بقلم د. عبد الحليم محجوب *
عندما وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها في أغسطس/آب 1988 كان النظام العالمي يعيش فترة هدوء وسكينة حيث انتعشت جهود الحد من التسلح وتزايدت الرغبة في تحقيق السلام والرفاهية، ولم يعد الاتحاد السوفياتي يمثل تهديدا للدول الغربية لاسيما بعد أن أحجمت موسكو عن التدخل بأي صورة لمواجهة التغيرات الجذرية التي اجتاحت حلفاءها السابقين في شرق ووسط أوروبا، ثم جاء سقوط جدار برلين ليعلن رسميا انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين، ولم تعد الولايات المتحدة تواجه خطر الهزيمة على الإطلاق لأنه لم يعد هناك احتمال نشوب حرب مع أية قوة عالمية أخرى.

د. عبد الحليم محجوب

مصادر التهديد المحتملة للمصالح الأمريكية
لكن هذا الهدوء لم يكن من نصيب منطقة الشرق الأوسط بأي حال، ذلك لأنها تكتسب سمات خاصة تميزها عن أوروبا، ففي الوقت الذي ترسخ فيه توافق عام في القارة الأوروبية حول نبذ الحرب واعتبارها أداة غير مشروعة من أدوات السياسة وشكلت هذه القاعدة إحدى الدعائم الأساسية لنظام الأمن الأوروبي، ما تزال منطقة الشرق الأوسط تعكس حقيقة أن الحرب تمثل أداة سياسية صالحة للاستخدام فى أي وقت بالنسبة لكثير من بلدانها، بل أن الحرب أو التهديد بها ربما كانت هي الوسيلة المقبولة لتعديل الحدود أو تسوية الصراعات بالنسبة للكثير من دول المنطقة.

والمنطقة بؤرة نشطة للصراعات المتعددة الأسباب والمداخل بالنظر للتنوع الحضاري والذي يصل إلى حد التصادم وتغلب ثقافات التعصب والشمولية على دولها، لكنها في الوقت نفسه تعد مركزا للمصالح الحيوية الأميركية والغربية بوجه عام حيث يعد المساس بها إضرارا مباشرا بالأمن القومي الأميركي يجب مواجهته بكل الوسائل، والتي بسببها وضعت واشنطن ثلاثة خطوط حمراء لا تسمح لأية قوة بتجاوزها، الأول هو ضمان وصول الغرب إلى نفط الخليج وانتظام تدفقه للدول الصناعية، والثانى ضمان أمن إسرائيل الصديق الأول لأميركا، أما الثالث فيتمثل في الحفاظ على علاقات طيبة مع دول الشرق الأوسط المعتدلة والتي تشكل ركيزة للاستقرار في المنطقة.


يحكم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ضمان وصول الغرب إلى النفط وأمن إسرائيل

وبناء عليه انطلقت مؤسسات صنع القرار الأميركي في هذه الفترة التاريخية الحرجة للبحث عن مصادر التهديد المحتملة للمصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط والسيناريوهات المقترحة للتعامل معها، وخلصت هذه المؤسسات إلى وجود مصدرين رئيسيين للتهديد:
أولهما هو الخطر الإسلامي الذي شهد تضخيما متعمدا في قياسات حجم تهديده بهدف دعم السياسات الأميركية في مواجهة الثورة الإسلامية بإيران، وتعرضت بعض دول المنطقة لاضطرابات أمنية يحركها الإسلاميون.

أما المصدر الثاني فقد تمثل في التكدس المتزايد للأسلحة المتقدمة بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل لدى أنظمة اعتبرتها واشنطن خارج نطاق السيطرة أو الاحتواء مما يتوقع إقدام أي منها على إثارة الاضطراب والإخلال بالتوازنات التي يفرضها الغرب بين العرب وإسرائيل.

