نائب الرئيس السوداني على عثمان محمد طه وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان العقيد جون قرنق في منتجع نيفاشا بكينيا قبل عقد إحدى جولات التفاوض

ضياء الدين بلال

قضايا مهمة وكثيرة تفاوضت بشأنها الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة العقيد جون قرنق وحكومة الرئيس عمر حسن البشير. ومن هذه القضايا:

تقاسم الثروة
العملة الوطنية
المناطق المهمشة (جبال النوبة، أبيي، النيل الأزرق)
السلطة
العاصمة القومية

هذه القضايا أخذت شوطا طويلا وجهدا كبيرا من التفاوض حتى تم التوصل إلى اتفاق بشأن أغلبها.

في هذا المقال استعراض لمسار التفاوض بشأن كل قضية من هذه القضايا، وكيف كانت تصورات كل طرف والشكل النهائي للتسوية التي تراضى عليها الجانبان.

تقاسم الثروة


المنطق الذي يقوم عليه تنظيم الحركة الشعبية لحصتها في عوائد النفط هو أنه يجب أن يكون لمناطق الثروات نصيب أكبر من الحكومة الاتحادية، في حين تأخذ الأخيرة بتلك الاعتبارات وترى في موقف الحركة مغالاة تصل حد الطمع في الاستحواذ على 70% من الثروة

تم الاتفاق على تكوين لجنة قومية في الفترة الانتقالية لتوزيع الموارد تتكون من ممثلين للحكومة الاتحادية وحكومة الجنوب ووزراء المالية في كل الولايات، بجانب اختصاصيين تعينهم رئاسة الجمهورية وممثلين لوزارتي العدل والاستثمار، دون أن يتم تحديد الصلاحيات وطرائق إدارة عمل اللجنة. وقد تم الاتفاق على إنشاء مفوضية خاصة بالنفط يرأسها وزير الطاقة.

وتعتبر قضية النفط في هذا المحور أعقد قضايا الخلاف خاصة في ما يتعلق بأمر تقسيم النسب بين الحكومة المركزية وحكومة الجنوب، حيث كانت الحركة تطالب بنسبة 67% من البترول، ثم اتفق الطرفان على اقتسام عوائد نفط الجنوب مناصفة بين الطرفين وألا يطالب الجنوبيون بأي عائد من نفط الشمال.

وقد أسهم اكتشاف النفط بكميات تجارية في جنوب السودان ومنح تراخيص في نوفمبر/ تشرين الثاني 1974 لشركة شيفرون الأميركية للتنقيب في مساحة مقدارها 16.5 ألف كلم2، في توسيع فارق الثقة المفقود بين الجنوبيين وحكومة الخرطوم. وتتعاظم أهمية النفط لارتباطه بمصالح ودوائر دولية مؤثرة خاصة في أميركا.

وجهة نظر الحركة
والمنطق الذي يقوم عليه تنظيم الحركة الشعبية لحصتها في عوائد النفط هو الأحقية الجغرافية، ففي رأيهم يجب أن يكون لمناطق الثروات نصيب أكبر من الحكومة الاتحادية. يضاف إلى ذلك ضعف بناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب بسبب الحرب، مما يتطلب تكلفة مالية عالية يجب أن تقدر في توزيع النسب.

وجهة النظر الحكومية
تأخذ الحكومة بتلك الاعتبارات ولكنها ترى في موقف الحركة مغالاة وشططاً يبلغ بها حد الطمع في الاستحواذ على ما يفوق 70% من الثروة، الأمر الذي قد يثير تعقيدات وأزمات حادة وثورات في بقية الولايات.

وتفيد بعض المعلومات غير المؤكدة أن الحركة في مفاوضات أكتوبر/ تشرين الأول الماضية وافقت على عدم مراجعة عقود البترول التي وقعتها الحكومة السودانية مع شركات صينية وماليزية وغيرهما، الأمر الذي -إذا صح- سيكون خطوة مهمة في طمأنة الحكومة وحلفائها الاقتصاديين خاصة من دول شرق آسيا الذين لهم مخاوف من وضع القدم الأميركية في هذه المنطقة. وتفيد مصادر حكومية أن الجانبين اتفقا على النظام الضريبي في المستويات الاتحادية والولائية على أسس المحاسبة المالية اعتماداً على مبدأ الشفافية.

وكان تقرير قد صدر من وزارة الطاقة الأميركية حمل موقفاً إيجابيا من التعامل الاقتصادي للحكومة في جانب موافقتها على شفافية عوائد النفط. وتأتي الإشارة الأميركية في سياق اتهامات وشكوك واسعة تحيط بعملية الإدارة الاقتصادية لعوائد النفط، حيث يتردد الحديث عن وجود صفقات سرية ودورة مالية باطنية تشرف على ضبط تلك العوائد.

