شفيق شقير

منذ مدة طويلة لم يجر أي تعداد سكاني شامل في العراق، وبصورة أخص لا يوجد أي إحصائية دقيقة تبين حجم الطوائف الدينية والعرقية، وكل ما يصدر عن المؤسسات ومراكز الأبحاث في هذا الشأن هو تكهنات تعتمد على إحصاءات قديمة جدا أو على مرجعيات إحصائية أخرى مثل بطاقة التموين الصادرة عن النظام السابق أو سوى ذلك من وسائل يشوبها هامش كبير من الخطأ يخل بحقيقة الواقع السكاني، خاصة إذا كان يترتب على التعداد السكاني نتائج سياسية تطال مستقبل العراق السياسي ومستقبل طوائفه وأعراقه.

الرؤية الأميركية لتركيبة السكان
عرقيات عراقية

الموقف السني
الموقف الشيعي
أقلية سياسية وأكثرية سكانية مجددا
الشعب العراقي الموحد

الرؤية الأميركية لتركيبة السكان


الرؤية الأميركية دأبت في الفترة الأخيرة على وصف الشيعة في العراق بالأكثرية المضطهدة من الأقلية السنية العربية

تحاول كل طائفة عرقية أو دينية في العراق أن تزيد من عدد أفرادها في موازاة الطوائف الأخرى بغية رفع حصتها من سلطة عراق المستقبل. وعزز هذه القاعدة التوجه الأميركي الذي وزع مقاعد مجلس الحكم الانتقالي وفق التمثيل الديني والعرقي، حيث أعطي الشيعة العرب حصة الأسد 13 مقعدا من أصل 25، فيما أعطي السنة العرب خمسة مقاعد، والسنة الأكراد خمسة مقاعد، والسنة التركمان مقعدا واحدا، أما المسيحيون الآشوريون فأعطوا مقعدا واحدا.

ويبدو أن قوات الاحتلال الأميركي تملك رؤية خاصة لحجم الطوائف في العراق، فحسب موقع الاستخبارات الأميركية فإن عدد سكان العراق 24.683313 مليونا (تقديرات يوليو/ تموز 2003)، ويتوزعون دينيا وعرقيا على الوجه التالي:

  • بحسب التقسيم العرقي فإن العرب يشكلون 75-80%، الأكراد 15-20%، والتركمان والسريان وآخرون 5%.
  • أما بحسب التقسيم الديني فالشيعة 60-65%، والسنة 32-37%، والمسيحيون وآخرون 3%.

كما أن وزارة الخارجية الأميركية في تقاريرها عن الحريات الدينية في العراق، دأبت مؤخرا على وصف الشيعة العراقيين العرب بالأكثرية المضطهدة من الأقلية السنية العربية. وهو ما راج بين الكتاب والصحفيين والمؤسسات الإعلامية الغربية عموما، وهو ما عكسته تركيبة مجلس الحكم الانتقالي الذي جعل أغلبية مقاعده ومعظم الوزارات المهمة بيد الشيعة.

عرقيات عراقية


السنة هم الأغلبية وأن عددهم يتجاوز نسبة 50%، وإن بعض الإحصاءات "تقول 53 وبعضها 54 وبعضها 55، وبعضها 51%.. على أي حال.. يتجاوزون النصف".

حارث الضاري

قدرت بعض الأطراف الكردية أحيانا بأنها تشكل ربع سكان العراق خاصة أثناء خلافاتها مع النظام السابق، إلا أنهم لم يبدوا -على الأقل رسميا- اعتراضا مهما على التوزيع الأميركي للسكان والسلطة، ولم يدخلوا سياسيا في مساومة حول أعدادهم، إنما صبوا جل اهتمامهم على مصير منطقتهم في شمال العراق التي تمتعت بحكم ذاتي لمدة تزيد على عشر سنوات، ولهذا كانت رؤيتهم تقوم على أساس تنازلهم عن دولة الشمال (كردستان) في مقابل امتيازات يحصلون عليها، منها سن قوانين دستورية لحمايتهم كأقلية عرقية، ونظام فدرالي يسمح لهم بالاستفادة من مواردهم وإدارة شؤونهم باستقلال نسبي، أو الاستقلال عن العراق إذا سمحت الظروف كما يتهمهم البعض.

