محمد خالد الأزعر

الفصائل الفلسطينية وخيار الدولة الواحدة
خلفيات الرؤية وأبعادها
صورة الدولة الواحدة
مستقبل الدولة الثنائية القومية

تطورات الصراع بين المشروعين الصهيوني الاستيطاني والفلسطيني التحرري على مدار أكثر من قرن، أحدثت تحولات جوهرية في مشهد فلسطين من الداخل.

تحولات كان من شأنها أن أصبح الحل القائم على فكرة الدولتين: اليهودية الصهيونية والعربية الفلسطينية هو الأكثر تداولاً، وعند البعض الأكثر مقبولية، بسبب الافتراق الشديد بين طرفي الصراع.

الفصائل الفلسطينية وخيار الدولة الواحدة

"
نحن إزاء مشهد فصائلي يمكن التمييز داخله بين قوى سبق لها أن تبنت رؤية الدولة الواحدة إستراتيجياً ثم تخلت عنها لصالح هدف الدولتين لشعبين، وبين قوى إسلامية ما زالت أمينة على رؤية الدولة الواحدة كهدف إستراتيجي

"

غير أن الواقع الفلسطيني الذي اتجه إلى حد بعيد نحو هذا الحل، لم يعدم وجود قوىً وتيارات منظمة، فضلاً عن رموز ثقافية رفيعة، تحركت وما تزال في سبيل الإضاءة حول رؤية أخرى للتسوية تبدو معاكسة تماماً.

وهذه الرؤية قوامها التوفيق بين طرفي الصراع واستقطابهما إلى مفهوم الدولة الواحدة التي يأتلف في كنفهاهذان الطرفان وفقاً لصيغة أو أخرى للتعايش المشترك الذي يضمن التساوي بينهما إما كأفراد أو كجماعات، في تقاسم الموارد وأداء الحقوق والواجبات بشكل ديمقراطي كامل.

وللإنصاف فإن كل أطر الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها المعاصرة تعاطت مع هذه الرؤية طويلاً. ولا يمكن التسليم راهناً بأن هذه الأطر قد تخلت كلياً عن حل تبنته ودافعت عنه لعقود لصالح التسوية على قاعدة الدولتين.

ففي فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب الشيوعي وكذا في أطر سياسية ومدنية أقل شأناً وشهرة، يجري الحنين إلى رؤية الدولة الواحدة كلما أشتدت الأزمات ولاحت نذر الفشل بالنسبة لحل الدولتين.

بل ويمكن العثور داخل أوساط سلطة الحكم الذاتي حالياً، على من يجازف بالقول بضرورة الإنابة والعودة إلى هذه الرؤية. من هؤلاء مثلاً علي الجرباوى، أستاذ العلوم السياسية والرئيس المستقيل للجنة الانتخابات الفلسطينية، الذي يرى أنه "طالما ثبت أن إسرائيل تعارض التسوية على أساس الحد الأدنى المقبول من الشروط الفلسطينية فإنه ينبغي تفكيك سلطة الحكم الذاتي والتوجه إلى خيار الدولة ثنائية القومية.

ولأن إسرائيل لا تريد اختلاط العنصرين اليهودي والفلسطيني، فإن هذا التوجه سيوقعها في أزمة باعتبارها ليست راغبة في الفصل مع الفلسطينيين ولا قادرة على الوصل معهم .."!.

والحال كذلك، يحق الاعتقاد بأن فصائل الحركة الوطنية، العلمانية منها واليسارية، قد ابتعدت عن رؤية الدولة الواحدة بقدر ما أجبرتها المتغيرات والمعطيات غير المواتية داخلياً وإقليمياً ودولياً على هذا الابتعاد.

وهي تدافع راهناً عن هدف الدولتين ولكنها لم تقطع الأمل كلياً في احتمال تجديد طرح هذه الرؤية إذا ما أيقنت أنه لا جدوى بالمطلق من التعلق بهذا الهدف.

ومن جهته فإن التيار الإسلامي في فلسطين بجناحيه حركتي حماس والجهاد، يتبنى رؤية الدولة الواحدة على نحو أكثر استمرارية ومن منطلقات دينية.

