د. صباح نعوش

نصت مسودة الدستور العراقي الجديد على أن نظام الحكم نيابي وشكل الدولة اتحادي، ويترتب على ذلك بالطبع تغييرات جوهرية في مختلف الميادين خاصة المالية العامة التي أصبحت تنظم بميزانية اتحادية وميزانيات محلية مستقلة. ترى ما هي الأسس التي تستند إليها مسودة الدستور لتنظيم مالية الدولة؟ وهل تستطيع هذه المسودة والقوانين التي ستصدر بموجبها معالجة الأزمة الاقتصادية أم ستقود إلى وضع أكثر تعقيداً وخطورة؟

وضع الموازنة العامة للدولة
غياب القواعد الأساسية
تجاهل قضية العمالة

وضع الموازنة العامة للدولة

تشير الفقرة الرابعة من المادة 78 إلى صلاحية مجلس الوزراء في "إعداد مشروع الموازنة العامة والحساب الختامي وخطط التنمية". وكررت دون مبرر مواد أخرى نفس هذه الصلاحية (الفقرة الثانية من المادة 60 والفقرة الثالثة من المادة 108). وتحضير مشروع الميزانية العامة من قبل مجلس الوزراء متعارف عليه في جميع البلدان لأنه الجهة المنفذة للميزانية لذلك يصبح من الطبيعي أن يتولى مهمة تحضير الإيرادات والنفقات العامة. وتتطلب عملية التحضير بيانات كثيرة لا تتوفر إلا لدى الوزارات.

حسب المسودة يختص مجلس النواب بإقرار مشروع الميزانية العامة، ولهذا المجلس صلاحية تخفيض مبالغ النفقات العامة ولكن لا يجوز له زيادتها إلا تحت شرطين:

  • أولهما الضرورة التي يتعين على القانون المنظم للميزانية توضيح معانيها
  • ثانيهما الحصول على موافقة مجلس الوزراء

ولا توجد في المسودة أية إشارة إلى دور مجلس النواب عندما يناقش الإيرادات العامة، وهذا أمر غير منطقي لأن المجلس يقر مشروع الميزانية بنفقاتها وإيراداتها ولا يقتصر دوره على النفقات.

"
ليس لمجلس النواب ولا لوزارة المالية في الدستور الجديد غير صلاحيات محدودة في وضع الموازنة العامة والإشراف على تنفيذها

"

لابد إذن من تلافي هذا النقص عن طريق القانون المنظم للميزانية الذي قد ينص على حق مجلس النواب في زيادة الإيرادات العامة كاقتراح ضريبة جديدة أو رفع أسعار الضرائب المعمول بها. وبذلك لم يتأثر كتاب المسودة بالنظام الأميركي الذي يمنح سلطات واسعة جداً للكونغرس يستطيع عن طريقها تعديل الإيرادات والنفقات الاتحادية باتجاه الزيادة أو النقصان. لكنهم تأثروا بنصف ما هو متبع في دول أخرى كفرنسا والمغرب. فقد منعت المادة  40 من الدستور الفرنسي والمادة 50 من الدستور المغربي أن تقدم السلطة التشريعية أي مقترح من شأنه زيادة النفقات العامة أو تقليص الإيرادات العامة، بمعنى أن العكس ممكن.

ومنحت المسودة الحق لمجلس النواب في إجراء "المناقلة" في النفقات بين أبواب وفصول مشروع الميزانية العامة، ويراد بذلك إمكانية تغيير الجهة المسؤولة عن تنفيذ النفقات العامة دون أن يقود ذلك إلى تغيير طبيعتها كأن ينقل اعتماد لشراء سيارات من وزارة الخارجية إلى وزارة الصناعة.

على الصعيد العملي تعتبر وزارة المالية الجهة المعنية بتقديرات النفقات والإيرادات العامة التي تقدم إلى مجلس الوزراء للمصادقة عليها فتصبح مشروع الميزانية الذي يعرض على مجلس النواب، لكن الصلاحيات المالية الواسعة الممنوحة للأقاليم بموجب مسودة الدستور سوف تجعل من وزارة المالية مجرد جهاز لجمع التقديرات، وحسب الفقرة الثانية من المادة 128 "يقوم مجلس وزراء الإقليم بإعداد الموازنة السنوية للإقليم والحساب الختامي ويصدر بها قانونا من المجلس الوطني للإقليم ويقوم مجلس وزراء الإقليم بتسليم نسخة من الموازنة العامة للإقليم والحساب الختامي لوزارة المالية الاتحادية بعد مصادقة المجلس الوطني للإقليم عليها".