ولما كانت إيران قد انشغلت بعد توقف حربها مع العراق بقضايا إعادة البناء في الداخل وترتيب أوضاعها السياسية، وتعرضت ليبيا لمحاولات التطويع بما فيها إخراج قواتها من تشاد أو تعديل سلوكها السياسي إقليميا ودوليا، وفرض التوازن العسكري في المنطقة قيوده الصارمة على صانع القرار السوري خاصة في مواجهة إسرائيل وتركيا، لم يبق سوى العراق الذي يعد أكثر هذه الدول سعيا للتحرر من قيود التصرف بأسلوب لا يتسم مع المصالح الأميركية.

قوة العراق مصدر للتهديد
خرج العراق من حربه مع إيران وهو في أقصى درجات الاستنزاف الاقتصادي، لكن جهازه العسكري كان قويا بدرجة تثير القلق حيث كانت القوات العراقية تضم حوالي 55 فرقة و500 طائرة متنوعة الطرازات علاوة على 5500 دبابة وآلاف من الوحدات المدرعة، كما تملك التنظيم الجيد والخبرة القتالية. لكن الأخطر من ذلك هو برامج التصنيع العسكري التي انطلقت الحكومة في تنفيذها وبخاصة في مجال أسلحة الدمار الشامل التي كانت تفوق حاجة العراق الدفاعية وأصبحت مصدر إزعاج للتوازنات الإقليمية السائدة في تلك الفترة. وقد كشفت لجان التفتيش عن الكثير من هذه القدرات التي لم تكن خافية بشكل كامل عن الدول الغربية صاحبة المصلحة، وتبدو أهم ملامحها في الآتي:
1 - كان برنامج الصواريخ البالستية أكثر البرامج طموحاً فى الشرق الأوسط، وكان العراق أكثر الدول استخداما للصواريخ فى عمليات عسكرية فعلية، وقد وضعت ستة برامج على الأقل لتصنيع الصواريخ كان أكثرها تقدما هو صاروخ "الحسين" الذي يصل مداه لأكثر من 300 كم. كما كانت تخطط لإنتاج صاروخ آخر يصل مداه ألف كم، ومعظمها يقوم على تطوير الصاروخ الروسى سكود/بي. وسعت بغداد لإنتاج قذائف مدفعية بعيدة المدى تركز على المدفع البرازيلي "ستروس 20" ويصل مداه حوالى 60 كم، وقذائف صاروخية أخرى سميت "أبابيل" يراوح مداها ما بين 50 و100 كيلومتر، كما جرى تنفيذ برنامج لإنتاج مدافع طويلة المدى تتجاوز فى مداها المئات من الكيلومترات كان من المتوقع أن تحمل رؤوساً كيماوية أو نووية.

2- وضع العراق برنامجين فى المجال النووى أولهما طويل المدى يهدف إلى إنتاج الأسلحة النووية، وكان يركز على تطوير المعدات والخبرة اللازمة لإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب، والثانى عبارة عن برنامج عاجل بدأ فى شهر أغسطس 1990 بعد الغزو مباشرة لإنتاج رؤوس نووية يمكن أن تحفظ التوازن الاستراتيجي لبغداد، وكان من المفترض أيضا أن يساعد هذا البرنامج على إنتاج مواد انشطارية كافية لإنتاج الرؤوس المطلوبة في ربيع 1991. (تم إحباط البرنامجين بالكامل بعد القصف الجوي الذي بدأ في 16 يناير/ كانون الثاني 1991).

3- تنفيذ برنامج للتسلح الكيماوي، فقد ذكرت تقارير لجان التفتيش فيما بعد أنها ساهمت فى توفير كميات من القذائف المعبأة والرؤوس الحربية الكيماوية تقدرها هذه التقارير بحوالي 5000 قذيفة إضافة إلى توفير ما بين 600 و800 طن من الغازات الكيماوية والمواد اللازمة للتصنيع.

4- برامج للأسلحة البيولوجية لم يثبت حتى الآن أنها تجاوزت مرحلة التفكير أو التخطيط على الورق وإن كانت ماتزال تمثل عقبة فى توفير الشفافية اللازمة للجان التفتيش.


