إبراهيم خليل العلاف

واجه التيار العلماني في تركيا تحديات داخلية منذ بداياته على يد مؤسسه مصطفى كمال، وفي كل مرة كان العلمانيون يظهرون تصميما على تكريس هذا التيار سياسيا وقانونيا واجتماعيا باستخدام كل السبل بما في ذلك القوة وأشكال القمع المختلفة، وظهر مثل هذا التصميم بشكل واضح في المرات القليلة التي وصل فيها الإسلاميون أو من يحسبون عليهم إلى الحكم في البلاد.

القمع بالقوة
تنوع أساليب المواجهة

استيعاب القوى العلمانية

القمع بالقوة

تعود قصة الرفض الداخلي في تركيا للإجراءات الكمالية لعلمنة الدولة إلى بدايات هذه الإجراءات بعد تأسيس الجمهورية عام 1923 حيث واجهت سياسة الكماليين معارضة قوية تزعمها علماء الدين وشيوخ الطرق الصوفية، وتعد حركة 1925 التي قادها الشيخ سعيد بيران النقشبندي من أبرز ما واجهه مصطفى كمال، وقد قام الزعيم التركي بسحق الحركة بعنف، واعتمد سياسة فرض تياره بالقوة واستمر الأمر هكذا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

"
منذ تأسيس الجمهورية تبنى العلمانيون أسلوب القمع بالقوة لأي تيار يتحدى المبادئ العلمانية وقد توج ذلك بالانقلاب الدموي على حكومة مندريس عام 1960
"

وفي السنوات التي تلت تلك الحرب تنامت المعارضة في تركيا نتيجة لتبلور الأفكار الديمقراطية وقيام نظام تعدد الأحزاب، وكان التيار الإسلامي واحدا من قوى المعارضة وتمثل بمجموعة من المنظمات والجمعيات الإسلامية التي ظهرت بين سنتي 1946 و1948 منها جمعية الإسلام وجمعية التطهير.

وقد طالبت هذه التنظيمات حزب الشعب الجمهوري الحاكم الذي سبق أن أسسه مصطفى كمال بالتخلي عن سياسته العلمانية والتخفيف من تدخله في شؤون الناس ومعتقداتهم الدينية، كما طالبت بإلغاء القوانين العلمانية "والعمل على تربية النشء الجديد تربية إسلامية".

ولم يكن رد فعل العلمانيين حادا وقويا، بل إن تيارا ظهر في حزب الشعب الجمهوري العلماني الحاكم نفسه تزعمه حمد الله وتيكلي أوغلو يطالب بتوقف الدولة عن منع الناس من التعبير عن معتقداتهم الدينية، وفي هذه المرحلة كان رد فعل السلطة أنها قامت بالتخفيف من إجراءاتها العلمانية في ما يمثل سابقة في إطار الصراع بين التيارين.

وسط تلك الأجواء أسس جلال بايار الحزب الديمقراطي كحزب معارض سنة 1946 وتفوق في انتخابات 1954 و1957 وتهيأ لهذا الحزب حكم تركيا خلال الفترة 1950-1960 بحكومة رأسها آنذاك عدنان مندريس الذي قام بإجراءات تصالحيه مع المظاهر الإسلامية رغم أنه لم يكن إسلاميا بالأساس.

رحب مندريس بدور علماء الدين في تربية الجيل الجديد بروح الإخلاص للوطن والشريعة على حد وصفه، وألقى خطابا في إنطاكية سنة 1952 أكد فيه أن سياسة الحزب الجديدة تجاه التسامح مع التيار الديني الإسلامي لا تتعارض مع الكمالية، لكن عددا من المراقبين عدوا الخطاب بمثابة إشارة البدء بمهاجمة العلمانية.

ويبدو أن هذه الأجواء هيأت الفرصة لأعداء العلمانية فشهدت تركيا بالفعل حملة واسعة ضد القوى العلمانية حتى إن هناك من اتهم مصطفى كمال بالتخلي عن الإسلام.. كما أن سياسة الحزب الديمقراطي تلك أفسحت المجال لتنامي تنظيمات إسلامية كان لها نشاطاتها السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية منها التيجانية والنورسية والسليمانية، وقد تعززت جراء ذلك مواقع علماء الدين في الحياة الاجتماعية والتركية المعاصرة.

