توقع الدكتور سعيد الشهابي أحد قادة المعارضة البحرينية وعضو حركة أحرار البحرين أن يعود العمل السري إلى المملكة نتيجة لإقصاء المشاركة الشعبية، وأكد أن البحرين حتى الآن لم تشهد أي حوار وطني حقيقي، ووصف ما يجري بأنه مسرحية هزلية يتم تسويقها بعناوين براقة من الديمقراطية والانفتاح السياسي.

برأيكم ما الأهمية الحقيقية التي تمثلها الانتخابات البرلمانية التي تشهدها البحرين حاليا؟

كانت هذه الانتخابات ستصبح البوابة الرئيسية للعهد الديمقراطي في البحرين لو لم تحدث التطورات السلبية في البلاد في الشهور الأخيرة. فانتخاب برلمان حر وفقا لدستور 1973 كان أحد المطالب الأساسية لشعب البحرين منذ حل البرلمان المنتخب وتعليق العمل ببعض مواد الدستور في 25 أغسطس/ آب 1975. وفي سبيل ذلك الهدف، ضحى شعب البحرين كثيرا، فسقط الشهداء واكتظت السجون بالمعتقلين وشرد المئات في المنافي، وخيّمت على البلاد حقبة سوداء لم تشهد لها مثيلا من قبل. وشكلت المطالب الشعبية -وفي مقدمتها إعادة العمل بدستور البلاد الشرعي- جوهر الحركة المطلبية على مدى ربع قرن.

ولذلك عندما أعلن الحاكم عزمه على الإصلاح السياسي اعتقد المواطنون أنهم على موعد مع إعادة العمل بذلك الدستور التعاقدي، وانتخاب المجلس الوطني على أساسه، ولكن ظنونهم خابت عندما أعلن الحاكم يوم 14 فبراير/ شباط الماضي إلغاء دستور البلاد الشرعي ليفرض دستورا جديدا يفتقد لأدنى مقومات الشرعية. وتجرى انتخابات المجلس النيابي وفقا لهذا الدستور المنحة الذي يرفضه شعب البحرين، وبالتالي فليس لها أهمية تذكر، إذ العملية الانتخابية ليست هدفا بحد ذاتها ولكن ما يتمخض عنها هو الأساس.


الدستور الجديد لا يعتبر إصلاحا بل انقلابا خطيرا على الإرادة الشعبية المتمثلة في الدستور التعاقدي الذي اتفق عليه الشعب والحكومة في إطار ممارسة انتخابية معقولة في مطلع السبعينات
هل تمثل هذه الانتخابات خطوة جادة على طريق الإصلاح السياسي المطلوب أم أنها مجرد تنفيس لاحتقان سياسي؟

لقد توقف الإصلاح السياسي يوم 14 فبراير/ شباط الماضي بإلغاء دستور البلاد الشرعي، لأن الدستور الجديد لا يعتبر إصلاحا بل انقلابا خطيرا على الإرادة الشعبية المتمثلة في الدستور التعاقدي الذي اتفق عليه الشعب والحكومة في إطار ممارسة انتخابية معقولة في مطلع السبعينات. الإصلاح السياسي يبدأ بحوار وطني حقيقي، وهو ما لم يتحقق على الإطلاق. فلم يحدث قط أن أجرى الحاكم حوارا مع المعارضة ممثلة بالفعاليات السياسية أو الرموز الدينية والاجتماعية.

والإصلاح المطروح يتمثل بإصدار مراسيم ملكية لها قوة القانون بدون استشارة وبدون دراسات ميدانية أو استطلاعات رأي. والحوار الذي يتحدث عنه النظام يقوم على أساس "أنا أتكلم وأنتم تسمعون"، ولا ينطوي على السماح بطرح الآراء المخالفة، والدليل على ذلك أن وسائل الإعلام منعت من طرح أي موقف مغاير لما يريده الملك أو الحكومة في القضايا الأساسية مثل الدستور والانتخاب والتجنيس. كما أن الإصلاح يبدأ من حيث توقفت المسيرة عام 1975، وليس بإلغاء تلك التجربة جملة وتفصيلا والبدء من جديد على أسس هشة بعيدة عن روح التشاور والديمقراطية، كما حدث.