أما هويتهم الدينية فالبعض منهم شيعة ولكن الوجه السني هو الأغلب، وتعمد الأكراد الابتعاد عنها حفظا لحقوقهم القومية والتاريخية واللغوية، حيث إنهم يفضلون أن يكونوا أقلية عرقية -أكراد في مقابل عرب- على أن يكونوا سنة يتشاركون مع الشيعة في حكم العراق على أساس انتمائهم الديني.

وهذا جعلهم يدخلون في خلاف حاد مع الأقلية التركمانية التي هي من السنة في معظمها، وذلك على خلفية النزاع بين الطرفين على هوية مدينة كركوك الغنية بالنفط، حيث إن الأكراد يعتبرونها جزءا من كردستان التاريخية، في حين يعتبرها التركمان إحدى أهم المواطن التاريخية للشعب التركماني، ويقولون إنهم كانوا يشكلون 95% من مجموع سكان كركوك حتى عام 1960، إلا أن سياسة التعريب وهجرة عشرات الآلاف من العوائل العربية وهجرة الأكراد إلى كركوك بعد هدم العديد من قراهم، ساهمت في انخفاض نسبة التركمان من 95 إلى 75%، وهي نسبة لا يوافق عليها الأكراد.

ويعترض التركمان عموما على كل الإحصائيات الرسمية التي اعتمدت حتى الآن، وأنها لا تمت إلى الواقع بصلة، وهدفت دائما إلى تحديد نسبتهم كنسبة ثابتة لا تتغير بالنسبة لمجموع السكان وهي 2%، في حين يذهبون إلى أنهم أكثر من ذلك بكثير.

أما الآشوريون والكلدان فهم يشكلون أقلية عرقية ودينية بكل معنى الكلمة، وتجمعهم الديانة المسيحية واللغة السريانية أو الآرامية، ولا تعتبر المسألة السكانية هاجسا لهم، وتتركز مطالبهم على حقوقهم كأقلية وعلى وحدة المواطنة العراقية وما يشبه ذلك.

الموقف السني

السنة العرب هم أكثر الجهات تضررا من التقدير والتوزيع الأميركي للسكان والسلطة والذي حولهم من فريق أساسي يحكم العراق إلى مجرد أقلية لها حقوق، ويتخوفون من أي انتخابات تقوم وفق التصور الأميركي آنف الذكر، وأن تنتقل عدوى بخسهم حصتهم من مجلس الحكم الانتقالي المؤقت إلى السلطة الحاكمة الدائمة.

وهذا الموقف يمثل السنة العرب عموما، سواء منهم من هو في مجلس الحكم أو خارجه، حيث قال محسن عبد الحميد العضو السني في المجلس الانتقالي في مقابلة صحفية "إن نظام صدام حسين اضطهد الشيعة بشكل خاص" وإن الأحزاب الشيعية في الخارج استغلت ذلك "لتقول إن الشيعة يمثلون أغلبية الشعب العراقي". وأضاف عبد الحميد أن "الواقع أن الشيعة ليسوا أكثرية في العراق.. والواقع أن السنة والأكراد والتركمان والمسيحيين يشكلون 65% من مجموع سكان العراق".

وكرر الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور حارث الضاري في أكثر من مقابلة أجرتها معه الجزيرة ووسائل إعلامية أخرى أن "السنة هم الأغلبية وأن عددهم يتجاوز نسبة 50%، وأن بعض الإحصاءات "تقول 53 وبعضها 54 وبعضها 55، وبعضها 51%" وأنهم "على أي حال.. يتجاوزون النصف". واستنكر الجمع بين التقسيمين العرقي والطائفي، وأنه بجب اتباع أحدهما لا الجمع بينهما بحيث يجزأ السنة إلى عرقيات متعددة في مقابل الشيعة.

الموقف الشيعي


"كانت تجربة تشكيل الحكومة العراقية عام 1920 بمثابة الصدمة الكبرى لشيعة العراق.. فقد تم تصميم نظام الحكم وفق منهج طائفي متعمد استبعد الأكثرية الشيعية ورجالاتها من مواقع الدولة المتقدمة.

محمد باقر الحكيم

ويبدو أن وصف الخارجية الأميركية لشيعة العراق بالأقلية المضطهدة والاعتراف بأنهم أغلبية بواقع 60-65%، خط إلى -حد ما- حدودا حمراء بين واشنطن وشيعة العراق، حيث أعطى الأميركيون بهذا للشيعة اطمئنانا نسبيا لحصتهم ودورهم في عراق المستقبل، فيما التزمت إلى حد كبير الطائفة الشيعية بالحياد أثناء الحرب ونبذت المقاومة المسلحة وتبنت المقاومة السلمية بعد الحرب.

