تلبية للدعوة العاجلة التي وجهها الرئيس محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية بصفته رئيس مؤتمر القمة العربي غير العادي بالقاهرة عام 1996م، عقد أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية مؤتمرا غير عادي في القاهرة في الفترة 23 - 24 رجب 1421هـ، الموافق 21 - 22 أكتوبر/تشرين الأول 2000م.

ظروف القمة
يأتي انعقاد هذه القمة في ظروف بالغة الأهمية في تاريخ أمتنا ومرحلة جديدة في حياة شعوبها، وفي ظل تداعيات خطيرة تعطلت بسببها المسيرة السلمية بين العرب وإسرائيل، وبعد أن حولت إسرائيل عملية السلام إلى عملية حرب ضد الشعب الفلسطيني مستخدمة القوة العسكرية لحصاره وعزله وجعله رهينة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة.

انتفاضة الأقصى
وتحيي القمة انتفاضة الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي عبرت بوضوح عن مرارة الإحباط بعد سنوات طويلة من الترقب، وانتظار ما تؤدي إليه التسوية السياسية التي لم تتحقق نتائجها بسبب تعنت إسرائيل ومماطلتها وتراجعها عن تنفيذ التزاماتها. ويترحم القادة العرب على أرواح الشهداء الفلسطينيين ويعتبرون دماءهم الزكية رصيدا غاليا من أجل تحرير الأرض وإقامة الدولة وتحقيق السلام.

ويشيد القادة العرب بتجاوب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج مع انتفاضة الشعب الفلسطيني الباسل ووقوفها في إجماع قومي واضح لاستنكار العدوان الإسرائيلي والأعمال الوحشية التي قامت بها قوات الاحتلال.

ولقد جاءت حركة الجماهير العربية تعبيرا عن المشاعر القومية الكامنة والتضامن القوي مع نضال الشعب الفلسطيني من أجل سيادته وكرامته ومقدساته.

إسرائيل
ويحمل القادة العرب إسرائيل مسؤولية إعادة المنطقة إلى أجواء التوتر ومظاهر العنف نتيجة ممارساتها واعتداءاتها وحصارها لأبناء الشعب الفلسطيني خرقًا لالتزاماتها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بصفتها قوة احتلال، فضلا عما يمثله ذلك من انتهاك فاضح لقواعد القانون الدولي وتدمير لجهود بناء السلام في المنطقة، إضافة إلى تعامل حكام إسرائيل مع قضية القدس الشريف باستخفاف يرضي شهوة الاستعراض غير المسؤول والاستفزاز المتعمد المبني على العنصرية البغيضة، ويطالبونها بالتوقف الفوري عن كافة الممارسات الاستفزازية، والكف عن سياسة القمع ضد المواطنين العرب.

ويؤكد القادة العرب أن انتفاضة الأقصى قد اندلعت نتيجة استمرار وتكريس الاحتلال وانتهاكات إسرائيل للحرم القدسي الشريف وباقي المقدسات الإسلامية والمسيحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويتذكر القادة العرب بإجلال -ويذكرون العالم- بالشهداء الذين ضحّوا بحياتهم دفاعا عن أرضهم المحتلة ومقدساتهم دون أن يأبهوا بآلة الحرب التي حشدتها إسرائيل في مواجهة الشعب الفلسطيني الأعزل، كما يؤكدون حق الشعب الفلسطيني في اقتضاء التعويضات العادلة من إسرائيل جراء ما لحق به من أضرار وخسائر بشرية ومادية.

الدعم المالي
ويقررون -استجابة لاقتراح المملكة العربية السعودية- إنشاء صندوقين يحمل أحدهما اسم "صندوق الأقصى" يخصص له ثمانمائة مليون دولار لتمويل مشاريع تحافظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس والحيلولة دون طمسها وتمكين الشعب الفلسطيني من الفكاك من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، ويحمل الصندوق الثاني اسم "صندوق انتفاضة القدس" برأسمال مقداره مائتا مليون دولار يخصص للإنفاق على أسر الشهداء الفلسطينيين في الانتفاضة وتهيئة السبل لرعاية وتعليم أبنائهم. ويعربون عن تقديرهم لخادم الحرمين الشريفين لقراره مساهمة المملكة بربع المبلغ المخصص لهذين الصندوقين.