ومن هنا فإن الانتخابات المزمعة تتم على أساس القوانين واللوائح التي أصدرها الملك وفرضها على الشعب، وليس وفقا لاتفاقات مشتركة أو على الأسس المتفق عليها مثل دستور 1973 أو حتى الميثاق الوطني الذي ينص على حصر التشريع بالمجلس المنتخب والمشورة بمجلس الشورى المعيّن.

هل تعتقدون أن هذه الانتخابات ستفرز عناصر قادرة على التمثيل النيابي؟

مادام أساس الانتخابات باطلا، فليس متوقعا أن يتمخض عنها مجلس قادر على إحداث التغيير، فالعناصر التي رشحت نفسها قبلت ضمنا بإلغاء دستور البلاد والامتثال لبنود الدستور المنحة، وتعلم أن قدرتها على التغيير غير متوافرة لأن مواد الدستور تمنع إجراء أي تغيير فيه بدون الإرادة الحكومية التي تهيمن على أكثر من نصف أعضاء المجلس الوطني بمجلسيه النيابي المنتخب والشوري المعيّن. أما العناصر المعارضة فقد رفضت إقرار الانقلاب الدستوري ورفضت المشاركة في المسرحية الانتخابية وقررت مواصلة النضال السلمي ضد الاستبداد المقنّن.

هل ستعبر هذه الانتخابات عن الأوزان الحقيقية للتيارات السياسية في الشارع البحريني؟

لقد قرر أغلب التيارات السياسية الرئيسية في البلاد مقاطعة الانتخابات، وبالتالي فالمرشحون إما أنهم لا ينتمون لتيارات سياسية أو فكرية، أو ينتمون لتيارات هامشية، أو لتيارات لم تقف مع المعارضة السياسية يوما. وبالتالي فالمجلس النيابي سيكون مجلسا حكوميا في أغلبه، ولن تتوافر له الشرعية الشعبية المطلوبة، إذ المعارضة التي وقفت ضد الحكومة منذ 1975 أعلنت مواقفها بوضوح، وقررت المقاطعة. وقرارها هذا أفرغ المشروع الحكومي من محتواه، وإذا تساءل الكثيرون عن معنى الإصلاح إذا كان لا يلبي مطالب الأطراف المعارضة، فالمشروع الحكومي لبى مطالب الجهات التي لم تعارضه ولم تطرح عليه أي مطالب في الحقبة الماضية، أما المناضلون فهم خارج هذه المؤامرة السياسية يواصلون نضالهم السلمي داخل البلاد وخارجها.


يتوقع حدوث مخالفات كثيرة سواء على صعيد قوائم الناخبين أو التلاعب بالدوائر الانتخابية أو التدخل الحكومي لإجبار بعض القطاعات مثل وزارتي الدفاع والداخلية على التصويت
هل تتوقعون نزاهة العملية الانتخابية؟ وما رأيكم في الضمانات المعلنة لذلك؟