خرج العراق من الحرب مع إيران بخبرات قتالية عالية وتقنيات عسكرية متقدمة كانت مصدر قلق لأميركا والغرب
والملفت للنظر أن دولا غربية وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا ساهمت بجهد وافر فى إنجاز هذه البرامج، وكانت الترسانة العسكرية العراقية تحتوي في جزء مهم منها على عتاد غربي. وبعد انتهاء الحرب مع إيران سمحت الولايات المتحدة للعراق بشراء ما يزيد على مليار ونصف المليار دولار من المعدات الحديثة بما فيها الحاسبات المتقدمة وأجهزة تصنيع الصواريخ واختبارها ونظم معلوماتية ومعدات لالتقاط صور الأقمار الصناعية وحل شفرتها، وكان البيع علنيا وافقت عليه إدارة بوش وهي تعلم أنها موجهة لجهات حساسة كوزارة الدفاع وهيئة الطاقة الذرية.

ويبدو أن الولايات المتحدة كانت تراهن على بغداد باعتبارها عنصر استقرار فى المنطقة، أو هكذا تصور البعض في العراق من خلال الاتصالات التي تمت مع الإدارة الأميركية في تلك الفترة، لكن وزارة الدفاع الأميركية كانت لها سياساتها وتقديراتها التي خلصت إلى أن العراق يمثل أهم مصادر التهديد المحتملة، وبدأت بالفعل في تنفيذ مشروعات تدريبية قادها الجنرال شوارزكوف في صيف 1990 تفترض وقوع هجوم عراقي محتمل على الكويت، وكأن التحرك الدبلوماسي مجرد استدراج للنظام العراقي إلى مصير محدد سلفا.

على أي حال لم يخيب الرئيس صدام حسين التقديرات الأميركية فراح مرة يطالب دول الخليج والعرب بثمن دفاعه عن البوابة الشرقية للأمة العربية، ومرة أخرى يطالب الغرب بثمن تصديه للثورة الإسلامية في إيران، ولم ينس فى ذلك كله إدخال إسرائيل كعامل مهم فى هذا التصعيد الذي توجه أخيرا بتجاوز كل الخطوط الحمراء ووقوع الغزو في أغسطس/ آب 1990.

الأهداف الأميركية لحصار العراق
لقد بدا الأمر أمام صانع القرار الأميركي أن ثمة "ماردا" تحرك في منطقة الشرق الأوسط التي لا تحتمل أي اضطرابات ويجب التخلص منه، فالسلوك العراقي عدا أنه يمثل تهديدا مباشرا للمصالح الغربية في نفط الخليج فقد جاء كأول اختبار للقوة الوحيدة المنتصرة في الحرب الباردة، ويمكن القول إن قرار التدخل العسكري قد اتخذ في واشنطن في اليوم الثاني لوقوع الغزو مباشرة وكل ما جرى بعد ذلك وحتى تمام التنفيذ كان بمثابة تهيئة للمسرح وتوفير الشرعية الدولية والإقليمية للقرار الأميركي.

كان القرار الأول الذى اتخذه الرئيس بوش ينصب على تجميد كل الأصول المالية للعراق والكويت في داخل الولايات المتحدة ومطالبة الدول الحليفة باتخاذ نفس الإجراء، ويبدو أن سلوك الحصار الاقتصادي يشكل جزءا مهما من الثقافة السياسية للغرب عامة والولايات المتحدة بوجه خاص، ومن ثم فقد تحركت الأخيرة في مجلس الأمن بسرعة وكان القرار 661 تأكيدا لفكرة الحصار وتوسيعا لمحتواه وإكسابه شرعية دولية، ثم جاء تنفيذ التدخل العسكري بعد استكمال تهيئة المسرح السياسي من خلال عملية عاصفة الصحراء وما تلاها من ممارسات تؤكد بكل المقاييس أن الهدف الأميركي لم يكن قاصرا على إخراج العراق من الكويت أو حتى تدمير آلته العسكرية لكنه تجاوز ذلك إلى أهداف بعيدة من أهمها:
1 - إظهار العراق "كنموذج" لما يجب أن يكون عليه مصير أى قوة تتحدى النظام الدولي الجديد أو تتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعتها واشنطن خاصة في منطقة الشرق الأوسط الحافلة بالحساسيات والتعقيدات.

