أجلت "الحركة" العمل للديمقراطية السياسية منذ نشأتها لاعتقادها أن الأولوية في المرحلة الأولى "للثورة" لتحقيق الوحدة والتحرر من الاستعمار واسترداد فلسطين

أجلت "الحركة" العمل للديمقراطية السياسية منذ نشأتها لاعتقادها أن الأولوية في المرحلة الأولى "للثورة" لتحقيق الوحدة والتحرر من الاستعمار واسترداد فلسطين، ولأن من الوهم الأمل بالوصول إلى الديمقراطية إلا في نظام اشتراكي يتحقق في مرحلة لاحقة تقضي على الاستغلال الذي يتيح تحكم أفراد عن طريق ثرواتهم بأفكار ومواقف الأفراد الآخرين، فلا مساواة سياسية حين لا تتوفر المساواة الاقتصادية، والاشتراكية والديمقراطية نظامان متكاملان لا يمكن الفصل بينهما أبداً (22).


لم تركز "الحركة" في الخمسينيات على الحريات واكتفت بدراسات نادرة جداً قبل وأثناء الوحدة تحدثت عن ثغرات الديمقراطية الغربية، وأهمها عدم مراعاة ظروف المجتمع العربي من حيث انخفاض مستوى الوعي نتيجة التخلف العام، فعدم توفر المواطن الواعي يسهل معه خداع المواطنين (23).

وكما انتقدت المعسكر الغربي الذي يقيم ديمقراطية دون اشتراكية، انتقدت أيضاً المعسكر الشرقي الذي يقيم اشتراكية دون ديمقراطية، وطالبت بمرحلة انتقال ديمقراطية مقيدة لعمل التيارات المعادية للخط القومي، إلى أن يرتفع الوعي الشعبي ليمكن بعدها الانتقال للديمقراطية الكاملة (24).

كما تعللت بالظروف المحيطة بدولة الوحدة لتفسير نقص الحريات فيها، فالأمة برأيها كانت في "حالة حرب" لذلك يجب التضحية بالحرية الفردية عندما تتعرض حرية المجموع للخطر، فالأولوية لحرية الشعوب ثم يمكن السعي لتأمين حرية المواطن بعد استقرار الأوضاع القومية (25).


راجعت "الحركة" بعد الانفصال موقفها من التضحية بالديمقراطية السورية النسبية في الخمسينيات من أجل الوحدة مع مصر، فخطأت حل الأحزاب وقبلت تمثل الاتجاه الاشتراكي في عدد من التنظيمات، ليضطلع الحزب الأقوى بالسلطة والأحزاب الأخرى بدور المعارضة (26)، مع حجب الحرية عن الأحزاب المعادية للخط القومي الاشتراكي، إلا أنها عادت لاعتبار التعدد السبب في إفشال قيام الوحدة الثلاثية 1963 مما جعل "الحركة" تتراجع عن دعايتها شبه الديمقراطية.


شاركت أحزاب أخرى "الحركة" في مواقفها من الديمقراطية المقيدة أو الموجهة، إذ رأى ممثلو حزب البعث في مباحثات القاهرة للوحدة الثلاثية أن الحركات "الثورية" عندما تجد نفسها في الحكم ستعيد النظر في مواقفها السابقة التي كانت تطالب بديمقراطية على الطريقة البرجوازية لتتيح لنفسها العمل في أفضل الشروط، لكن عندما تصل للحكم تعتبر مثل هذه الديمقراطية خطراً على "الثورة"، ولو أجريت انتخابات يجب السيطرة عليها تماماً وإلا نجحت القوى الرجعية وانتكست "الثورة" (27).


هذه الآراء كانت توصيفاً لما جرى لاحقاً وأطلق عليه اسم "الديمقراطية الشعبية"، فقد بدأ نظاما البعث في سوريا والعراق بتصفية كافة التيارات في الجيش والمجتمع لضمان الانفراد بالحكم، وتحولت "الحركة" والأحزاب الأخرى إلى الدعوة لإسقاط الأنظمة التي اتهمتها بالفاشية، وعندما تم إسقاط النظام البعثي العراقي سارت الأمور على نفس المنوال من حيث الانفراد بالسلطة، والمطالبة بالحريات للذات فقط وليس لشتى الاتجاهات.


أما موقف "الحركة" الذي يبين مدى فهمها للتعامل الديمقراطي الإنساني مع القوميات الأخرى، فقد قسمت الأقليات لتكتلات معادية تحاربها، مثل اليهود في فلسطين والفرنسيين المستوطنين في الجزائر، وأقليات وافدة غير معادية مثل الأرمن والشركس لها نفس الحقوق والواجبات مما يسهل صهرها مع الزمن كنتيجة طبيعية لمفاهيم عروبة إنسانية (28). أما الأكراد فناقشت قضيتهم في العام 1963، حيث بدأت تتفهمها بعيداً عن التعصب الشوفيني، إذ اعترفت بخصوصيتهم القومية وحقهم في حكم ذاتي إداري وثقافي ضمن وحدة الأراضي العراقية (29).