في غياب الرقابة الدولية يستبعد جدا التزام الحكومة بالنزاهة، مع علمها بأن المجلس النيابي المنتخب سوف يكون صوريا وبدون أي صلاحيات حقيقية. فالدستور الجديد سلب الأعضاء المنتخبين صلاحية التشريع والمحاسبة الحقيقية وحتى صياغة القوانين المقترحة، وأعطى الملك حق حل المجلس متى يشاء وللفترة التي يريد. ومع ذلك رفضت الحكومة إخضاع الانتخابات -رغم صوريتها- لإشراف دولي أو رقابة من جهات محايدة. ويتوقع حدوث مخالفات كثيرة سواء على صعيد قوائم الناخبين أو التلاعب بالدوائر الانتخابية وم التدخل الحكومي لإجبار بعض القطاعات مثل وزارتي الدفاع والداخلية على التصويت. وقد أصدر ولي العهد قبل أسبوعين أوامر صارمة إلى منتسبي قوة الدفاع وعائلاتهم بالمشاركة في التصويت وعدم التخلف عن ذلك، وذلك خشية من الأداء الضعيف المتوقع في ضوء المقاطعة الشعبية. كما فرضت الحكومة على المواطنين تقديم جوازات سفرهم عند التصويت لكي يتم ختمها، وفي ذلك إيحاء بتعرض من لا يشارك في المسرحية الانتخابية للانتقام الحكومي.

هل تتوقعون أن يتمتع مجلس النواب القادم بفاعلية، ويمارس صلاحياته التشريعية والرقابية بكفاءة؟

مجلس النواب سوف يكون صوريا، فمادام مسلوب الصلاحية حسب المواد من 64 إلى 69 من الدستور الجديد، فلن يستطيع أعضاؤه ممارسة التشريع أو الرقابة بحرية، وسوف يكونون مجرد موظفين لدى الحكومة برواتب عالية خلال عضويتهم ورواتب تقاعدية مغرية جدا. فالسلطة الحقيقية ستكون للحكومة عبر مجلس الشورى الذي يعين الملك جميع أعضائه ويمارس الدور الأكبر في التشريع، بينما المجلس المنتخب ليس سوى تطوير جزئي لمجلس الشورى السابق. وسبق لرئيس الوزراء أن أعلن عام 2000 أنه سيسمح بانتخاب أعضاء مجلس الشورى مع حلول عام 2004. وها هو الملك يسمح بانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الذي لم يعد بشقيه سوى مجلس للشورى.


دعوة المقاطعة انطلقت بعدما ثبت خواء المشروع الملكي من أبسط معاني الإصلاح السياسي، ونزوعه نحو تكريس الاستبداد عبر الدستور الجديد
ما رأيكم في فكرة مقاطعة الانتخابات؟ هل تنظرون إلى هذا الأمر من منظور الحق السياسي أم من منظور تعطيل العملية الديمقراطية الوليدة؟

لو كنا نؤمن بوجود عملية ديمقراطية لما دعونا إلى مقاطعة الانتخابات. فدعوة المقاطعة انطلقت بعدما ثبت خواء المشروع الملكي من أبسط معاني الإصلاح السياسي، ونزوعه نحو تكريس الاستبداد عبر الدستور الجديد. وحتى الذين يشاركون في الانتخابات يعلمون أنهم لن يستطيعوا إحداث أي تغيير.

إن المقاطعة مشروع واسع يبدأ بمقاطعة الانتخابات، ويتواصل عبر فعاليات أخرى مثل:

  • المطالبة بإعادة العمل بدستور البلاد الشرعي وإلغاء الدستور المنحة المفروض من جهة واحدة فقط ولا يتمتع بصفة التعاقد.
  • مطاردة مرتكبي جرائم التعذيب الذين عذبوا أبناء البحرين على مدى ربع قرن خصوصا بعد أن قام "المشروع الإصلاحي" بترقية بعضهم إلى مناصب وزارية.
  • مواجهة عملية التجنيس التي يهدف الحكم من ورائها إلى إجراء تغيير جوهري في التوازن السكاني في البحرين التي عاشت أجواء الأخوّة العربية والإسلامية بين أبنائها من السنة والشيعة.
  • مواجهة الطائفية السياسية بكافة أشكالها.
  • إطلاع العالم الخارجي على المخالفات الدستورية والقانونية وسياسة الإبادة الثقافية للشعب.
  • مواجهة سياسات الحكومة التي تتعمد استقدام العمالة الأجنبية وحرمان المواطنين من فرص العمل وفق خطة مدروسة لتهميش الدور السياسي للحركة العمالية.

