فرنسوا بورجا

فرنسوا بورجا مدير المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية بصنعاء وأحد أكبر الدارسين للثقافة العربية من الداخل لمعايشته إياها لغة وحدثا وفكرا وسياسة، كما أنه يقف موقف المحايد في الصراع الأميركي العربي الإسلامي الذي تحول إلى صراع ثقافات وقيم. وقد التقته الجزيرة نت بعدما ألقى محاضرة تركت أثرها لدى الحضور عن مفكر ينظر إلى الثقافة العربية نظرة تفاؤلية في ظل هذه الأوضاع المظلمة:

السيد فرنسوا بورجا أولا ما هي نظرتك إلى الثقافة العربية كمستشرق أو كمثقف خارج حدودها القومية على الأقل؟

أنا لست متشائما في نظرتي إلى الثقافة العربية، أعتقد أن العالم العربي يمر بفترة سياسية صعبة وهذه الأزمة أدت إلى إبراز الهامش المتشدد من الثقافة وقد أعطت السلطة الشرعية لتصدير هذه الثقافة دون أن تعطي للثقافة الحقيقة الفرصة للتعبير عن مسارها الطبيعي، ومع ذلك فأنا مقتنع أن هذه الفترة ستنتهي ولنا في وجود الانفتاح الإعلامي ووجود أصوات شكلت ظواهر إيجابية خير دليل، فالجزيرة مثلا أصبحت مصدرا للمثقف بعدما كان يستورد معلوماته التي هي أساس ثقافته اليومية من مصادر أجنبية لذلك فأنا لست قلقا على الثقافة العربية بل إنني أشعر بالخوف والقلق على الثقافة الغربية أكثر والتي بدأت قيمها الإيجابية تتدهور.

بم تفسر الهجوم الغربي على الثقافة العربية ووصفها بالمتشددة وخاصة لو أخذنا اليمن كنموذج باعتبار أنك عشت فيها وسبرت أغوارها؟ هل هناك خطر فعلا وإقصاء تتبناه الثقافات العربية ضد الآخر؟

ليس هناك إقصاء ولا خطر من الثقافة العربية ولا من الفكر الإسلامي وحتى مما يسمى الدعوة السلفية والتي توجد في اليمن أكثر من أي دولة أخرى، وهي نتيجة طبيعية لبيئة اليمن التقليدية فهم متشددون كثقافة معيشية وشكليات يمكن أن تعتبر كثقافة عادات وتقاليد لكنها لا تشكل خوفا فهي لا تتبنى العنف ضد الآخر مطلقا بل إنني وأنا أجنبي أحس بالخوف من الثقافة الغربية وآمن على نفسي في جبال اليمن أكثر من أمني عليها حينما أكون مسافرا في مترو داخل نفق بباريس بين شارل ديغول وشانزليزيه.

وأؤكد هنا أن الفكر الأميركي العنصري هو الأعنف والأخطر رغم ما تدعيه واشنطن عن السعودية واليمن أو مصر، ويمكن أن نكتشف ذلك إذا علمنا أن هناك لوبيا في أميركا يدعو إلى حمل السلاح كقيمة ثقافية أو حضارية أو كحق شخصي وحرية فردية في نفس الوقت الذي ينظرون فيه إلى المجتمع اليمني مثلا أو الفلسطيني على أنه متوحش ومسلح وعدواني، فهناك عنف يسيطر على هذه الثقافة الغربية التي أحس أهلها بفشلها وعدم قدرتها على السيطرة على زمام الأمور.

قلت في محاضرة إن نظرية حوار الحضارات يجب ألا ترسخ لأنها تؤيد إشكالية صدام الحضارات، فهل أنت ضدها؟

أنا مع حوار الحضارات إذا بني على أساس أن هناك اختلافا جوهريا لدى كل ثقافة في قيمها وتاريخها وفكرها وأطروحتها، ففكرة صمويل هنتنغتون فكرة وصولية أصولية عنصرية تسلب الثقافات الأخرى قدرتها على صنع أي شيء عالمي مشترك ومن الملاحظ أنه ركز على الحضارة الإسلامية والتي أشار إلى حدودها الدموية وكان عليه أن يعْبر في نظريته تلك إلى الحدود ليحكم حكما موضوعيا على هذه الثقافة الأخرى لذلك فهو ينتمي في كلامه إلى ما ينتقده.