سوف يستعصي على وزارة المالية تعديل الإيرادات أو النفقات الواردة في ميزانية الإقليم لأن هذه الأخيرة صادرة بقانون، كما سيكون دور مجلس النواب محدوداً جداً في تقليص النفقات العامة أو إجراء المناقلة أو حتى انتقاد مشروع الميزانية، فهو لا يستطيع التأثير على قوانين إقليمية تعلو على القوانين التي يصادق عليها، وفي نهاية المطاف ميزانية العراق ليست سوى مجموع ميزانيات الأقاليم.

غياب القواعد الأساسية

أهملت المسودة قضايا كثيرة ذات أهمية كبيرة. فهي لم تشر إلى الفترة الزمنية التي تفصل بين تقديم مشروع الميزانية العامة والتصويت عليه، وهذه الفترة يجب أن تكون كافية ليتمكن مجلس النواب من تحليل السياسة المالية للحكومة وإبداء المقترحات والتوصيات. هنالك دول عديدة أدرجت هذه الفترة في دساتيرها منها مصر في المادة 115 من دستورها التي تجبر الحكومة على تقديم مشروع الميزانية العامة إلى مجلس الشعب قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية. وتبنت المادة 74 من الدستور السوري نفس هذه الفترة.

وعلى خلاف دساتير كثيرة لم تتناول المسودة حالة عدم استطاعة مجلس النواب التصويت على مشروع الميزانية في الموعد المحدد لسبب أو لآخر، هل يتعين على الحكومة تنفيذه دون الموافقة النيابية كما هو الحال في فرنسا والمغرب، أم الاستمرار في تنفيذ الميزانية القديمة المنتهية لحين اعتماد مشروع الميزانية الجديدة كما هو الوضع في إسبانيا ومصر وسوريا، أم يطلب مجلس الوزراء من مجلس النواب الموافقة على ميزانية شهرية لحين التصويت على مشروع الميزانية السنوية كما هو متبع في إيطاليا.

"
لم تنص مسودة الدستور على أهم وأبسط قاعدة مالية وهي العمومية التي تستوجب إدراج جميع النفقات العامة في الميزانية

"

ولم تنص المسودة على أهم وأبسط قاعدة معروفة في العلوم المالية وهي العمومية التي تستوجب إدراج جميع الإيرادات وجميع النفقات العامة في الميزانية. تساهم هذه القاعدة في الحد من التلاعب بالأموال العامة خاصة وأن العراق يعاني منذ عدة سنوات من سوء التصرف في هذه الأموال. كان على كتاب المسودة وهم بصدد اقتباس النصوص الدستورية من هذا البلد أو ذاك أن يقفوا عند المادة 174 من الدستور الفيدرالي البلجيكي التي تنص بصورة صريحة على هذه القاعدة.

ولعل من المناسب التطرق هنا إلى كيفية التعامل مع المساعدات الخارجية الممنوحة للعراق بعد احتلاله. فتحت تأثير الولايات المتحدة انعقد مؤتمر بمدريد في أكتوبر 2003 وقرر رصد 32 مليار دولار منحت من قبل الولايات المتحدة (18.5 مليار) والدول الأخرى (8 مليار) والمؤسسات الدولية (5.5 مليارات) تصرف خلال الفترة الواقعة بين 2004 و 2007، ثم توالت مؤتمرات المانحين وكان آخرها في بروكسل بتاريخ 22 حزيران 2005.

كانت الإدارة الأميركية تأمل أن يصل حجم المساعدات في مدريد إلى 55 مليار دولار إذ أشارت التوقعات إلى مساهمة الدول الأخرى بمبلغ 31 مليار دولار في حين هبط حجمها إلى 8 مليارات، وحسب تقرير لوزارة التخطيط العراقية لم يصرف من المبلغ المقرر في مدريد (32 مليار دولار) سوى خمسة مليارات فقط منها 3 مليارات من الولايات المتحدة. وعلى هذا الأساس وعلى افتراض تنفيذ ما التزمت به الدول المانحة فإن حجم المساعدات لا يغطي أكثر من 4% من الخسائر المالية الإجمالية التي تحملها العراق منذ اندلاع الحرب ضد إيران، ولا يصرف قسط منها لدعم العمليات الإنمائية بالمفهوم الاقتصادي المتعارف عليه كإعادة بناء البنية التحتية وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين بل ترصد لأبواب أمنية.

أما العلاقة بين هذه المساعدات والحكومة العراقية فتكاد تكون منعدمة تماماً. فعلى سبيل المثال جميع مساعدات الولايات المتحدة عبارة عن عقود تبرمها السفارة الأميركية ببغداد مع الشركات الأميركية، في حين يفترض إيداع المساعدات في صندوقين تابعين للأمم المتحدة فتصبح إيراداً عاماً للدولة يدخل إلى ميزانيتها حتى وإن كان إنفاقه مقيداً باعتبارات معينة، وهذا ما هو متبع في ميزانيات البلدان العربية وغير العربية المتلقية للتمويل الخارجي، لكن الميزانية العراقية لعام 2004 لم تدرج المساعدات الخارجية في إيراداتها البالغة 12.8 مليار دولار منها حوالي 12 مليار دولار من النفط.