هذه التطورات أقنعت القوى العلمانية بأن هناك تهديدات جادة تواجهها المبادئ الأتاتوركية، وقد تعاظمت التهديدات وظهر من يعد المسؤولين العلمانيين الأتراك كفارا يجب محاربتهم، وعندما شعر الجيش الذي يصف نفسه بأنه حامي المبادئ الأتاتوركية بخطورة تلك الاتجاهات وتساهل الحزب الديمقراطي الحاكم تجاهها أقدم على القيام بانقلاب عسكري في 27 مايو/ أيار 1960 بقيادة الجنرال جمال كور سيل، وقد تشكلت لجنة الوحدة الوطنية التي أكدت أن حكومة الحزب الديمقراطي قد انتهكت الحقوق الطبيعية للأمة التركية وعطلت إصلاحات مصطفى كمال أتاتورك وعرضت المبادئ الكمالية للخطر وأنه لا بد من إنقاذ البلاد.

وقدم قادة الحزب الديمقراطي في يوليو/ تموز 1960 إلى المحاكمة بتهمة محاولة النيل من الاستقلال الوطني وإقامة النظام الدكتاتوري ومحاولة إلغاء الدستور وبعد ستة أشهر، أصدرت المحكمة عقوبة الإعدام على 15 شخصا من أعضاء الحزب الديمقراطي في مقدمتهم جلال بايار وعدنان مندريس.

تنوع أساليب المواجهة

بعد النهاية الدامية لحكومة مندريس جرى حل الأحزاب ودعا قادة الانقلاب الشعب للاعتماد على تقاليد الجيش التركي الراسخة باعتباره حامي أسس الديمقراطية التي وضعها أتاتورك. وقد حصن الجيش دوره من خلال إقامة مؤسسة جديدة نص عليها دستور 1961 وهي مجلس الأمن القومي ،الذي أصبح يضم قادة القوات المسلحة والوزراء الأساسيين في الحكومة، ولم تقتصر نشاطاته على الأمور العسكرية بل تعدتها إلى الأمور الاقتصادية والتربوية وحتى النقل والمواصلات.

"
منذ بداية السبعينيات تنوعت أساليب تعامل العلمانيين مع القوى الإسلامية المناوئة لهم فاستخدموا أساليب حل الاحزاب والضغط للاستقالة بالإكراه كما حدث مع أربكان عام 1997
"
عاد التهديد الإسلامي للعلمانية من جديد حينما حصل حزب السلامة الذي يقوده نجم الدين أربكان على نحو 12% من الأصوات في انتخابات العام 1973، لم يكن ذلك الحزب يخفي توجهاته الإسلامية المباشرة، ولا أنه وريث لحزب النظام الوطني الذي جرى حله بقرار من المحكمة الدستورية بعد انقلاب العام 1971 بسبب "نشاطاته المناوئة للأفكار العلمانية السائدة في تركيا وسعيه لإقامة حكومة إسلامية"، وهكذا بدأت الأوساط العلمانية تستشعر تنامي خطر المناوئين لها من التيارات الإسلامية لاسيما إن كانت هذه التيارات تجهر برغبتها بإقامة دولة دينية في تركيا وبعث التوحد مع الدول الإسلامية، كما كان يعبر عنه في أفكار حزب السلامة الوطنية الذي كان له
مفهومه السلفي في فكرة الخلافة والخليفة.

ومن الواضح أن عدم مشاركة حزب السلامة الوطنية في الحكومة أبعده عن هجمات مناوئيه، لكنه تعرض للحل بعد الانقلاب العسكري عام 1980 إلى جانب الأحزاب الأخرى ليعود من جديد عام 1983 تحت اسم حزب الرفاه الذي رفع شعار النظام العادل، ويقصد به إقامة الشريعة الإسلامية ولكن بأسلوب الحوار والإقناع.

وبعد تشكيل حزب الرفاه كثفت الحركة الإسلامية من نشاطها في كافة المدن التركية، لذلك اضطرت القوى العلمانية أن تكتل نفسها في تنظيم جديد في 20 مايو/ أيار 1983 باسم حزب الوطن ألأم بزعامة الاقتصادي الليبرالي توركوت اوزال (توفي في 17 أبريل/ نيسان 1993) الذي شكل الحكومة بعد فوز حزبه بالأغلبية في انتخابات 1983.

