الدكتور عبد السلام بلاجي

من احتضان الإسلام إلى المعادلة الثلاثية
من الظهير البربري إلى تسييس المطالب

بعد منتصف القرن السابع الميلادي بدأت طلائع الفتح الإسلامي تصل إلى برابرة شمال أفريقيا، بمن فيهم سكان المغرب الأقصى، وبما أن الأمازيغ اشتقوا اسمهم من الحرية والإباء، فقد قاوموا الفتح الإسلامي بشدة لمدة تقارب سبعين سنة، وثاروا على الفاتحين اثنتي عشرة مرة قبل أن يستتب الأمر في نهاية المطاف، بعد القضاء على زعماء المقاومة الأمازيغية: كسيلة الأوربي، وداهيا (أوداميا) الأوراسية، وميسرة المطغري.

من احتضان الإسلام إلى المعادلة الثلاثية

"
الملك المغربي يكون من آل البيت ويرتبط عن طريق المصاهرة بالزواج من بنت زعيم أمازيغي وتتكون قاعدته الشعبية والعسكرية من قبائل أصهاره
"

لم تكن مقاومة الأمازيغ ضد الإسلام كعقيدة بل ربما كانت ضد بعض قادة الفاتحين الذين أساؤوا التصرف مع السكان وزعمائهم، خصوصا أن بعض الزعماء أعلنوا إسلامهم مثل كسيلة الأوربي، بل قيل إن طارق بن زياد -الذي قاد فتح الأندلس سنة 92هـ/711م على رأس جيش معظمه من البربر- قد يكون واحدا من أبناء داهيا (قتلت سنة 79هـ/698م)، كما ترددت روايات تفيد أن وفدا أمازيغيا قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم وأسلم على يديه، وأن ستة من زعماء الأمازيغ قدموا على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب فأكرم وفادتهم.

إن تجارب الأمازيغ المرة مع الغزاة و المستعمرين السابقين من رومان وبيزنطيين ووندال وفينيقيين.. جعلتهم ينظرون بحذر وريبة إلى كل قادم أجنبي، ولذلك فحينما استتب الأمر للإسلام في المغرب اعتنق البرابرة مذاهب الخوارج –وخصوصا الإباضية- واحتموا بالجبال للتعبير عن معارضتهم ورفضهم لبعض التصرفات، وأسسوا ممالك وإمارات خارجية استمرت حوالي ربع قرن في مكناسة وسجلماسة (من 123هـ/741م إلى 140هـ/729م).

وفي الربع الأخير من القرن الثاني الهجري جاء إدريس الأول –وهو من آل البيت– إلى المغرب فارا من بطش العباسيين فاحتضنته قبيلة أوربة الأمازيغية –نفس قبيلة كسيلة الذي ترأس أول مملكة أمازيغية في ظل الإسلام لمدة خمس سنوات (64هـ/69)- فقامت دولة الأدارسة بالمغرب وقضت على بقايا إمارات وممالك الخوارج بالمنطقة.

معادلة ثلاثية الأبعاد
وبما أن الملكية معروفة عند القوم: فالملك عندهم هو "أكليد" والمملكة "تكلديت"، فقد تم تدشين مرحلة جديدة تميزت بما يمكن تسميته منهج الاحتضان الأمازيغي للممالك الإسلامية بالمغرب، وينبني هذا المنهج على معادلة ثلاثية الأضلاع حيث يكون الملك من آل البيت أو من العلماء أو الدعاة، ويرتبط نسبه عن طريق المصاهرة بالزواج من بنات أحد أشراف القبائل الأمازيغية، وتتكون قاعدته الشعبية والعسكرية وعصبته القبلية من نفس القبائل، وعلى أساس هذه المعادلة أقيمت الدول الملكية بالمغرب كدولة الأدارسة، والمرابطين والموحدين، والسعديين، والعلويين.

وأضيف إلى مبدأ الاحتضان عبر العصور مبدأ اللامركزية، حيث تخضع القبائل لحكم مركزي دون أن يتدخل في شؤون حياتها اليومية، فإذا أخل الملك بالشرط ثار الأمازيغ على إخلاله دون نفض بيعته، وهذا ما رسخ معادلة جديدة ثنائية الأضلاع هي: إعطاء الشرعية للحكم المركزي عن طريق البيعة مع الاستقلال بالتدبير الذاتي للشأن المحلي.

وزيادة على ما سبق ذكره، حرص الملوك العلويون على تعليم الأمازيغية لأولياء عهدهم، ولم ينقطع العمل بهذا العرف إلا مع الملك عبد العزيز بن الحسن الأول في مطلع القرن العشرين لظروف خاصة منها أن أمه لم تكن أمازيغية، وانطلاقا من الملك محمد الخامس عادت الأمومة



الأمازيغية لتأخذ طريقها من جديد مع كل من الحسن الثاني ومحمد السادس.