ويدعو القادة العرب أبناء الأمة العربية للتبرع بأجر يوم واحد من رواتبهم كمساهمة شعبية عربية لدعم الانتفاضة، ومساندة النضال الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة الحرجة التي تواجهها أمتنا العربية.

المسؤولية الدولية
ويطالب القادة العرب بتشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة في إطار الأمم المتحدة ترفع تقريرها لمجلس الأمن ولجنة حقوق الإنسان حول مسببات ومسؤولية التدهور الخطير في الأراضي الفلسطينية المحتلة والمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني واللبناني وسائر المواطنين العرب في الأراضي المحتلة.

ويشددون في هذا الصدد على ما تضمنه قرار مجلس الأمن رقم 1322 في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 
2000م، والقرار الصادر عن الدورة الاستثنائية الخاصة للجنة حقوق الإنسان في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2000م، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2000م، ويطالبون مجلس الأمن بمواصلة النظر في تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة بما تمثله من تهديد للسلم والأمن الدوليين، وأن يتولى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة مسؤولية توفير الحماية اللازمة للشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بالنظر في تشكيل قوة أو وجود دولي لهذا الغرض، إذ إن الأمم المتحدة تتحمل المسؤولية الدائمة عن الأرض والشعب الفلسطيني حتى تتحقق له ممارسة حقوقه الثابتة في فلسطين طبقًا للشرعية الدولية.

يؤكد القادة العرب أن الدول العربية سوف تلاحق
-وفقا للقانون الدولي- من تسببوا في تلك الممارسات الوحشية، ويطالبون مجلس الأمن بتشكيل محكمة جنائية دولية مخصصة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين ارتكبوا المجازر بحق الفلسطينيين والعرب في الأراضي المحتلة على غرار المحكمتين اللتين شكلهما المجلس لمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا ويوغسلافيا السابقة، كما سوف يتابعون ملاحقتهم لمحاكمتهم وفق أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

إدانة الأعمال الإسرائيلية
ويُعرب القادة العرب عن بالغ استيائهم وإدانتهم لقيام إسرائيل بالتصعيد في تصرفاتها العدوانية ومواقفها الاستفزازية في وقت كانت تتهيأ فيه المنطقة للسلام العادل والشامل، خصوصا بعد أن قرر العرب منذ مؤتمر مدريد أن خيار السلام الشامل والعادل يفتح الطريق أمام تسوية نهائية لصراع ملتهب امتد لأكثر من نصف قرن كامل.

ويدين القادة العرب عدم استجابة إسرائيل لخيار السلام، وعدم سعيها نحو السلام الشامل والعادل في جدية، ويحذرون إسرائيل من مواصلة الممارسات والتصرفات التي تهدد أمن المنطقة وتقوض استقرارها.

يؤكد القادة العرب أن للأمة ثوابت لا يمكن المساس بها، وحقوقًا لا يمكن المساومة عليها، وأهدافا لن يتوقفوا عن السعي لبلوغها بما يحقق المصالح العربية العليا.

شروط السلام
كما يؤكد القادة العرب أن السلام يقوم على مفهومي الشمول والعدل باعتبارهما شرطين لازمين لقبوله واستمراره، ويؤكدون أن هذا التوجه -بموقف واضح- يستند إلى امتثالها للشرعية الدولية وفقًا لقراري مجلس الأمن رقمي 242 و 338 وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الخاص بحق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين، وسائر قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وثوابت ومبادئ العملية السلمية وفي مقدمتها مبدأ الأرض مقابل السلام.