وستسلك الميزانيات الأخرى نفس هذا الطريق عندئذ تنتهك قاعدة العمومية وتنتفي شفافية الإيرادات والنفقات وتفتح الأبواب على مصراعيها أمام التلاعب بالأموال العامة، علماً بأن تلك المساعدات ليست هبات مجانية بل إنها قروض بشروط ميسرة يتعين لاحقاً على مالية الدولة سداد ما يترتب عليها من ديون أو استثمارات منحت للشركات الأجنبية التي استحوذت على السوق العراقية.

تجاهل قضية العمالة

الميزانية العامة ليست فقط عملاً فنياً بل إنها أيضاً وبصورة خاصة أداة تؤثر بشدة سلباً وإيجاباً على القطاعات الاقتصادية والشرائح الاجتماعية. إنها السياسة الاقتصادية والاجتماعية السنوية للدولة، ليس في المسودة ما يبين كيفية استخدام هذه الأداة، كان من اللازم وضع بعض المبادئ العامة لمعالجة أزمة البطالة مثلاً.

إن العراق يعاني من معدلات مرتفعة جداً للبطالة لا تقل عن نصف عدد القادرين على العمل. وهو من المعدلات النادرة حتى في البلدان الأكثر فقراً في العالم، وخطورة هذه الأزمة تستوجب نصا دستوريا يشير على الأقل إلى ضرورة بذل الجهود لمعالجتها.

"
يمثل الدستور الجديد خطوة نحو الوراء في ما يتعلق بالعمل والعمالة ومسؤولية الدولة في تحسين مستوى العمال

"

لا شك أن المادة 22 تنص على أن "العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة"، لكن هذه الصياغة المقتبسة من إعلان حقوق الإنسان تخلو من العناصر الملزمة للسلطات العامة بتحسين مستوى العمالة، في حين هنالك نصوص أخرى يتوفر فيها الإلزام عندما يتعلق الأمر بتكوين النقابات وتشجيع الاستثمارات وحرية تنقل البضائع ورؤوس الأموال.

 وفي هذا الصدد تمثل المسودة خطوة نحو الوراء مقارنة بقانون إدارة الدولة المؤقت الملغى بموجبها والذي طبق مباشرة بعد الاحتلال حيث نصت مادته الرابعة عشرة على ما يلي "… وعلى الدولة العراقية ووحداتها الحكومية … أن تسعى لتوفير الرفاه وفرص العمل للشعب". إن عدم تكفل الدولة بتحسين المستوى المتردي للعمالة يعني أن التشغيل ليس من أولويات الميزانية العامة. أما التشبث باقتصاد السوق واعتبار القطاع الخاص المحرك الأساس لعجلة النمو الاقتصادي وبالتالي للتشغيل فلا يعفي الدولة من مسؤوليتها تجاه أزمة اقتصادية خانقة أدت وستؤدي إلى نتائج اجتماعية خطيرة.

ولن تكتفي السياسة المالية الجديدة بإهمال هذه الأزمة بل ستساهم أيضاً في تفاقمها عن طريق آليات عديدة في مقدمتها الخصخصة التي ستطبق اعتباراً من العام المقبل وفق برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي المفروض من قبل صندوق النقد الدولي، وقد دلت التجارب في البلدان العربية وغير العربية المثقلة بديونها الخارجية على أن برامج الصندوق قادت إلى تحسن الوضع المالي للدولة على حساب ارتفاع معدلات البطالة.

وستتم خصخصة 190 شركة من مجموع 200 شركة تشغل حوالي نصف مليون شخص. وبسبب القوانين المشجعة للاستثمارات الأجنبية وضعف المدخرات المحلية فإن الخصخصة في العراق لا تعني انتقال ملكية تلك الشركات من القطاع العام إلى القطاع الخاص الوطني بل من الدولة إلى الشركات الأجنبية. ولن يكون هدف هذه الشركات تشغيل العمال بل الحصول على أكبر قدر ممكن من الأرباح وترحيلها إلى الخارج، كما ستتضافر عوامل أخرى منها انفتاح السوق العراقية على المنتجات الأجنبية وتقليص الرسوم الجمركية إلى أقصى الحدود والتشجيع المطلق للاستثمارات الأجنبية والانتماء المرتقب للعراق إلى منظمة التجارة العالمية لتحول البلد إلى مجتمع استهلاكي وتقضي على المؤسسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة العاملة في الصناعات التحويلية التي تشغل عدداً كبيراً من العمال.
________________
باحث اقتصادي عراقي مقيم بفرنسا