وعندما انتقلت "الحركة" لأقصى "اليسار" إثر هزيمة حزيران طالبت النظام المصري "بتوسيع" الديمقراطية لتمكين الطبقة العاملة وحلفائها من التجمع في تنظيم ثوري، كبديل عن أشكال الديمقراطية التي أقامتها الطبقة البيروقراطية (30). فبدل مواجهة الهزيمة بتوسيع المشاركة الشعبية في أمور الوطن، تضييقها لحدود "الحزب البروليتاري" فقط.

الطريق البرلماني للتغيير:


الحزب الديمقراطي لا يحتاج للالتزام بأيديولوجيا واحدة بل لتعايش أيديولوجيات مختلفة، مما يجعله أقل تعرضاً للانشقاقات، فالرابط الأساسي بين أعضائه قناعتهم ببرنامج مشترك بنوده غير مقدسة وقابلة للتطور

رغم عدم قناعة "الحركة" بالعمل البرلماني فقد شاركت في عدد من الانتخابات أولها في الأردن 1956 بعد خلاف داخلها بين من يرى الابتعاد عما يغرق القيادات في الهم القُطري على حساب القومي، وبناء حزب نضالي ملتزم لا يسعى لكسب نواب ووزراء والوصول إلى السلطة، وبين من رأى استغلال المعركة الانتخابية كمنبر لنشر الفكر القومي والاحتكاك بالجماهير والمساهمة في العمل السياسي (31). اتهمت "الحركة" السلطة بالتزوير بعد عدم نجاح أي من مرشحيها، رغم أن القوى الوطنية المعارضة حصلت على أكثر من نصف المقاعد (32).


كما شاركت "الحركة" في انتخابات الاتحاد القومي في الإقليم السوري أثناء حكم الوحدة في تموز 1959 ببعض أعضائها وأكثرية من أصدقائها ونجح عدد كبير منهم. وهي انتخابات تدخلت السلطة فيها لإنجاح مرشحين بطرق متعددة، وكان هناك اتجاه لإخضاع أسماء المرشحين لشطب "أعداء الوحدة"، إلا أن هذا القيد ألغي بعد إقفال باب الترشيح دون تحديد مسبق مما أبعدهم مع عدم الحاجة لتدخل أجهزة الدولة (32).

وقبلت "الحركة" تعيين عدد من أعضائها وأصدقائها في مجلس الأمة المشكل من نصف أعضاء البرلمان السوري ومجلس الأمة المصري السابقين، مع استكمال الباقي بتسميتهم. ومن الواضح أن "الحركة" لم تعترض على أي من التجاوزات للأسلوب الديمقراطي، فالأولوية لديها كانت لدولة الوحدة وخطها الثوري، وليس لشعبها. ولم يطرح نوابها في المجلس أي شيء يتعلق بالحريات.


شاركت "الحركة" في انتخابات لبنان نيسان 1960 بمرشح واحد لم ينجح رغم جمعه عددا غير متوقع من الأصوات، على خلفية دورها في الانتفاضة اللبنانية 1958 ورصيدها الشعبي بعدها (34)، إذ رأت أن في المؤسسة النيابية مجالا للدفاع عن مصالح الشعب ولتكتيله حولها ولخوض معركة ضد الإقطاع السياسي. وفي الانتخابات الكويتية للمجلس التأسيسي بعد الاستقلال في العام 1961، حصلت "الحركة" على أعلى الأصوات وشكلت داخل المجلس كتلة قومية بالتحالف مع التجار لعبت دوراً أساسياً في وضع الدستور وفي السياسة الخارجية للكويت (35). وعندما استطاعت السلطة تأمين أكثرية في الانتخابات التالية وعملت لاستصدار قوانين تحد من الحريات، قام نواب "الحركة" بالاستقالة من المجلس عام 1965 احتجاجاً على القوانين التي تزيف الديمقراطية (36).

وسائل التغيير الانقلابية:
لم تكن "الحركة" تضع السعي للسلطة ضمن اهتماماتها الأولى، فقد أهملت الطريق البرلماني وفضلت التغيير "الثوري" مع تمييز له عن الانقلابات العسكرية التي كانت سائدة في الخمسينيات في المشرق العربي. وكان هناك قرار "للحركة" بالامتناع عن تنظيم العسكريين، بقي حتى قيام الوحدة وبروز دور العسكر السوري في تسريع الوحدة وعسكر العراق في إسقاط الملكية وحلف بغداد، مما جعلها تعدل عن نظرتها السابقة السلبية تجاه القطاع العسكر (37).