2 - إبطال مفعول القوة العراقية نهائياً ليس في شقها العسكري فقط وإنما في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية، يشهد على ذلك حجم التدمير الذي أصاب البنية الأساسية في كل القطاعات، والسياسات المتعاقبة التي استهدفت الحيلولة دون الخروج من هذا المأزق في السنوات الطويلة.

3 - لقد أراد صدام حسين أن يربط بين قضية الكويت والصراع مع إسرائيل بضرباته الصاروخية التي وجهها للأراضي المحتلة آملا أن تقوم إسرائيل بالرد، لكن الموقف الأميركي حرص على إخراج العراق كلية من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي بعد أن كان يمثل عنصر إزعاج لجهود التسوية وأطرافها، وحرصت على ترجمة ذلك عمليا بجهود مكثفة أوصلت الجميع إلى مؤتمر مدريد فى أكتوبر/ تشرين الأول 1991.

4 - العمل على إفراغ القوات المسلحة العراقية من وظيفتها الأصلية سواء في مجال الدفاع ضد التهديدات الخارجية أو المحافظة على الوحدة الإقليمية في الداخل، والحيلولة دون استعادتها لقدراتها السابقة، وقد كان قرار حظر الطيران جنوب خط عرض 32 (والذى توسع في عام 1996 إلى خط عرض 33) وشمال خط عرض 36 تأكيدا لهذا التوجه، وفرض حماية خارجية إجبارية على شيعة الجنوب وأكراد الشمال واعتبار المنطقة الشمالية منطقة آمنة يمارس داخلها الأكراد حكما ذاتيا بحماية أميركية، وإذا ما تواجدت القوات العراقية في هذه المنطقة لأي سبب فإن ذلك يعد مدعاة لتدخل عسكري حاسم يعيد هذه القوات إلى قواعدها، وهو ما حدث عندما دخلت القوات العراقية مدينة أربيل فى أغسطس/ آب 1996 لنصرة فصيل كردي ضد فصيل آخر، والهدف هو تحجيم سيادة النظام على أراضيه ووضع وحدته الإقليمية موضع التساؤل.


تحولات النظام الدولي والأخطاء العراقية القاتلة جعلت واشنطن لا تواجه صعوبة تذكر في محاصرة العراق في حاضره ومستقبله وبحيث يصبح الخروج من مأزق الحصار عملية بالغة الصعوبة
5 - احتكار الهيمنة الكاملة على أمن الخليج وإعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة بالإبقاء على صورة التهديد العراقي في الأذهان وإبعاد أي قوة إقليمية أخرى عن المشاركة في الترتيبات الأمنية مع ضرورة إقرار الدول الخليجية بأن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي يمكنها تحمل مسؤولية الأمن في الخليج، وقد طبقت هذه القاعدة على صيغة إعلان دمشق فقضت عليها في المهد.

ولا شك أن تحولات النظام الدولى فى تلك الفترة من جانب، والأخطاء العراقية القاتلة من جانب آخر، شكلت أهم عوامل النجاح للخطة الأميركية حيث لم تواجه واشنطن صعوبة تذكر في إدارة المعركة من خلال مجلس الأمن بما يتفق وأهدافها حتى أمكن الخروج بنظام محكم لمحاصرة العراق في حاضره ومستقبله وبحيث يصبح الخروج من مأزق الحصار عملية بالغة الصعوبة.