ففلسطين عند هذا التيار أرض وقف إسلامي لا يمكن التفريط بها، ويظل تحريرها وإعادتها لرحاب العالم الإسلامي مطلباً غير قابل للمساومة، وتفسر أدبيات حماس بالذات قبولها بحل الدولتين مؤخراً بأنه هدف تكتيكي لا أكثر.

نحن إذاً إزاء مشهد فصائلي سياسي فلسطيني يمكن التمييز داخله بين قوى سبق لها أن تبنت رؤية الدولة الواحدة إستراتيجياً ثم تخلت عنها لصالح هدف الدولتين لشعبين، ومع ذلك فإن لديها استعدادا لإحياء السعي خلف رؤيتها الأصلية، وبين قوى (التيار الإسلامي) ما زالت أمينة على رؤية الدولة الواحدة كهدف إستراتيجي.

كذلك ينشط مريدو الدولة الواحدة فلسطينياً في دائرة الثقافة والمثقفين وأصحاب الرأي السياسي من المستقلين. وكان أكثر هؤلاء شهرة خلال العقد الماضي المثقف والأكاديمي البارز إدوارد سعيد، الذي أولى هذه الرؤية، حتى رحيله قبل عامين، عناية شديدة تعليلاً وشرحاًً.. معتبراً أن تحقيقها يمثل تحدياً أمام العرب واليهود، وأنه "من الممكن الوصول بينهما إلى التعايش داخل دولة واحدة ، ليس كأطراف متقاتلين ولكن كمواطنين متساوين، شريطة إنهاء الاستعلائية الإسرائيلية.."

وفي الوقت الراهن ينافح عن الرؤية ذاتها بتعبيرات قريبة من أفكار إدوارد سعيد وشروحاته ونظريته رموز ثقافية أخرى، نذكر من بينهم خالد الحروب وكمال الخالدي وماجد كيالي ومروان بشارة، وعدد من



أنصار مفهوم دولة كل المواطنين من فلسطينيي 1948، لعل أبرزهم عزمي بشارة.

خلفيات الرؤية وأبعادها

"
اعتبر إدوارد سعيد أن البحث عن القواسم المشتركة على غرار الدول المتعددة الطوائف والأجناس بمثابة التحدي الأكبر أمام العرب واليهود في النموذج الفلسطيني

"

تنتمي رؤية الدولة الفلسطينية الواحدة إلى الاجتهادات الأولى في البحث عن حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حتى ليمكن الزعم بأنها ظلت طويلاً أحد ثوابت فكر التسوية الفلسطيني منذ ما قبل النكبة وصولاً إلى وقتنا الحاضر.

غير أن ديمومة هذه الرؤية لا تنفي وجود بعض التباين في بواعثها ومضامينها الفكرية والأيديولوجية بحسب ميول وتوجهات الداعين إليها وبحسب تطور معطيات الصراع في مراحله المختلفة.

ولعله من المثير حقاً أن العطف الفلسطيني، ماضياً كما حاضراً، على هذه الرؤية، يؤكد الهواجس الإنسانوية والديمقراطية التي انطوت عليها المقاربة الفلسطينية للصراع، تماماً كما يمكن الادعاء بأن الرفض الصهيوني الدائم لها يشير إلى العكس، أي إلى المضامين والأبعاد الانعزالية العنصرية للمشروع الصهيوني.

ذلك أن الطرح الفلسطيني لتسوية الدولة الواحدة يتأسس، طبقاً للأدبيات ذات الصلة، على الانحياز لمفهوم العيش المشترك بين جماعات مختلفة عقيدياً وقومياً، وهو يثق في الإجراءات الديمقراطية والاعتراف المتبادل بين الأطراف في الدولة المنشودة كضمانات للجميع.

وغالباً ما يؤشر أصحاب هذه الرؤية إلى تجارب المجتمعات التي أفلحت في تجاوز التنافر الداخلي بينها بصيغ الدولة الديمقراطية مثل سويسرا وبلجيكا والولايات المتحدة قديماً وجنوب أفريقيا حديثاً، كأمثلة يجدر بالفلسطينيين والإسرائيليين محاكاتها واستلهام عبرتها.