من الظهير البربري إلى تسييس المطالب

"
معظم أركان الدولة العسكرية والأمنية بعد الاستقلال اعتمدت في قاعدتها البشرية وقياداتها على المناطق القبلية وخصوصا الأمازيغية منها

"
عندما تعرض المغرب للاستعمار قاومه المغاربة بشدة، وكانت المناطق البربرية أشد مقاومة حيث استمرت مقاومتها إلى سنة 1936، كما أن عددا من أشهر المقاومين بالمجال الحضري نفسه كانوا من الأمازيغ، وكان عماد مقاومتهم حماية بيضة الإسلام بالالتفاف حول السلطان المجسد في شخص الملك.

وهكذا لم يجد الملك محمد الخامس غضاضة بادئ الأمر في توقيع الظهير البربري –الظهير هو القانون الصادر عن الملك- سنة 1930، والذي أباحت فيه السلطة المستعمرة للقبائل البربرية الاحتكام إلى أعرافها القبلية، على أساس أن ذلك امتداد للمعادلة الثنائية السابقة الذكر بين الملك والقبائل البربرية، ولم ينضم الملك إلى صف معارضة هذا الظهير الذي وقعه بنفسه وبدون إكراه، إلا بعد أن اقتنع بأطروحة الحركة الوطنية التي رأت في الظهير خطوة استعمارية قد تؤدي إلى تقسيم البلاد. وقد شكل اقتناع الملك نسفا لأحد ضلعي المعادلة الثنائية القائمة على اللامركزية تجاه القبائل الأمازيغية، وتعزيزا لمبدأ مركزية السلطة والدولة الذي كانت تحبذه السلطة المستعمرة كذلك .

وبعد الاستقلال مباشرة في سنة 1956، كانت الملكية معرضة للتهديد من قبل بعض فصائل الحركة الوطنية التي كانت تحلم بفرض النظام الجمهوري على غرار التجربة التونسية، ولكن سرعان ما استيقظت الأعراف من سباتها لتتحرك القبائل الأمازيغية سواء عبر قياداتها القبلية التقليدية (الخطيب/اليوسي/ أحرضان/ الوكوتي..) أو عبر مؤسساتها الحزبية ذات الشكل العصري (الحركة الشعبية كحزب ذي امتداد قبلي معظمه أمازيغي) لحماية الملكية من المخاطر المحدقة بها.

بل إن معظم أركان الدولة العسكرية والأمنية بعد الاستقلال اعتمدت في قاعدتها البشرية وقياداتها على المناطق القبلية وخصوصا الأمازيغية منها، وحتى حينما تعرضت الملكية لانقلابين عسكريين هددا وجودها في سنوات 1971 و1972، اعتبر البعض ذلك بمثابة تمرد من داخل البيت الأمازيغي نفسه خصوصا وأن معظم القادة الانقلابيين كانوا من القبائل الأمازيغية، كما أن الذين أحبطوا المحاولتين معا كانوا من نفس الطينة أيضا، كما أن القادة العسكريين الذين تم إعدامهم أو محاكمتهم هتفوا بحياة الملك، أو عبروا عن أنه تم التغرير بهم لأنهم إنما تحركوا بهدف حماية الملكية.

مع نهاية ستينيات القرن العشرين أسست جمعيات تدعو إلى الاهتمام بالثقافة واللغة الأمازيغيتين، وربما جاء ظهورها كرد فعل على الحركات السياسية القومية وحركة التعريب المركزية، ولكنها في معظمها لم تعلن نقض الولاء للملكية بل كانت تتوجه بمطالبها الثقافية إليها. لكن التجربة أثبتت أن الخطورة تكمن في عدم الاهتمام بمثل هذه المطالب الثقافية بادئ الأمر، إذ سرعان ما تتحول إلى مطالب سياسية في مرحلة لاحقة، ثم تتبلور المطالب السياسية إذا لم تتم معالجتها بسرعة كذلك إلى حركات مسلحة أو ربما انفصالية، وهذا ما حدث مع الأكراد في كل من العراق وتركيا، والزنوج في السودان.

ومنذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي، تكاثر عدد هذه الجمعيات في مختلف مناطق المغرب -يفوق عددها الآن 600 جمعية- وبدأت مطالبها تتسيس: ومنها تعميم تدريس اللغة الأمازيغية على المغاربة، واعتبارها لغة رسمية، والتنصيص عليها في الدستور المغربي.