الموقف الأمريكي من إسقاط النظام العراقي
هل اكتفت واشنطن بإحكام الحصار حول العراق؟! لم تكتف بذلك بل أعلنت صراحة ومنذ فترة مبكرة بعد تحرير الكويت أن هدفها النهائي هو إسقاط صدام حسين واتخذ الكونغرس بالفعل قراراً بتقديم الدعم المالي بحوالى أربعة ملايين دولار "للمؤتمر الوطني العراقي" الذي يمثل ائتلاف المعارضة بفصائلها المختلفة برئاسة أحمد جلبي، ودعمت أنشطته الإعلامية والتنظيمية، كما وجهت العديد من النداءات لرجال القوات المسلحة العراقية والشعب العراقي للتحرك ضد النظام من الداخل، بما يعد امتداداً للحصار المفروض على الدولة ليكون حصارا حول صدام حسين نفسه بعد أن تم احتواء الفصائل الكردية بصورة شبة كاملة كما أوضحنا.

ومع ذلك يمكن القول إن النظام السياسيى العراقي قد اكتسب صلابة وقدرة على الصمود تتجاوز بكثير ما يروج له عن وجود معارضة داخلية قادرة على التحرك أو أن النظام يعاني مشكلات في الداخل، ذلك أن أجهزته الأمنية والحزبية والتركيبة السياسية القائمة تكفل له الاستمرار إضافة الى أن الضغوط الخارجية وما تولده من معاناة مستمرة للشعب العراقي يمكن أن تعفي النظام من تحمل المسؤولية المباشرة أمام شعبه طالما أن مجلس الأمن والإدارة الأميركية يتحملان النصيب الأساس فيها.

وإذا سلمنا جدلا بأن الإدارات الأميركية المتعاقبة بما فيها الإدارة الحالية برئاسة جورج بوش الابن تعمل من أجل إسقاط صدام حسين واعتبار ذلك شرطاً لتعديل مواقفها من العراق الدولة، فالثابت أن فرصة تحقيق هذا الهدف قد ضاعت مرتين على الأقل:
الأولى فى أعقاب عملية "عاصفة الصحراء" مباشرة والتي كان من الممكن وقتها استثمار حالة الاضطراب وفقدان التوازن سواء في السلطة أو في القوات المسلحة لمواصلة عملياتها لأيام معدودة أو حتى لساعات لإجبار القيادة العراقية على ترك مواقعها الحصينة في بغداد وإعلان حكومة بديلة تقوم بعد ذلك بطلب العون الخارجي، وهو أسلوب ليس غريبا على المخططات الأميركية في التغيير، ولا تحسب واشنطن كثيرا لردود أفعاله، لكن الحسابات الأميركية المغايرة سمحت للنظام بلملمة صفوفه واستعادة تماسكه والتصدي الفوري لمحاولات التمرد التي صدرت عن الشيعة في الجنوب بوجه خاص.

حسين كامل
أما الفرصة الثانية فقد تمثلت في هروب الفريق حسين كامل صهر الرئيس صدام، وهو الحادث الذي مازال يحيط به الكثير من الغموض، فقد كان حسين كامل أحد أركان النظام والعارف بكل أسراره ونقاط ضعفه الأمنية، وإذا ما أراد التحرك في الداخل فربما توفرت له أدوات النجاح، وتقديري أن ثمة عملية استقطاب لحسين كامل كانت قد بدأت في الداخل قبل قرار هروبه الذي بدا كما لو كان الهدف منه هو مجرد تقديم معلومات عن التسلح وإحراج النظام مع لجنة التفتيش وممارسة مزيد من الضغوط عليه، وجاءت عودته غير المبررة لبغداد دليلا على ذلك فهو يعلم جيدا المصير الذى ينتظره، فالمنطق يقول إنه هرب وفقا لتخطيط استخباري محكم ثم عاد بعد أن أدرك حقيقة الهدف من استدراجه إلى خارج العراق، ومن ثم جاءت ردود فعل اغتياله بعد عودته محدودة للغاية وجرى تناسي القضية كلها عن عمد بعد ذلك بأيام قليلة وكأن شيئا لم يكن.