بدأت العمل داخل الجيش، وأعادت النظر بالانقلاب المصري واعتبرته استثناءً تحول إلى ثورة بعد أن التحم بالجماهير العربية (38). وإثر الانقلاب العسكري الذي أدى للانفصال السوري، قيمت "الحركة" الأسلوب الانقلابي، ففرقت بين مجتمعات مستقرة تتوافر فيها قواعد التطور الطبيعي الهادئ، ينصرف فيها القطاع العسكري لمهمته الدفاعية، وبين مجتمع عربي حيث أن الصراع محتدم بين قوى الرجعية وقوى الثورة، فالقطاع العسكري المتأثر بقضايا مجتمعه لا بد من أن ينحاز لأحد المعسكرين، فالحياد غير ممكن (39). كما رأت ضرورة إحاطة دور القطاع العسكري بضوابط بحيث لا يتحول إلى بديل للعمل الشعبي العقائدي المنظم بل إلى خط من خطوطه يسانده ويزيح العقبات من أمامه، فالعمل الشعبي الثوري هو الأصل والضمانة، فدونه ينقلب العمل العسكري إلى مغامرات (40).


هذه الضمانات ظلت في المجال النظري، إذ نسيت "الحركة" المحاذير التي نبهت إليها في أدبياتها وانخرطت في العديد من المحاولات الانقلابية التي يسميها أصحابها "ثورات" وخصومها "ردات". والناجح منها تحول مباشرة إلى عكس ما حذرت "الحركة" منه، أي إلى بديل للعمل الشعبي المنظم، فكان لها دور في المحاولة العسكرية الفاشلة ضد الحكم الانفصالي السوري في آذار 1962، وتسابقت مع حزب البعث في العراق وسوريا عام 1963 فكان السبق للانقلاب البعثي في البلدين، لتقوم القوى الناصرية والعارفية في الجيش بانقلاب تشرين الأول 1963 وتسقط حكم البعث العراقي بعد فشل انقلاب الناصريين السوري في تموز من نفس العام الذي انتهى بإعدامات للعسكريين المشاركين، كما حضرت "الحركة" منفردة لمحاولة أخرى كشفت قبل تنفيذها عام 1964 في سوريا. وتعاونت "الحركة" مع كتلة عارف عبد الرزاق في الانقلابات الفاشلة على حكم عارف في العام 1965 (41).


إلا أن "الحركة" كانت حذرة جداً في جميع المحاولات لقطع كل الخيوط التي تربطها بالعسكريين المتورطين في حال الفشل ونفي أي دور تخطيطي أو تنفيذي لها فيها، أما عندما تنجح فتتحول إلى "ثورة" تسعى "الحركة" لأكبر دور ممكن في قيادتها. والانقلابات التي نجحت واستمرت هي التي صفت الأحزاب السياسية المتعددة الاتجاهات، ثم صفت أجنحة الحزب الواحد الحاكم لصالح "قيادة الثورة" لتنتهي بتهميش هذه القيادة لصالح القائد الفرد. والحزب "الثوري" الذي يصل للحكم عن طريق بضع عسكريين يتحول في السلطة إلى حزب يعد بمئات الآلاف أو الملايين أحياناً الذين يغادرونه عندما تنهار سلطته. هذه الصورة ليست استثنائية بل تكررت في كل حزب ثوري عربي أو غير عربي، وخاصة بعد إضافة "القائد الفذ" إلى "النظام الثوري" و"الحزب الثوري".


لم تخرج عن هذه الوصفة المكررة تجربة الجبهة القومية في اليمن الجنوبي المنشقة عن "الحركة"، رغم تحولها "اليساري" ووصولها للحكم عن غير الطريق الانقلابي، بعد أن قادت كفاحاً شعبياً نجح في طرد الاستعمار البريطاني وتحقيق الاستقلال في أكتوبر 1967، فقد بدأت خطواتها الأولى على أنقاض الأحزاب الأخرى لتنفرد بالسلطة وتسمي نظامها "الديمقراطية الشعبية" التي تعني حكم الحزب الواحد الذي يعطي لنفسه حق تمثيل العمال والفلاحين دون انتخابات حقيقية. ثم توالت الانقلابات من محاولة الجيش طرد القيادات اليسارية للجبهة في آذار 1968 وحركة أيار اليسارية 1968 لتصفية الجيش والبوليس القديم اللتين فشلتا، إلى حركة حزيران التصحيحية 1969 وقبول استقالة الرئيس قحطان الشعبي، إلى انقلاب اليسار في آذار 1970 واعتقال رئيس الوزراء فيصل الشعبي وقتله في المعتقل (42). ثم الانقلاب على سالم ربيع علي في العام 1978 لتصفية الاتجاه "الماوي"، إلى الصراع المسلح بين علي ناصر وعبد الفتاح إسماعيل في العام 1986 (43). مع اعتماد الصراع على السلطة في كل مرة على قوى عسكرية واستقطابات قبلية بعد تغليفه بالشعارات الأيديولوجية.

للتعليق والتعقيب اضغط هنا