العملة الوطنية


تعترض الحكومة بشدة على مقترح إنشاء عملة خاصة بالجنوب، وتبرر الحركة الشعبية اقتراحها بأنها تريد إدارة اقتصادها وفق أسبقيات محددة دون أن تفرض عليها قيود من قبل الحكومات الاتحادية

تصر الحركة الشعبية على أن تكون لحكومة الجنوب عملة وسياسة نقدية خاصة بها، وهو ما تعترض عليه الحكومة بشدة وتدلل به على وجود نوايا انفصالية مستترة للحركة، غير أن الأخيرة من جانبها تنفي ذلك وتبرر للاقتراح بأنها تريد إدارة اقتصادها وفق أسبقيات محددة دون أن تفرض عليها قيود من قبل الحكومات الاتحادية. ولقد مضت الحركة في اتجاه إقرار الواقع حيث اعترفت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بأنها شرعت في طباعة عملتها.

ولكن في المقابل يجد موقف الحكومة الرافض لتخصيص عملة وسياسة نقدية منفصلة للجنوب مساندة قوية من قبل خبراء البنك وصندوق النقد الدوليين الذين يرون أنه لا يمكن إدارة دولة واحدة بعملتين مختلفتين وسياستين نقديتين منفصلتين. ويرى البعض أن الحركة تستخدم ورقة العملة والسياسة النقدية كأوراق تكتيكية للحصول على مكتسبات أخرى في ملفي السلطة والمناطق الثلاث.

ويردد بعض أعضاء وفد الحكومة المفاوض أن الحركة لا تريد إتمام الاتفاق على ملف الثروة قبل أن تصل لحلول -تناسبها هي- تحفظ بها توازناتها الداخلية خاصة في ملف المناطق الثلاث.

المناطق المهمشة


رغم رفض الحكومة مبدأ التفاوض حول المناطق الثلاث تحت مظلة الإيغاد المعنية في الأصل بإحلال السلام في جنوب السودان فقط، فإنها عادت وتراجعت عن ذلك
وهي مناطق تحسب حالياً على شمال السودان ولكن الحركة تريد إلحاقها بالجنوب وفق حجج تاريخية وسياسية وهي: جبال النوبة، وأبيي، والنيل الأزرق.

جبال النوبة
وهي مناطق ذات أغلبية سكانية أفريقية وتنشط فيها الكنائس المسيحية التي شهدت تمرداً عسكرياً على حكومة الخرطوم عام 1987، إلى أن استقر بها الوضع بعد التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار بين حكومة السودان والحركة الشعبية بجنيف في يناير/ كانون الثاني 2002 خضعت بعده المنطقة لإدارة ثلاثية مشتركة بين الحكومة والحركة وممثلين لبعثة الدول العربية، مع وجود رقابة دولية عسكرية على اتفاق وقف إطلاق النار.

منطقة أبيي
وهنالك منطقة أبيي التماسية التي تبعد 50 كلم عن بحر العرب (نهر صغير بين الشمال والجنوب|)، وهي منطقة يعيش فيها خليط من القبائل الأفريقية والعربية ومعظمها رعوية، وكل طرف يدعي سيادته التاريخية على المنطقة ويصف الآخرين "بالغرباء". وتعتبر أبيي أكثر المناطق الثلاث حساسية في ملفات التفاوض لاعتبارات اجتماعية وثقافية واقتصادية متعددة.

وأكثر نقاط الحساسية في تناول قضية أبيي أن عدداً مقدراً من أبناء المنطقة هم قيادات في الحركة الشعبية ويتفاوضون باسمها، وفي المقابل تعتبر القبائل العربية (المسيرية والرزيقات) القاطنة في تلك المنطقة حلفاء إستراتيجيين لكل الحكومات التي تعاقبت على السودان، حيث كانت تلك القبائل تمثل حائط صد قويا في وجه حركات التمرد الجنوبية المسلحة. كما أن هنالك عدداً مقدراً من قيادات الجيش السوداني ينتمون إلى تلك القبائل.

وترى الحركة أن أبيي كانت تابعة للجنوب لمديرية بحر الغزال قبل 1905، ولكنها ضمت من قبل الحاكم العام البريطاني للشمال مديرية كردفان بقرار إداري.

وتطالب الحركة بإعادتها إلى الجنوب بقرار إداري مماثل يصدر من رئيس الجمهورية، ولكن الحكومة ترى أن منطقة أبيي منطقة تمازج بين المسيرية والدينكا -القبيلة التي ينتمي إليها قائد الحركة جون قرنق- على مدى حقب طويلة تتجاوز القرن السابق.