لقد اعتبر إدوارد سعيد أن البحث عن القواسم المشتركة على غرار الدول المتعددة الطوائف والأجناس بمثابة التحدي الأكبر أمام العرب واليهود في النموذج الفلسطيني.

وتذهب قوى التيارالإسلامي إلى أنه في ظلال الحكم الإسلامي فقط عاش اليهود حرياتهم ولم يتعرضوا للاضطهاد على خلاف تواريخهم السوداء في الرحاب الأوروبية. وهكذا فإن هذا التيار يتخذ من الماضي الإسلامي في التعامل مع اليهود متكئاً لتعزيز مفهومه للتعايش في الدولة الفلسطينية المأمولة.

ولا يرى أصحاب هذه الرؤية مستقبلاً للاستقرار والسلم بناء على الحلول القائمة على عزل الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي في دولتين، ولا في السيادة الإسرائيلية المطلقة على الشعب الفلسطيني استناداً إلى موازين القوى الراهنة.

فهذه الموازين عرضة للتغير مما سيلحق الأذى بهذا التوجه، ثم إن نطاق فلسطين من الضيق الجغرافي وقلة الموارد بحيث لا يستوعب قضية تقسيمها بين دولتين يمكنهما تحقيق الإشباع الاقتصادي والسياسي لكل من اليهود والعرب.

كما يرون أن هناك مستويات كبيرة من الاعتمادية المتبادلة بين هذين الشعبين تبررالقناعة باحتمال تعايشهما المشترك، وأنه من ميزات الرؤية للجانب اليهودي أن الدولة الواحدة ستنزع عنه مخاوف التكاثر السكاني العربي، وتقيه شرور التمييز العنصري الذي يمارسه ضد الفلسطينيين



داخل دولته وخارجها، وستمكنه من التعاون الآمن مع العرب مثلما يلاحظ ماجد كيالي ومروان بشارة.

صورة الدولة الواحدة

"
يُفهم من الصيغ المتداولة بعامة أن بعض الفلسطينيين يقرن مفهوم الدولة الواحدة بالديمقراطية العلمانية، فيما يقتصر البعض على وصفها بالديمقراطية فقط

"

القاسم المشترك بين الأفكار الفلسطينية العاطفة على هذه الدولة هو التقاء دعاتها جميعاً قبل النكبة وبعدها، على وحدة سياقها الجغرافي والسياسي السيادي، فهذا التيار يضمر ويعلن عداءاً ملحوظاً لتقسيم فلسطين.

أما محتوى هذه الدولة وكيفية التقاسم السياسي والإداري والوظيفي داخلها، فيتم التعبيرعنه بصيغ مختلفة نسبياً، وبقدر من التعميم، على اعتبار أن التفصيلات مسألة سابقة لأوانها قبل الاتفاق عليها ديمقراطياً مع الجانب اليهودي.

غير أن المتابع يستطيع أن يجمع شتات الأفكار بهذا الخصوص بما يكون منها صورتين واضحتين للدولة المأمولة.

دولة المساواة
فهناك من ناحية صورة الدولة التي تضم شعباً واحداً بمواطنة متساوية لكل أبنائها على أساس "صوت واحد للشخص الواحد" بغض النظر عن أية انتماءات لهم.

وقد ترددت هذه الصيغة بين يدي العروض الفلسطينية للتسوية عند بدايات الانتداب البريطاني، ثم عادت للنقاش بمواصفات مشابهة بعد النكبة ولاسيما في متن الميثاق الوطني الفلسطيني وأطروحات حركة فتح.
وداخل هذه الصيغة جرت تعديلات لجهة التصور الفلسطيني للتعامل مع القطاع اليهودي في الدولة.

فقبل النكبة نادى أصحاب الرؤية بالمواطنة المتساوية لليهود الأصليين الموجودين بالفعل داخل البلاد عند بداية الانتداب، ولم يعترفوا للمهاجرين المستوطنين بهذه الأحقية.

غير أن تراكم المهاجرين لاحقاً، اضطرهم إلى ما يعتبر تنازلاً من جانبهم، وهو الترحيب بالمواطنة المتساوية لكل اليهود داخل فلسطين بعد أن يتخلوا عن صهيونيتهم مع وقف الهجرة اليهودية.