يبقى بعد ذلك سؤال جوهري: هل توجد جهه ما في المنطقة أو خارجها بما فى ذلك الإدارة الأميركية معنية بإسقاط صدام حسين أو قادرة عليه؟

أما من حيث القدرة فيمكن القول إنها تلاشت إلى حد كبير خاصة بالنسبة للإدارة الأميركية نتيجة للضعف الشديد الذي تعاني منه المعارضة الخارجية وغياب معارضة قوية في الداخل يضاف إلى ذلك الكراهية الشديدة التى يكنها العسكريون والمدنيون على السواء حاليا للولايات المتحدة باعتبارها المسؤولة عن معاناة الشعب العراقي من جانب، وقوة شبكة الأمن العراقية التي تعتمد أساسا على التركيبة العائلية القريبة جدا من الرئيس العراقي من جانب آخر.


نظام الرئيس صدام بحالته الراهنة مازال يحقق للإدارة الأميركية بعض المزايا التي تؤجل العمل الجدي لإسقاطه

أما من حيث الرغبة فالغالب أن نظام الرئيس صدام بحالته الراهنة مازال يحقق للإدارة الأميركية بعض المزايا التي تؤجل العمل الجدي لإسقاطه ومن ذلك:
1 - الاحتفاظ بمعادلة التوازن التي كرسها الحصار من المنظور الأميركي والتي تساعد على إبطال مفعول أي دور إقليمي للعراق، والإبقاء على مسألة ضبط التسلح في المنطقة كمسألة حيوية إلى أن تتهيأ الظروف الملائمة لاستئنافها، وبرغم ما تواجهه عملية السلام مع إسرائيل من تعثر حاليا وكونها أحد المحددات الأميركية في صياغة الموقف من استمرار الحصار، فإن توافق الأطراف العربية التي تحيط بإسرائيل حول اختيار السلام كخط استراتيجي يقتضي بالضرورة عزل أية عوامل معاكسة قد تؤثر على هذا الاختيار بشكل أو بآخر.

2 - الاحتفاظ بصورة العراق كمصدر تهديد لدول الخليج وثرواته النفطية بما يعمق من الحاجة لوجود عسكري أميركي في المنطقة وتخفيف مزيد من الهيمنة على النظام الأمني القائمة في الخليج.

3 - استمرار صدام حسين في السلطة يبقي أيضا على عوامل التنافس الإقليمية خاصة مع إيران، ومهما كانت عوامل التهدئة الظاهرية أو المرحلية فإن العداء القائم بين النظامين يعد أكبر من إمكانية احتوائه أو تجاهله ناهيك عن قيام تحالف بين البلدين كما تردد فى بعض الفترات، أما إذا استبدل النظام بقيادة جماعية تحظى فيها الشيعة بنصيب متوازن مع ثقلها الفعلي فلا بد أن ينعكس ذلك على جوهر العلاقات مع إيران ويحدث انعكاسات غير مواتية في منطقة الخليج بصفة عامة.

4 - كما أن هذه الحكومة البديلة لابد أن تضع على رأس أولوياتها مسألة إنهاء الحصار وتتحمل الدول الداعمة لها مسؤولية مباشرة في هذا السبيل بل والانتقال إلى مرحلة إعادة البناء، ويضعف من قدرة الأطراف الخارجية على التمسك بتنفيذ التزامات العراق التي قررتها القرارات الدولية مثل التعويضات، مع إمكانية تعرض هذه الحكومة لصراعات داخلية تتورط فيها أطراف إقليمية أخرى على غرار النموذج الأفغاني.


الإبقاء على المعارضة العراقية حيوية في الشكل يمثل عامل ضغط مهم على قوى عديدة في المنطقة بهدف التعاون مع هذه المعارضة والتوافق مع مطلب التغيير في العراق

5 - ومن جانب آخر فإنه من الملاحظ أن قبضة الولايات المتحدة على النظم المعتدلة في المنطقة تضعف تدريجيا بينما يتزايد السخط الشعبي ضد الممارسة الأميركية بسبب الموقف من عملية السلام، ولا شك أن وقوع التغير السياسي في العراق في ظل هذه الظروف إما أن يقود إلى وجود حكومة خاضعة بالكامل للنفوذ الأميركي وبالتالي تعزل عن الجسد العربي وبخاصة القوى الشعبية، أو أن تستبدل بحكومة قومية لن تجد أمامها إلا أن تلتقي مع القوى الساخطة على السياسات الأميركية مهما تدنت فاعليتها.