وتستند الحكومة إلى مذكرات وتقارير أعدتها الإدارة الاستعمارية البريطانية بأن قبيلة الدينكا أنقوك المقيمة هنالك ظلت على حرصها ومثابرتها بأن تكون إلى جانب المسيرية في شمال السودان، وأن ناظر الدينكا كوال أروب عندما خيرته الإدارة البريطانية بين البقاء في الشمال أو الالتحاق بالجنوب في 1934 فضل الشمال على الجنوب. وعندما مات الناظر كوال وخلفه ابنه دينق مجوك الذي طرح عليه مرة أخرى أمر العودة إلى الجنوب عام 1951 اختار بدوره البقاء في الشمال.

اختيار دينكا أنقوك لمرتين البقاء في الشمال يجد بعض التفسيرات من قبل قيادة الحركة الشعبية، التي ترى أن القرار كان فوقياً صادراً من ناظر الدينكا لاعتبارات اقتصادية واجتماعية خاصة به، ومتعلقة بوضعه كزعيم في الشمال يحظى بامتيازات أكبر من نظرائه في الجنوب.

وتقول الحركة إن هنالك متغيراً كبيراً طرأ على العلاقة بين الدينكا والعرب في منطقة أبيي في عهد الرئيس إبراهيم عبود الذي حكم السودان من 1958-1964، وحاول إنهاء مشكلة الجنوب عبر العمل العسكري مع برنامج للأسلمة والتعريب، في ذلك الوقت تأثرت العلاقة بين الدينكا والمسيرية سلباً بتلك السياسات وبدأت مجموعات كبيرة من أبناء دينكا أبيي تتجه للالتحاق بحركات التمرد الجنوبية، وحالياً يعتبر أبناء الناظر دينق مجوك هم من أبرز القيادات العسكرية في الحركة الشعبية.

منطقة النيل الأزرق
أما منطقة النيل الأزرق الضلع الثالث في مثلث الأزمة والتي تسيطر الحركة على بعض مناطقها ويوجد عدد من أبنائها ضمن صفوفها، فإنها ألحقت بجبال النوبة وأبيي لاعتبارات داخلية متعلقة بالحركة التي تقترح بأن تدار جبال النوبة والنيل الأزرق بواسطة رئاسة الجمهورية، وتوضعا تحت إدارة نائب الرئيس الذي هو رئيس حكومة الإقليم الجنوبي.

وتتمسك بمعاملة المناطق الثلاث (أبيي وجبال النوبة والنيل الأزرق) بشكل مواز للجنوب، وترى أن تُدار تلك المناطق على نمط مشابه لإدارة الجنوب بحيث تستثنى من تطبيق الشريعة الإسلامية.

ورغم أن الحكومة رفضت مبدأ التفاوض حول المناطق الثلاث تحت مظلة الإيغاد المعنية في الأصل بإحلال السلام في جنوب السودان فقط، ولكنها عادت وتراجعت عن ذلك الموقف، وفق منطق يقول إنها لا تمانع في التداول حول هذه المناطق، باعتبار أن المشاكل والمظالم التي تعاني منها مماثلة تماماً لمناطق أخرى بعضها على بضعة كيلومترات من العاصمة الخرطوم.

والحرج الذي تقع فيه الحركة الشعبية وهي تقصر اهتمامها التفاوضي في الجنوب والمناطق الثلاث، هو أنها تطرح نفسها كحركة قومية تريد التحول إلى حزب سياسي، بينما تبني مطالبها على تحقيق مكاسب لجهات ومناطق محددة، ويكون الرابط الإثني هو الناظم المركزي لعلاقاتها، الأمر الذي قد يثير عليها غضب واستياء جهات ترى نفسها خارج أطروحات الحركة التفاوضية، بل إن مآلات التفاوض لا تسير في اتجاه مصالحها -إن لم تكن تسير ضدها- رغم أن الحركة حاولت أن تتدبر لذلك بمد حبال الصلة مع المجموعات المتمردة بولاية دارفور وتحتفظ لنفسها بصلات معقولة مع مجموعات شرق السودان.

السلطة


كل طرف يريد نصيبا من السلطة في مراكز القيادة والنفوذ في الخدمة المدنية، بحيث تعينه في المعارك الانتخابية القادمة من خلال التقرب إلى الجماهير
وتعتبر قضية تقسيم السلطة التي لم تجد حظها من البحث والنقاش في الجولة الماضية أكثر الملفات تعقيداً حيث تتعدد فيها البنود وتتداخل فيها المطالب من كلا الطرفين، فكل طرف يريد أن يكون نصيبه من "السلطة" في مراكز القيادة و"النفوذ" في الخدمة المدنية، ما يوفر له مساحة سيطرة تعينه في المعارك الانتخابية القادمة من خلال التقرب إلى الجماهير.