ويؤكد القادة العرب أن السلام الشامل والعادل لن يتحقق إلا بعودة القدس الشريف إلى السيادة الفلسطينية الكاملة، والتسليم بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف التي هي أرض فلسطينية محتلة منذ عام 1967م، فضلا عما لها من تأثير روحي ومكانة دينية، واستعادة جميع الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك انسحاب إسرائيل الكامل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن الجولان السوري المحتل إلى خط الرابع من حزيران/يونيو1967م، واستكمال الانسحاب من الجنوب اللبناني إلى الحدود المعترف بها دوليا بما في ذلك مزارع شبعا، والإفراج عن الأسرى العرب المحتجزين في السجون الإسرائيلية وذلك تنفيذا لقرارات الأمم المتحدة، وإزالة المستوطنات الإسرائيلية تنفيذا لقرار مجلس الأمن رقم 465 (1980م).

وفي هذا الإطار.. يؤكد القادة العرب مجددا دعمهم للأشقاء في سوريا ولبنان وفلسطين، ويؤكدون تمسكهم بحقوقهم المشروعة واستعادة كامل أراضيهم المحتلة. كما يؤكدون في هذا الصدد رفضهم لأية محاولات لفرض سلام غير عادل ولا متوازن على أساس المزاعم الإسرائيلية، وعلى حساب الحقوق والمصالح العربية.

ويؤكد القادة العرب -في ضوء انتكاسة عملية السلام- التزامهم بالتصدي الحازم لمحاولات إسرائيل التغلغل في العالم العربي تحت أي مسمى، والتوقف عن إقامة أية علاقات مع إسرائيل، ويحملون إسرائيل مسؤولية الخطوات والقرارات التي تتخذ في صدد العلاقات مع إسرائيل من قبل الدول العربية، بما في ذلك إلغاؤها، والتي تستوجبها مواجهة توقف عملية السلام، وما نجم عنها من تطورات خطيرة مؤخرا، والتفاعلات التي أدت إليها على الساحتين العربية والإسلامية، وذلك إلى حين التوصل إلى السلام الشامل والعادل.

وإذ يشدد القادة العرب على أن توقف علمية السلام في مختلف مساراتها الثنائية قد أدى إلى إيقاف المسار متعدد الأطراف، فإنهم يؤكدون أن معالجة قضايا التعاون الإقليمي لا يمكن أن تتم دون إنجاز حقيقي تجاه السلام الشامل والعادل في المنطقة، كما أن توقف المسيرة السلمية بسبب سياسة إسرائيل وممارساتها الاستفزازية يجعل الحديث عن المستقبل المشترك في المنطقة أمرا غير ذي موضوع.

ويقررون عدم استئناف أي نشاط رسمي أو غير رسمي في الإطار المتعدد الأطراف، ووقف كافة خطوات وأنشطة التعاون الاقتصادي الإقليمي مع إسرائيل في هذا الإطار وعدم المشاركة في أي منها، وربط استئنافها ومداها بتحقيق إنجاز ملموس في اتجاه تحقيق السلام العادل والشامل على كافة مسارات عملية السلام.

يشيد القادة العرب بقرارات لجنة القدس وخاصة بيان دورتها الأخير في أغادير بالمملكة المغربية برئاسة جلالة الملك محمد السادس الذي تؤكد فيه دعم موقف دولة فلسطين والذي يستند إلى التمسك بالسيادة على القدس الشرقية بما فيها الحرم القدسي الشريف وجميع الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية التي تشكل جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالقدس الشريف عاصمة لدولة فلسطين المستقلة، ويستنكر القادة العرب قرار مجلس الأمن رقم 478 (1980م) الذي يدعو دول العالم إلى عدم نقل سفاراتها إلى القدس، وبقرار مؤتمر القمة العربي الحادي عشر (عمان 1980م) الذي يؤكد على قطع جميع العلاقات مع الدول التي تنقل سفاراتها إلى القدس أو تعترف بها عاصمة لإسرائيل.