6 - الإبقاء على المعارضة العراقية حيوية في الشكل يمثل عامل ضغط مهم على قوى عديدة في المنطقة بهدف التعاون مع هذه المعارضة والتوافق مع مطلب التغيير في العراق.

احتمالات المستقبل
جاءت قضية التعامل مع العراق في مقدمة القضايا الخارجية التي اهتمت بها الإدارة الأميركية الجديدة والتي أظهرت تشددا لا يقل في حدته عن مواقف الإدارات السابقة، ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب في ظل تولي اثنين ممن تحملوا مسؤولية مباشرة خلال تفجر الأزمة (1990/1991) لمواقع رئيسية في الإدارة الجديدة وهما نائب الرئيس الذي كان وزيرا للدفاع وقتها، ووزير الخارجية الذى كان رئيسا لهيئة الأركان المشتركة، وتناولت تصريحات مسؤولي الإدارة مسألتي الحصار والمعارضة بما لا يعطي بصيص ضوء في إمكانية تعديل المواقف الحالية.


تشهد منطقة الشرق الأوسط بعض التغييرات يمكن أن تدفع صانع القرار الأميركي -وفقا لمنهج الاستراتيجيات المترابطة- لإعادة النظر في مواقفه الحالية

ولكن في الجانب المقابل فإنه يلاحظ أن منطقة الشرق الأوسط تشهد حاليا بعض التغييرات برغم محدودية تأثيرها، يمكن أن تدفع صانع القرار الأميركي -وفقا لمنهج الاستراتيجيات المترابطة لإعادة النظر في مواقفه الحالية وبخاصة فيما يتعلق بمعالجة المسألة العراقية داخل مجلس الأمن، وتتمثل أهم شواهد التغيير في الآتي:
أولا: تنامي مواقف التعاطف الشعبية العربية مع العراق والتي تقودها العديد من المنظمات غير الحكومية والنخب المثقفة بما قد يفرز ضغطا معنويا على الحكومات في الوقت نفسه حيث تحرص عدد من الحكومات العربية على تطوير علاقاتها الرسمية مع العراق وتهيئة المجال لاستعادته لساحة العمل العربي المشترك بصورة متدرجة، الأمر الذي قد يساعد في إقناع بغداد بالتزام قدر أكبر من المرونة والموضوعية، وبالتالي إفساح المجال لنوع من القبول الدولي لوجهة النظر العراقية، ولا شك أن توقيع اتفاقيات مناطق التجارة الحرة مع كل من مصر وسوريا، ومشاركة العراق في القمة العربية الأخيرة فضلا عن تعدد المبادرات الخليجية لتعديل المواقف تجاه بغداد لا بد أن يساعد على تعديل البيئة السياسية التي تحيط بالعراق.

ثانيا: التحفظات التي تبديها ثلاث من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن على المواقف الأميركية والتي أسفرت عن إعادة النظر في أسلوب اللجنة الخاصة "يونيسكوم" واستبدال لجنة جديدة ورئيس جديد بها يتميز إلى حد كبير بالاستقلالية عن القرار الأميركي والموضوعية بحكم خبراته في وكالة الطاقة الذرية بفيينا، وهو ما يعد خطوة إيجابية يمكن أن تشجع العراق على التعاون معها وتهدئة العلاقات مع الأمم المتحدة، وبالتالي سحب مبررات التشدد الأميركي، ولكن ذلك كله يتوقف على منهج العراق في التعامل مع هذه اللجنة ومدى ارتكازه على حسابات دقيقة وسليمة.