والشيعة يقودون الحركة السياسية في الوضع الراهن على أساس أنهم الأكثرية، ويرون أنها الحقيقة التي لا تحتاج إلى نقاش، وهو ما تبدى بشكل واضح منذ بدأت بوادر الحملة الأميركية على العراق بالظهور، حيث صدر قبل إعلان أميركا الحرب على العراق ما سمي بإعلان شيعة العراق الذي حدد المظالم التي تعرضت لها "الأغلبية الشيعية" التي ضحت وتنازلت من أجل العراق ولم تكافأ على حد تعبير الإعلان. ومما جاء فيه:

"كانت تجربة تشكيل الحكومة العراقية عام 1920 بمثابة الصدمة الكبرى لشيعة العراق، والفاصل التاريخي في حياتهم السياسية، فقد تم تصميم نظام الحكم وفق منهج طائفي متعمد استبعد الأكثرية الشيعية ورجالاتها من مواقع الدولة المتقدمة. وامتد هذا المنهج ليكون الفقرة الثابتة غير المدونة في الدستور العراقي، لكنها مقروءة ومستوعبة عند كل ساسة العراق الملكيين والجمهوريين على حد سواء".

وقد وقع على الإعلان وأيده أكثر القيادات والأحزاب الشيعية التي كانت خارج العراق، العلمانية والدينية، وأصبح بعضها في موقع القرار مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ومثل موفق الربيعي ومحمد بحر العلوم عضوي مجلس الحكم الانتقالي. واستطاعت هذه الوثيقة بنصها وبما ورد من مواقف مؤيدة لها أن تعكس الموقف الشيعي بجلاء وأن تنتقد النظام العراقي الذي تحكمت بموجبه الأقلية السنية بالأكثرية الشيعية بدءا من قيام الدولة الحديثة في العهد الملكي وربما قبل ذلك. ومن ذلك ما قاله رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية محمد باقر الحكيم "كانت على امتداد المراحل التاريخية تأتي حكومات تعادي أهل البيت وتحارب محبيهم وأنصارهم كما حصل من قبل للأمويين والعباسيين.. وهكذا مع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق إلى يومنا الحاضر".

أقلية سياسية وأكثرية سكانية مجددا

كان الشيعة إبان النظام العراقي السابق يعتبرون أنفسهم أقلية سياسية فيما هم في حقيقة الأمر أكثرية سكانية، وسخروا كل إمكاناتهم لتقرير هذه الحقيقة. وقد انتقل السنة إلى هذا الموقع بعد سقوط بغداد وأخذوا يبحثون عن الوسائل والأدوات التي تثبت أنهم أكثرية همشها الاحتلال. ومن هذه الوسائل تقرير وكالة قدس برس يوم 28 يناير/ كانون الثاني 2004 والذي اعتمد على ثلاثة إحصاءات تعضد مزاعم السنة وتناقلتها وسائل إعلام عربية ودولية وحظيت بنقاش واسع.

  1. الإحصائية الأولى وهي التي وضعتها المنظمة الإنسانية الدولية "هيومانيتارين كوردينيوتر فور إيراك" (Humanitarian Coordinator for Iraq) عام 1997 لتوجيه العمل الإنساني في العراق في ظل الحصار الدولي الذي كان مفروضا عليه من 1990 حتى 2003. وبلغ العدد الإجمالي للعراقيين بحسب هذه الإحصائية 22046244 (أكثر من 22 مليون نسمة)، لكن عدد السكان حاليا بعد نحو 7 أعوام من إجراء الإحصاء المشار إليه يتجاوز 27 مليونا. وقامت الإحصائية بإضافة الزيادة المقدرة على عدد السكان من 1997 إلى اليوم، وذلك على قاعدة اعتبار أن سكان المحافظات الواقعة شمال وغرب العاصمة بغداد هم من الطائفة السنية، والمحافظات الواقعة جنوب بغداد هم من الطائفة الشيعية، واعتبار بغداد مناصفة بين أبناء الطائفتين. وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن عدد أبناء طائفة السنة يزيد بـ819 ألفا و950 نسمة على عدد الشيعة.