اعتمد أوزال أسلوبا جديدا في مواجهة التيارات الإسلامية المتصاعدة التي يمثلها حزب الرفاه تختلف عن أساليب القمع والحل الذي لم يعد مناسبا في ضوء التطورات الدولية ورغبة تركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقد أفسح أوزال المجال للتيارات الإسلامية بالانتشار في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام حزب الرفاه، لكن هذا الأخير واصل صعوده وفاز بعد نحو عشر سنوات في الانتخابات البلدية سنة 1994 ثم في الانتخابات النيابية سنة 1995 ليتولى نجم الدين أربكان رئاسة الحكومة عام 1996 بعد الائتلاف مع حزب الطرق القويم.

كانت هذه الحكومة هي أقوى مؤشر تشهده تركيا منذ بدء عهدها الجمهوري على قوة الطرف الآخر المناوئ للعلمانية التي استقرت كواقع دستوري وسياسي في البلاد، وفي الوقت نفسه عبر فوز الرفاه عن ضعف الأحزاب والقوى العلمانية وانهيار أيديولوجيا اليسار الديمقراطي، وعلى حد وصف علي بولاج المفكر الإسلامي التركي فإن "القوى العلمانية والنخب الجمهورية التي احتكرت المجتمع السياسي التركي في ظروف ما قبل السبعينيات من القرن الماضي كانت عاملا أساسيا في دفع الشعب لتأييد الحركات الإسلامية وفي مقدمتها الرفاه".

بالطبع لم يكن كل ذلك مما يمكن أن يرضي القوى العلمانية وفي مقدمتها الجيش، وقد جاءت الفرصة لهذه القوى عندما ألقى رئيس بلدية سينجان (إحدى ضواحي أنقرة) المنتمي إلى حزب الرفاه كلمة في احتفال نظم يوم 31 يناير/ كانون الثاني 1996 بعنوان (من أجل القدس)، ودعا فيها إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وكذلك عندما أقدم رئيس الحكومة أربكان على التحذير من مغبة معاداة الإسلام وتنديده في تصريح نشرته صحيفة صباح 27 شباط 1997 بما أسماه "فاشية العلمنة في تركيا".

حركت هذه التحديات المباشرة من قبل حكم يصف نفسه صراحة بأنه إسلامي الجيش ليواجه حكومة الرفاه حتى إن احد قادة الجيش قال "إن المعركة ضد الإسلاميين مسألة حياة أو موت"، وهكذا وفي الأول من مارس/ آذار 1997 خاطب رئيس الجمهورية سليمان ديميريل اربكان في رسالة رسمية جاء فيها "تسود قناعة عامة أنكم انحرفتم عن طريق الجمهورية العلمانية والديمقراطية، وإنني أشاطر أصحاب هذه القناعة رأيهم". وأضاف ديميريل "إذا تمسكتم كحكومة بموقفكم الحالي، فان النظام سيكون في خطر".

جاءت رسالة ديميريل إلى أربكان بعد أن كان الأول قد تسلم رسالة من الجنرال إسماعيل حقي قره داغي رئيس أركان الجيش، وبعد بضعة أيام من تسلم أربكان إنذارا مباشرا من الجيش تضمن (20 نقطة) انصبت جميعها على كبح ما سمي آنذاك بـ" التطلعات الأصولية الإسلامية" ومن هذه النقاط: فرض رقابة شديدة على المؤسسات الدينية وفرض القيود على الدعم المالي الخارجي للرفاه وإقالة أكثر من 160 ضابطا بتهمة تبني توجهات إسلامية وغلق التكايا والزوايا والالتزام الكامل بالمادة     (174) من الدستور التي تؤكد المبادئ الأساسية للجمهورية التركية، وفي مقدمتها النزعة العلمانية وعدم التفكير بالسماح بارتداء الحجاب.

وبعد نحو عام واحد على توليه الحكومة أجبر الجيش أربكان على الاستقالة في 18 يونيو/ حزيران 1997، وجرى حل حزب الرفاه لتنتهي أبرز تجربة حكم معادية للعلمانية في تركيا بتدخل واضح ومؤثر من الجيش ولكن من غير انقلاب عسكري.

