، ويجيد تطبيق الأفعال بالصيغة المناسبة لاستمرار قيادته، وذلك كله على الصعيد الفلسطيني.

أما محمود عباس فقد صاغ أداءه السياسي بما يؤهله لأن يكون الرجل الفلسطيني المقبول أميركيا وإسرائيليا، واختار الوضوح في تعاطيه مع الإسرائيليين ومع الفصائل الفلسطينية، حتى أنه لقي في بعض مراحل ولايته تفهما من معظم الفصائل الفلسطينية، وهو ما أثمر هدنة من طرف واحد هو الطرف الفلسطيني، وذلك في ظل ظروف دولية -الحرب على العراق- صعبة يعاني فيها العالم العربي بمجمله من حالة انعدام وزن فضلا عن المفاوض الفلسطيني.

أبو مازن في قمة العقبة
وبالعودة إلى قمة العقبة التي عقدت يوم 4/6/2003 وخطاب محمود عباس الذي قرأه البعض بأنه خطاب "مزايدة على عرفات" حيث تعهد فيه بإنهاء عسكرة الانتفاضة وقال إن الهجمات ضد الإسرائيليين "لا تنسجم مع تقاليدنا الدينية والأخلاقية". وفي هذه القمة تعهد عباس بالعمل بدأب على مكافحة ما أسماه التحريض على العنف والكراهية، ودعا إلى تفعيل "اللجنة الأميركية الفلسطينية الإسرائيلية لمناهضة التحريض". ومضى أكثر ليقول قولته الشهيرة السابقة الذكر "لا نتجاهل عذابات اليهود على مر التاريخ، وقد حان الوقت لإنهاء كل هذه المعاناة".

فهذا كله كان بالعين الأميركية والإسرائيلية ليس تعهدا ضد الفصائل الفلسطينية المتطرفة فقط بل ما يمس عرفات المتهم في أكثر من مناسبة بالتحريض على العنف ورعايته. ونسب البعض إلى عرفات اتهامه لعباس بالتفريط في المفاوضات، وبعضهم ذهب إلى حد القول إنه اتهمه بالخيانة.

وقمة العقبة عموما كانت إحدى العقبات في العلاقة ما بين عباس وعرفات لأسباب كثيرة، ربما أبرزها أنها جاءت في سياق تطبيق "خارطة الطريق" التي تتضمن وفق الرؤية الأميركية الإسرائيلية إبعاد عرفات واستبداله بمحمود عباس الذي حرصت الإدارة الأميركية على إظهاره على أنه الرجل المناسب لتطبيق خارطة الطريق بل إنه جزء لا يتجزأ منها.

ولهذا لم يكن غريبا أن يعمل عرفات على المقاومة بكل ما أوتي من قوة لإضعاف حكومة عباس بدءا من اللحظة الأولى التي أقر فيها المجلس التشريعي الفلسطيني التعديلات لاستحداث منصب "رئيس وزراء" مرورا بتشكيل الحكومة واعتراض عرفات على بعض شخصياتها أو على صلاحيات بعض وزرائها.

محمد دحلان
فمحمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة سابقا على سبيل المثال، تسلم وزارة الأمن بدعم كامل من عباس وعلى كره شديد من عرفات الذي أدرك على ما يبدو أن خلق ما يسمى "مجلس وزراء" أصلا يهدف إلى تجريده من قدراته العسكرية والأمنية إضافة إلى المالية وتوزيعها على وزارات متعددة تمهيدا لإحالته على التقاعد، وهذا إذا لم تنته حياته السياسية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الرؤى الأميركية والإسرائيلية التي تنظر إلى عرفات كأنه "بن لادن" فلسطين أو "صدامها".

وكان أبو مازن يصر على تفسير أفعاله على أنها وفق الدستور وأنها تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات السلطة وإصلاحها ووقف الهدر والمحسوبية فيها، وكان دائما يشدد على أن أبو عمار هو الرئيس الفلسطيني المنتخب ودعا مرارا إلى رفع الحصار عنه، وأن الأسلوب الذي ينتهجه في المفاوضات وفق خارطة الطريق التي حظيت بموافقة الدولة الفلسطينية ومؤسساتها.

فيما يرى البعض أبو مازن (محمود عباس) أنه وبشكل واضح يواصل الاتكاء على البغض الأميركي لعرفات والتأييد الأميركي المنقطع النظير له للحصول على تنازلات، وذلك من خلال الامتناع عن تشكيل الحكومة في البداية إذا لم تعط له صلاحيات حقيقية، والتهديد بالاستقالة -بعد تشكيله الحكومة- عند أي اختلاف مع عرفات، كما أنه هو المتهم بأنه وراء استقالة صائب عريقات من منصب وزير شؤون المفاوضات في الحكومة الفلسطينية واستبدله بنبيل شعث.

فالانقسام الفلسطيني ظهر بوضوح داخل السلطة، ولم يعد شأنا مخفى فقد أكدته وبشكل قاطع المظاهرات التي نعتت أبو مازن بالخيانة وهي ترفع صور أبو عمار، إضافة إلى تظاهر بعض مؤيدي دحلان في محاولة لإبقاء صورته في الضوء.

ويعتبر البعض هذا الصراع صراعا على السلطة لا على المناهج والرؤى، لأنه لا اختلاف بين عرفات وأبو مازن على المسار السلمي وهما شريكان في صنعه، بينما يرى البعض الآخر أن الصراع الذي يخاله البعض على السلطة يستبطن صراعا على تحديد الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها. فأبو مازن يريد أن يمضي حيث وقف عرفات في مفاوضات "كامب ديفد" إذ رفض التوقيع على اتفاق يتجاهل اللاجئين الفلسطينيين، فيما تجاهل أبو مازن هذا المطلب في قمة العقبة إلى جانب قضايا أخرى لا تقل أهمية، فضلا عن أسلوب الممارسة السياسية الذي يحلو لبعض مؤيدي عرفات نعت محمود عباس فيه "بالمبتدئ".
_______________
الجزيرة نت