دولة الكانتونات
وهناك صورة ثانية أقل طموحاً تجاه التساوي المطلق بين العرب واليهود كشعب واحد، صيغة تعترف بالثنائية القومية لكل منهما وتسلم بالفروق الدينية والثقافية بينهما.

وتقترح تقاسم السلطة داخل الدولة الواحدة بينهما كجماعتين، وتقبل بوجود دوائر وظيفية ذاتية تضطلع لتطوير مجالات خاصة بكل منهما إلى جانب الدوائر الوظيفية المركزية المشتركة، ومن هنا تأتى فكرة "الكانتونات الذاتية" لكل من العرب واليهود تبعاً للأكثرية العددية.

ويُفهم من الصيغ المتداولة بعامة أن بعض الفلسطينيين يقرن مفهوم الدولة



الواحدة بالديمقراطية العلمانية، فيما يقتصر البعض على وصفها بالديمقراطية فقط، تحسساً من النفور الشعبي تجاه فكرة العلمانية.

مستقبل الدولة الثنائية القومية

"
مطلب الدولة الواحدة يجافي المشهد الراهن في فلسطين لجهة موازين القوى بين الشعبين، التي تميل للجانب اليهودي

"

يعترف دعاة هذه الرؤية بالعقبات التي تواجههم، ولا يرون أن لها حظاً من الشعبية في أجل قريب. يقول كمال الخالدي "إن خيار الدولة الواحدة صعب على اليهود والعرب لكنه خيار إستراتيجي ..".

ولا يختلف علي الجرباوي مع هذا الهاجس، ويرى أن من يعرض رؤية الدولة الواحدة "عليه التفكير في تفكيك السلطة الفلسطينية، لكن بين الفلسطينين من يعتبر السلطة إنجازا يجب عدم التفريط به، وإلا كانت الفوضى". غير أنه يعتقد أن إحياء منظمة التحرير سيسد هذا الفراغ، وعندئذ قد تتعزز رؤية الدولة الواحدة التي تخشاها إسرائيل بشدة.

ومن التوقعات اللافتة ما يطرحه مروان بشارة من أن "اتفاق أوسلو قسم الضفة وغزة إلى جزر وكانتونات للفقر، لكن اليهود لديهم أيضاً شعور بأنهم فى جيتو أو جيتوات موازية، ما يعني أن لا مستقبل للفصل العنصري الإسرائيلي، وأن الحل هو في حياة الشعبين معاُ على قدم المساواة".

والشاهد أن مطلب الدولة الواحدة يجافي المشهد الراهن في فلسطين لجهة موازين القوى بين الشعبين، التي تميل للجانب اليهودي. فضلاً عن ذلك فإن المعطيات الإقليمية والدولية تبدو مواتية لهذا الجانب، وهذا لن يسهم إلى أجل ممتد فى إقناع الإسرائيليين بهذا المطلب.

فهم سينظرون إلى أنه يفضي بهم للتخلي عن إنجازات تاريخية، لكن هذا المشهد بنظر آخرين، مثل خالد الحروب، يحوي تفصيلات قد تشجع مستقبلاً على التفكير الجدي في خيار الدولة الواحدة، من ذلك فشل حل الدولتين وعدم تمكن الصهيونية من تصفية الوجود السياسي الفلسطيني، وشدة التداخل بين الشعبين التي تجعل الدولة الواحدة حلاً معقولاً عند الطرفين.

وتقديري أن هذه الرؤية تستبطن مضامين طوباوية، وإن لم تكن مستحيلة التحقق، وهي بسبب التزامها بحلمها الخاص وسيرها في اتجاه معاكس لكثير من معطيات الواقع، قد لا تكون مرشحة لاستقطاب إسرائيليين وفلسطينيين بالحجم الكافي لتكوين تيار ضاغط خلفها بما يمنحها فرص المنافسة الحقيقة للخيارات الأخرى المطروحة لحل الصراع على أرض فلسطين، وذلك إلى أجل يعز تحديده.
_______________
كاتب وأكاديمي فلسطيني