هذه بعض معالم المشروع المعارض الذي يهدف إلى تكريس الأمن والاستقرار في البلاد، انطلاقا من حبه للأرض ورغبته في العيش الكريم في ظل ديمقراطية محدودة في إطار نصوص الدستور التعاقدي.


لا أستبعد أن يتجه العمل السياسي نحو العمل السرّي مجددا في ظل الدستور الذي يقنّن الاستبداد ويمنع المشاركة الشعبية الحرة في صنع القرار السياسي
كيف تقيّمون دور وسائل الإعلام الرسمية في حملة الانتخابات الراهنة؟

وسائل الإعلام تملكها الحكومة وتسيّرها وزارتا الإعلام والداخلية، وليس هناك إعلام حر. وثمة أدلة على ذلك، فقد امتنعت الجرائد عن نشر وجهات النظر الداعية إلى المقاطعة، وسخرت صفحاتها لنشر الدعاية الحكومية على أوسع نطاق، ورفضت نشر المقالات التي يتطرق أصحابها للمخالفات الدستورية. كما قامت وزارتا الإعلام والداخلية بغلق الصفحات الإلكترونية المعارضة بقرارات وقحة، وأقدمتا على إلغاء عدد من الندوات والتجمعات الخطابية للمعارضة، وأصبحت البلاد محكومة بخطاب واحد هو الخطاب الرسمي الذي تنشره وسائل الإعلام الرسمية على أوسع نطاق. ولذلك لجأ بعض الشباب إلى الجدران للتعبير عن مواقفهم إزاء هذه المسرحيات الهزيلة التي يتم تسويقها بعناوين براقة عن الديمقراطية والانفتاح السياسي.

كيف تنظرون إلى مستقبل البحرين خصوصا في ظل التغيرات السياسية الحالية في البلاد وفي الخليج عموما، مع دعاوى الحرب وما يشاع عن سيناريوهات سايكس بيكو جديدة في المنطقة؟

البحرين أصيبت بانتكاسة سياسية كبيرة بإلغاء دستورها الشرعي، ولذلك أصبح مستقبلها أقل بريقا مما لاح قبل عامين. وفي ظل السياسة القائمة حاليا التي ينتهجها الحكم لا أستبعد أن يتجه العمل السياسي نحو العمل السرّي مجددا في ظل الدستور الذي يقنّن الاستبداد ويمنع المشاركة الشعبية الحرة في صنع القرار السياسي. شعب البحرين عُرف بطبيعته السلمية، في حين عرف جهاز القمع الحكومي بشراسته، وهو جهاز لم يتطور ولم يتم إجراء أي تغييرات عليه، فبقيت عناصره في مكانها، وتكرست ثقافة موظفيه وهي ثقافة تمتهن التعذيب والتنكيل بالأحرار والأبرياء.

إنني لست متفائلا بحدوث انفراج سياسي حقيقي في ظل دستور يكرّس الاستبداد ويعطي الملك كل الصلاحيات في حين يسلب المواطنين أبسط حقوقهم في التشريع والممارسة السياسية، وفي ظل جهاز إعلامي تحركه السلطة عبر وزارتي الداخلية والإعلام. وأصبح لا يؤمن بوجود إصلاح سياسي أو إعلامي إلا المستفيدون من الوضع، أما أبناء البحرين الذين دخلوا السجون وعاشوا في المنافي فمازالوا يحملون غصصهم في نفوسهم ويشتكون إلى الله هذا الانقلاب الدستوري الرهيب.

أما منطقة الخليج فأمنها وسلامها يقتضيان انفتاحا سياسيا حقيقيا على الشعوب، ليس على غرار تجربة البحرين الفاشلة، بل على غرار الدول المتقدمة التي تشارك شعوبها في صنع قراراتها المعيشية والمصيرية، في حين تتمتع حكوماتها بالأمن الذي يضمنه حكم القانون.