ثالثا: التطورات الجارية في القضية الفلسطينية وعملية السلام خاصة وأن تصاعد الضغوط على الشعب الفلسطيني قد يترتب عليه ردود فعل عربية رسمية أو شعبية قد تدفع واشنطن لمحاولة احتوائها إما في شكل افتعال بعض المواجهات مع بغداد وتصعيد عمل المعارضة، أو من خلال التجاوب مع بعض الاتجاهات الإيجابية في مجلس الأمن للإيحاء بإمكانية النظر في تخفيف الحصار، وكلا الاحتمالين وارد وبخاصة في النصف الثاني من العام الحالي بعد أن تكون المواقف قد تحددت تجاه "لجنة التفتيش والتحقيق" الجديدة.

رابعا: التطورات التي تشهدها برامج التسليح الإيرانية خاصة في مجال الحصول على تكنولوجيا الأسلحة النووية وبرنامج الصواريخ البالستية وأسلحة الدمار الشامل والتي تخل بالتوازنات التي ترغب أميركا في بنائها في الشرق الأوسط وتقود إلى تصعيد التوتر مع طهران، وعليه فإن الاحتمال قد يكون واردا في إظهار الاستعداد لتعديل الموقف مع العراق للاستعانة به في تصحيح التوازن المعرض للاختلال وبالطبع في ظل مجموعة من القيود تحول دون تحوله إلى مصدر تهديد مرة أخرى.

خامسا: التقديرات المطروحة حاليا حول النفط تشير إلى توقع تزايد الطلب العالمي على النفط حتى عام 2020، وعلى سبيل المثال فإن هذا الطلب يمكن أن يرتفع من 71.5 مليون برميل فى اليوم عام 1996 إلى نحو 94 مليونا في اليوم عام 2010، أو 102 مليون برميل يوميا عام 2020، وتقدر وكالة الطاقة الأميركية الزيادة الأخيرة بحوالي 117.4 مليون برميل يوميا، وهذا يقتضي مساهمة عراقية في تغطية هذه الزيادة في الطلب لتصل إلى 3.8 ملايين برميل يوميا في 2010، و4.7 ملايين برميل يوميا في 2015، و5.9 ملايين برميل يوميا في 2020، الأمر الذي يستلزم بالضرورة تمهيدا سياسيا طويلا مسبقا حتى يمكن ضمان انتظام هذه التدفقات بشكل آمن.

سادسا: في ضوء ما يتردد من وقت لآخر من أنباء حول صحة الرئيس صدام حسين فإن الأمر يقتضي وضع حسابات دقيقة لاحتمالات الموقف في العراق بعد غيابه خاصة في ظل عدم توفر شخصية بنفس الوزن يمكنها إحكام قبضتها على الموقف الداخلي وتوقع تفجر صراعات بين ورثة النظام في داخلهم أو بينهم وبين قوى عديدة أخرى في داخل العراق.

المستقبل.. إلىأين؟؟
ولا شك أن مطلب استعادة العراق للجسد العربي أصبح مطلبا ملحاً لوقف نزيف القوة الذى نعاني منه، وبالتالي فإنه من المهم العمل على تفعيل العوامل السابقة بهدف زحزحة الإدارة الأميركية عن مواقفها المتصلبة ومشاركة العرب في اختيار التوقيت الملائم والكيفية الملائمة وإذا كانت الحكومات تتحمل مسؤولية سياسية في التحرك المباشر في هذا المجال فإن مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية مطلوب منها دور لا يقل أهمية في كسر حدة الحصار ليس فقط من منطلق إنساني تفرضه الحالة الراهنة للشعب العراقي، وإنما من منطلق قومي لمنع القوى الأخرى من الاستحواذ الكامل على مستقبل العراق سواء بسياسات التدخل الحالية أو بإحداث تغيير سياسي يقود إلى مزيد من العزل للعراق عن أمته العربية.
ــــــــــــــــــــ
* أكاديمي وباحث في المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط بالقاهرة.