ويؤكد القادة العرب أن تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة يستلزم انضمام إسرائيل لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش والمراقبة الدولية، ويؤكدون في هذا الصدد الأهمية البالغة لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي وكافة أسلحة الدمار الشامل، باعتبار هذا الهدف شرطا ضروريا ولازما لإرساء أية ترتيبات للأمن الإقليمي في المنطقة مستقبلا.

العمل العربي المشترك
ويعرب القادة العرب عن اقتناعهم بأن المتغيرات الدولية المتلاحقة تحتم ضرورة تفعيل العمل العربي المشترك، ودعم جامعة الدول العربية وتحديثها، وتطوير مؤسساتها تعزيزا لمستقبل دورها القومي.

وفي هذا السياق يقرر القادة العرب وهم يلتقون في هذه المرحلة الدقيقة، اعتماد الآلية الخاصة بالانعقاد الدوري المنتظم للقمة العربية، والتي وافق عليها مجلس جامعة الدول العربية في دورته الأخيرة (114)، وأقر صيغتها النهائية اجتماع وزراء الخارجية العرب التحضيري لهذه القمة، وعملا بالترتيب الهجائي لرئاسة انعقاد القمة الدورية، يقرر الملوك والرؤساء والأمراء عقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في دورتها العادية الثالثة عشر في شهر مارس/آذار 2001م، برئاسة المملكة الأردنية الهاشمية في عمان بالأردن.

ويعبر القادة العرب عن ثقتهم في أن الانعقاد الدوري المنتظم للقمة العربية سوف يسهم في دعم العمل العربي المشترك في كافة المجالات، لا سيما المجال الاقتصادي الذي أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى في ظل تحولات دولية وإقليمية، تجعل من التكامل الاقتصادي العربي ضرورة ملحة خاصة مع ما تمتلكه الدول العربية من مصادر ثروة بشرية وطبيعية واستراتيجية تسهم في تحقيق استقرار اقتصاد المنطقة والعالم ومعدلات نموه ورخاء شعوبه.

وأشاد القادة العرب في ختام قمتهم بروح التضامن الكامل التي سادت المؤتمر، والمناقشات البناءة التي أسهمت فيها الوفود الشقيقة كلها بصورة تعكس الإحساس العميق لدى الجميع قادة وحكومات وشعوبا بخطورة المرحلة، وأهمية بلورة موقف عربي موحد، يقف في صلابة أمام التهديدات الإسرائيلية سعيا لإعادة المسيرة السلمية إلى طريقها الصحيح نحو سلام عادل وشامل في المنطقة.

كما عبر القادة العرب عن تثمينهم لقرار صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر تحمل تكاليف لجنة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي نص على إنشائها القرار الصادر في 19/10/2000م عن الدورة الخاصة الخامسة للجنة حقوق الإنسان، وذلك حتى تتمكن من تحقيق أهدافها.

وأكد القادة العرب عزمهم على مواصلة توظيف الطاقات العربية في خدمة قضايا أمتهم، ووضع كافة إمكاناتها لتحرير الأراضي العربية المحتلة، ودعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل استرداد أرضه وإقامة دولته على ترابه الوطني وعاصمتها القدس، والحفاظ على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين. واتفق القادة العرب على مواصلة مشاوراتهم للتعامل مع المستجدات التي تواجه الأمة العربية.

وقد عبر القادة العرب عن بالغ شكرهم وتقديرهم للرئيس محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية ولشعب جمهورية مصر العربية الشقيق على كرم الضيافة وحسن الوفادة، مع التقدير الكامل لطريقة تنظيم المؤتمر وإعداده، معربين لفخامة الرئيس محمد حسني مبارك عن أطيب أمنياتهم ولشعب مصر الشقيق بدوام الرفعة والازدهار.  

القاهرة في 23 - 24 رجب 1421هـ - 21 – 22 أكتوبر/تشرين الأول 2000م.