  2. الصورة السكانية المبهمة تجعل الحديث عن الشعب العراقي الموحد أمرا بعيد المنال، وإلى حين إجراء انتخابات تأتي بمن تأتي به، يظل العراق مجموعة طوائف وعرقيات.

    الإحصائية الثانية
    أعدتها وزارة التجارة والتخطيط العراقية إبان النظام السابق إلى جانب السلطات الكردية في الشمال العراقي والتي اعتمدت من قبل الأمم المتحدة في برنامج "النفط مقابل الغذاء" لعام 2003. وتقول الإحصائية إن عدد الشيعة 40%، وإن عدد السنة جميعا بما يشمل الأكراد والتركمان 58%، وبقية الأقليات 2%. وقد وزعت على أساس هذه الإحصائية البطاقات التموينية التي تعتبر أحد الأوراق الثبوتية في العراق.
  3. الإحصائية الثالثة أعدت بالاستناد إلى معطيات التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء العراقي (نسخة دائرة الرقابة الصحية) التابعة لوزارة الصحة العراقية، وإلى دراسة الأكاديمي العراقي الدكتور سليمان الظفري. وقد أشارت إلى أن نسبة السنة من مجموع أبناء العراق المسلمين تبلغ 53%، في حين تبلغ نسبة الشيعة 47%، ولم تعط الوكالة تفاصيل هذه الإحصائية.

ونسبت الوكالة إلى الأكاديمي العراقي الدكتور مازن الرمضاني عميد جامعة النهرين العراقية سابقا وأستاذ العلوم السياسية في نفس الجامعة حاليا، أنه قال إن "أول من أطلق المزاعم بكون الشيعة يمثلون أغلبية كبيرة في العراق هو الكاتب اليهودي حنا بطاطو"، وأنه "ساعد في رواج هذه الإحصاءات المغلوطة قدرة التعبئة الهائلة لدى الشيعة، وكثرة عدد المحافظات الشيعية بالقياس لعدد المحافظات السنية، وهو ما جعل البعض يجنح به الظن الخاطئ إلى كون الشيعة يمثلون أغلبية ساحقة، بالنظر إلى كثرة عدد محافظاتهم، متناسيا الانتباه للكثافة السكانية لكل محافظة".

الشعب العراقي الموحد

إن معرفة نسبة كل طائفة وعرقية من مجموع الشعب العراقي أمر متعذر جدا، خاصة بين السنة والشيعة، لأن الأقليات العرقية السنية لا ترضى عن نسبتها المقدرة حاليا وقد أعلن ذلك بعضهم كالتركمان، وأسره البعض كالأكراد لأسباب سياسية. ومن جهة أخرى فإن الصراع الدائر بين المقاومة العراقية التي -حتى الآن- يشكل عصبها السنة، سيكون حائلا أمام أي إحصاء نزيه من قوات الاحتلال.

أما الشيعة فلا يبدون أي ثقة بالإحصاءات التي قام بها النظام السابق، وأنهم كانوا هدفا للنظام السابق تقتيلا وتهجيرا، ويقدرون الأعداد التي هاجرت إبان النظام السابق بالملايين، وهم يجهدون لعدم تكرار تهميشهم مرة أخرى ولو كان يتطلب الأمر الدخول في معركة ديمغرافية لتحديد من هو الأكثر عددا في عراق المستقبل.

فهذه الصورة السكانية المبهمة تجعل الحديث عن الشعب العراقي الموحد أمرا بعيد المنال خاصة في ظروف الاحتلال. البعض يصوب نظره باتجاه التجربة اللبنانية على أن تكون بشفافية أكبر بحيث يحدد حجم كل طائفة بكل دقة وهو أمر متعذر أيضا في ظل اعتماد التقسيم العرقي والديني في آن واحد. والبعض يدعو لانتخابات تأتي بمن تأتي به، وإلى ذلك الحين سيبقى الشعب العراقي طوائف وعرقيات لا شعب العراق الموحد.
_______________
الجزيرة نت
المصادر:
1- CIA-fact book
2- أسبوعية السبيل 19/8/2003
3- برنامج لقاء اليوم 1/8/2003، قناة الجزيرة
4- برنامج بلا حدود، السنة في العراق 13/2/2004
5- مركز العلاقات والمصالح العربية الأميركية
6-أهل السنة في العراق والتحديات الجديدة،
سلمان الظفري
7- وزارة الخارجية الأميركية، المكتب الإعلامي
8- إعلان شيعة العراق
9- تركمان العراق