وتقف على قمة هذا الملف قضية مؤسسة الرئاسة في الفترة الانتقالية.. هل تكون رئاسة دورية تبادلية بين الرئيس عمر البشير والعقيد جون قرنق ثلاث سنوات لكل منهما؟. وهذا ما تقترحه الحركة ويجد رفضاً مغلظاً من قبل الحكومة التي تقترح في المقابل رئاسة تراتبية يحظى فيها الرئيس البشير بسنوات حكم الفترة الانتقالية (ست سنوات) على أن يكون قرنق نائباً له بصلاحيات موسعة.

ويقترح الوسطاء أن تكون لنائب الرئيس الجنوبي حق النقض لقرارات الرئيس فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة باتفاق السلام، وأن تكون له سلطة غير مقيدة مركزياً في إدارة شؤون الجنوب بحيث يجمع بين رئاسة الجنوب وإنابة الرئيس على مستوى المركز.

الحكومة في موقفها الراهن ترفض المقترحين بحجة أن المقترح الأول قد يخلق تعقيداً في إدارة البلاد في وقت بالغ الحساسية، كما أن رئيس الجمهورية سيكون مسؤولاً عن الجيش القومي في وقت لا تزال فيه الحركة محتفظة بقواتها، فليس من المنطق أن يكون لرئيس دولة ما جيشان في نفس الوقت. أما المقترح الثاني فترى أنه سيخلق وضعاً مشكلاً يجعل من مؤسسة الرئاسة مؤسسة تشاكسية يتم في داخلها التنازع حول الاختصاصات. وترى الحركة في المقابل عبر مقترحها للرئاسة التبادلية أن ذلك يساعد علي تعزيز الثقة ويمنح وحدة السودان فرصاً أوسع في ما بعد الفترة الانتقالية.

وداخل هذا الخلاف المركزي هنالك معارك تفاوضية شرسة، حول نصيب كل طرف منهما في قسمة السلطة على المستوى الوزاري وما هو أدنى وعلى مستوى المجالس التشريعية، حيث يسعى كل طرف لتوسيع حصته، وأثناء ذلك يتم النقاش حول مشاركة القوى السياسية الأخرى الشمالية والجنوبية وأنصبتها من الكعكة. وتتخذ هذه القوى مواقف متباينة من الذي يجري في نيفاشا الكينية رغم أنه يجمعها شعور مشترك بالقلق والشك في أن ينتج التفاوض، شراكة ثنائية بين الحركة الإسلامية والحركة الشعبية تقصي بقية القوى خارج الملعب السياسي، رغم التطمينات الإعلامية التي يرسلها الطرفان، وبرغم أن نائب الرئيس السوداني علي عثمان محمد طه قد أكد في ختام المؤتمر العام للحزب الحاكم الذي عقد بالخرطوم أن اتفاقية السلام لن تكون صفقة سياسية ثنائية، وأن الإنقاذ جاهزة لدفع المهر.

ومن القضايا موضع الخلاف في ملف السلطة طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات الجنوبية، حيث ترفض الحركة أن تكون هنالك علاقة مباشرة بين المركز والإدارات الولائية في الجنوب، وترى أن العلاقة يجب أن تكون بين الحكومة المركزية والحكومة الإقليمية في الجنوب على أن تقوم على الندية.. دون أن يصل نفوذ المركز للوحدات الإدارية التابعة لها.

العاصمة القومية


تجد الحكومة حرجاً أيدولوجياً كبيراً في أوساط قواعدها التنظيمية إذا قبلت بمطلب الحركة بخلو العاصمة من التشريعات الإسلامية
وتعتبر قضية وضعية العاصمة القومية من القضايا المثيرة للجدل حيث تقترح الحركة استثناء العاصمة من القوانين الإسلامية التي ظلت تحتكم إليها لأكثر من 20 عاماً منذ إعلان النميري تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك باعتبارها عاصمة مشتركة للجنوب والشمال معاً وللمسلمين والمسيحيين كذلك. وتجد الحكومة حرجاً أيدولوجياً كبيراً في قبول ذلك في أوساط قواعدها التنظيمية.

بعد كل هذا يبدو واضحاً حجم المساحة الفارقة بين الطرفين التي يصعب ردمها في أيام معدودات، ولكن تبقى طريقة الجنرال لازاراس سيمبويو التي تقوم على إغلاق الأبواب ووضع الورق على الطاولات للإمضاء فقط دون التعليق أو الاعتراض، هي الطريقة الأقرب للتكرار في هذه الجولة التي ظل باول يؤكد أنها ختامية.
____________
*
صحفي سوداني