استيعاب القوى العلمانية

في سبتمبر/ أيلول 1998 أدين رئيس بلدية إسطنبول رجب طيب اردوغان وسجن مدة عشرة أشهر بسبب خطاب كان قد ألقاه قبل ذلك بأقل من عام قال فيه "إن المساجد هي ثكناتنا، والمآذن حرابنا، والقباب خوذاتنا، والمؤمنون جنودنا"، كان ذلك الإجراء جزءا من حملة مشددة شنتها القوى العلمانية وفي مقدمتها الجيش ضد حزب الفضيلة الذي كان ينتمي إليه والذي تشكل بدلا عن حزب الرفاه بزعامة جديدة، وبعد خروجه من السجن أسس أردوغان في أغسطس/ آب 2001 حزب العدالة والتنمية / الذي قدر له أن يفتتح مرحلة جديدة من العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين.

"
قدم حزب العدالة والتنمية مفهوما جديدا للوسطية بين العلمانية والقوى الإسلامية ولذلك لم يوفر للعلمانيين سببا لمهاجمته إلى جانب أن العلمانيين أنفسهم تعرضوا للضعف والتشرذم وقلة الشعبية
"
تمكن العدالة والتنمية من الفوز في انتخابات العام 2002 بأغلبية كبيرة وشكل الحكومة التي لم تقدم نفسها على أنها حكومة إسلامية وإن كان ابرز قيادات الحزب هم من الإسلاميين الذين عملوا بمعية أربكان، لكن تجربة الأخير على ما يبدو ظلت شاخصة أمام القادة الجدد لتركيا، حيث تبين أن ثمة قواعد جديدة للعبة بدأت تظهر للعيان ومن أبرزها نجاح جماعة أردوغان في تجاوز أخطاء أربكان خاصة في مجال الاصطدام مع العلمانيين وكذلك السعي لتقديم صورة جديدة للإسلام وهي صورة الإسلام المعتدل الذي يرى أن لتركيا جناحين أحدهما في الشرق والآخر في الغرب. كما حرص أردوغان وحزبه على تقديم العلمانية على أنها غير معادية للإسلام وكل ما في الأمر أن هناك ثلاثة احتياجات مهمة للشعب التركي تتمثل بالحرية والعدالة ولقمة العيش، ويبدو أن هذا هو سر تقبل العلمانيين لحكومة العدالة والتنمية.

ورغم أن أردوغان وحزبه لا يخفيان أن لديهما برنامجا إسلاميا للتعديل الجذري لقيم وتوجهات المجتمع التركي، فهما يعلنان باستمرار أن العلمانية المعتدلة لا تحارب الدين وتقبلها القوات المسلحة والشعب معا، كما أن أردوغان لا يزال يتمسك بعقلانية الاتجاه الإسلامي المعتدل الذي يتبني الديمقراطية والليبرالية الاقتصادية.

وحتى الآن يبدو أن حكومة حزب العدالة والتنمية قادرة على مواجهة ضغوط الجيش وربما يستمر ذلك إذا ما أثبتت للجيش والعلمانيين أنها لا تسعى لتعديل دستور البلاد وطابعه العلماني، ومما يساعدها في ذلك امتلاكها برنامجا واضحا لإصلاح النظام الضريبي ومواجهة التضخم ومقاومة الفساد المالي وملاحقة الثروات غير المشروعة ومحاربة البيروقراطية والعمل على وقف تدهور الأوضاع المعيشية للطبقات الفقيرة.

ولأن القوى العلمانية في تركيا تعاني من الضعف والتشرذم ومع قدرة القوى الإسلامية وحزب العدالة والتنمية على استيعاب مشكلات تركيا ومعرفة احتياجات الناس فيها ومطامحهم خاصة فيما يتعلق بقيم العدالة والحرية ولقمة العيش، والسعي لمواجهة المفهوم المتشدد للعلمانية بأنها عدو الدين وكذلك منع استضعاف المتدينين وإيذائهم، والأهم من ذلك تأكيد أردوغان أنه يعمل من أجل استعادة هيبة تركيا، في مثل هذه الظروف فإن القوى الإسلامية ستستطيع ليس البقاء في السلطة لمراحل أخرى في تركيا وإنما كسب ممثلي الاتجاهات العلمانية القومية التركية كذلك.
_______________




أستاذ/جامعة الموصل