فهل شكلت هذه المطالب بداية للاحتداد والقطيعة مع الدولة؟ كلا. فإذا كانت الآلة الأمازيغية تتحرك تجاه الملكية كلما تم تهديدها، فقد تحركت الملكية هذه المرة تجاه الحركة الأمازيغية لاحتضان بعض مطالبها.

"
العلاقة بين الملكية والأمازيغية، إما إلى احتضان متبادل مستمر في مصلحة المغاربة أجمعين، وإما إلى انقطاع مستتر تتضرر منه البلاد والعباد

"
وهكذا اختار الملك أن يلقي خطابه من منطقة لها رمزية خاصة –منطقة أجدير بعمالة خنيفرة حيث أصول أم الملك الأمازيغية- ليعلن عن تأسيس "المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية" مؤكدا أن "الأمازيغية ملك لكل المغاربة بدون استثناء".

بعد تأسيس هذا المعهد، وإقرار تدريس الأمازيغية في المدارس الحكومية، قامت معركة أخرى حول الحروف التي ستكتب بها هذه اللغة هل هي الحروف العربية أم اللاتينية أم حروف تيفيناغ؟ وبدا للملاحظين أن المنادين بتبني الحروف اللاتينية كان لهم الصوت الأقوى داخل المعهد وخارجه، يليهم أنصار حروف "تيفيناغ"، وأن أنصار الحرف العربي لا قوة لهم داخل المعهد بل خارجه.

وبدا أن تدخل الدولة بقفازات حريرية كان ضروريا لاتخاذ قرار وسط يجنب البلاد فتنة عارمة، ويقضي بتبني حروف "تيفيناغ" باعتباره خيار توازن: فهو لا يرضي التوجه الفرنكفوني الأمازيغي وطموحاته، ولكنه لا يغضبه كما لو تم اختيار الحرف العربي، ونفس الأمر تقريبا بالنسبة لأنصار الحروف العربية.

وبعد هذه المعركة احتدت معارك أخرى كاستقالة بعض أعضاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية احتجاجا على تماطل الأجهزة الحكومية في تنفيذ قرارات وتوجيهات المعهد.

ومن المعارك الرئيسية المحتدمة معركة "دسترة اللغة الأمازيغية" بالنص عليها في الدستور كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وتجدر الإشارة إلى كون دستور المغرب لسنة 1996 ومختلف الدساتير السابقة له نصت على أن "المغرب دولة إسلامية لغتها الرسمية هي اللغة العربية" وبذلك فقد نص على إسلامية الدولة لأن الإسلام هو القاسم المشترك بين مكوناتها السكانية، ولم ينص على عروبة الدولة، وإنما فقط على كون اللغة العربية هي لغتها الرسمية.

ولذا نجد من ينادي بالنص على الأمازيغية كلغة وطنية فقط على أن تبقى اللغة العربية لغة رسمية موحدة للبلاد، وفي ذلك مراعاة للتحديات والصعوبات التي تواجهها اللغة العربية، والتي رغم أنها اللغة الرسمية دستوريا، إلا أنها تلقى منافسة شديدة وغير متكافئة من اللغة الفرنسية في جميع المرافق والإدارات ومؤسسات التعليم، فهل يكون هذا المطلب فاصلا وحاسما في رسم مستقبل العلاقة بين الحركة الأمازيغية من جهة والملكية والدولة من جهة أخرى؟ خصوصا أن بعض أقطاب الحركة الأمازيغية يصرحون بأنهم لن يسكتوا ولن يبقوا بدون حراك تجاه أي تعديل دستوري مقبل يتجاهل دسترة اللغة الأمازيغية.

فهل تعمل الدولة على الاهتمام بالمناطق الأمازيغية الريفية والقروية لتحييد الحركة الأمازيغية الحضرية؟ أم تستجيب لبعض متطلبات الحركة الأمازيغية الحضرية المتناغمة مع الاستحقاقات والشعارات الخارجية حول حقوق الأقليات والثقافات الأصيلة؟

وماذا عن إصرار البعض على تأسيس حزب أمازيغي في مثل هذه الظروف؟ بل ماذا عن الصمت المطبق لأقطاب الحركة الأمازيغية عن هده الخطوة التي سبق أن نددوا بمثلها في مثل هذا الشهر من سنة 2001؟

تلك قضية أخرى تنضاف إلى مجموع القضايا التي ترسم معالجتها معالم مستقبل العلاقة بين الملكية والأمازيغية، فإما إلى احتضان متبادل مستمر في مصلحة المغاربة أجمعين، وذلك ما ينبغي السعي إليه من كل العقلاء، وإما لا قدر الله إلى انقطاع مستتر تتضرر منه البلاد والعباد، وذلك ما ينبغي منع المتطرفين من سوق سفينة المجتمع إليه.
_______________
متخصص في الدراسات الإسلامية والعلوم السياسية