سفينة تحمل عددا من المهاجرين غير الشرعيين في عرض البحر المتوسط

إعداد: قسم البحوث والدراسات

رغم أن الهجرة تمثل واحدا من أكثر المفاهيم تداولا في الفترة الأخيرة فإنها غالبا ما يتم توظيفها بشكل ملتبس ومبهم، وذلك بسبب تباين الأطروحات المعرفية وزوايا النظر التي يتم من خلالها التعامل مع هذا المفهوم. وفي ما يلي محاولة لإلقاء الضوء على بعض هذه المفاهيم والمصطلحات.

بين الشمال والجنوب
يمكن القول إن القرن الماضي هو قرن الهجرات بامتياز، ويمكن خلال هذه الفترة التمييز بين محطتين في عمليات الهجرة حدثتا خلال:

النصف الأول من القرن الماضي:

"
كل عمليات الهجرة الجماعية التي تمت من الجنوب نحو الشمال خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي كانت تحددها حاجة المجتمعات الشمالية، وكانت تتم حسب شروط أوروبية صارمة

"
حيث كانت الهجرات تتم من الشمال نحو الجنوب، وذلك بدءا من الرحلات الاستكشافية التي قام بها الرحالة الأوروبيون نحو العوالم الجديدة، وجاءت بعدها الهجرات السياسية والعسكرية التي قامت بها الدول الأوروبية إلى جنوب المتوسط وأعماق أفريقيا محكومة بالبحث عن موارد إنتاجية جديدة في إطار سباق الدول الاستعمارية وغزو آفاق جغرافية جديدة لتحقيق مجتمع الوفرة, والظفر بالسباق نحو التفوق الاقتصادي.

النصف الثاني من القرن الماضي:
وتحديدا بعد الحربين العالميتين الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945) اللتين أفرزتا وضعا جديدا وجدت خلاله كل من فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا نفسها وقد خرجت للتو من الحرب فاقدة لقوتها البشرية ولم تعد تتوفر على السواعد اللازمة لبناء الغد، وفي حاجة ماسة إلى مزيد من العمالة الأجنبية لتحقيق النمو المتوقع. ومن ثم شرعت في جلب اليد العاملة من كل من المغرب والجزائر وتونس ودول جنوب الصحراء.

والواضح أن كل عمليات الهجرة الجماعية التي تمت من الجنوب نحو الشمال خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي كانت تحددها حاجة المجتمعات الشمالية، وكانت تتم حسب شروط أوروبية صارمة.

مراحل الهجرة في الحوض المتوسطي
اللافت للنظر أيضا أن العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي شكلت مرحلة حاسمة في رسم معالم جديدة للهجرة في حوض المتوسط، تميزت بتسجيل تدفق واسع لأنواع الهجرة من الجنوب، وهو ما يمكن تقسيمه إلى ثلاث محطات زمنية مترابطة ومتداخلة وهي:

المرحلة الأولى (قبل 1985):
وخلال هده المرحلة كانت الدول الأوروبية لا تزال بحاجة ماسة إلى مزيد من العمالة القادمة من الجنوب, كما أن الدول الأوروبية نفسها كانت متحكمة في حركة تدفق المهاجرين من الجنوب عبر قنوات التجمع العائلي. وأهم ما ميز هذه المرحلة أن المهاجر الجنوبي تمكن من فهم قواعد اللعبة في دول الشمال وصار يطالب بحق دخول أبنائه المدارس الحكومية وبداية بلورة الخطابات الحقوقية للمهاجر.

كل هذه العناصر بدت بالنسبة للمهاجرين "القادمين" في دول الجنوب محفزة لهم للالتحاق بنظرائهم, ويبدو أن الكثير منهم استفاد من غفلة الأنظمة الأمنية الأوروبية في هذه المرحلة بالذات.

المرحلة الثانية (1985-1995):

"
اللافت للنظر أن العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي شكلت مرحلة حاسمة في رسم معالم جديدة للهجرة في حوض المتوسط، تميزت بتسجيل تدفق واسع لأنواع الهجرة من الجنوب

"
تميزت هذه المرحلة ببداية ظهور التناقضات المرتبطة بالمهاجرين الشرعيين ومزاحمتهم أبناء البلد الأصليين، وقد تزامن هذا الفعل مع إغلاق مناجم الفحم في كل من فرنسا وبلجيكا التي كانت تستوعب آنذاك اكبر عدد من المهاجرين الشرعيين. وفي مقابل هذا الوضع الاحترازي تزايدت رغبة أبناء الجنوب في الهجرة  تجاه دول الشمال ما أدى إلى إغلاق الحدود.

ففي 19 يونيو/حزيران 1995 ومع دخول "اتفاقية شنغن" الموقعة بين كل من فرنسا وألمانيا ولكسمبورغ وهولندا حيز التنفيذ تم السماح بموجبها بحرية تنقل الأشخاص المنتمين إلى الفضاء الأوروبي. لكن مع دخول كل من إسبانيا والبرتغال إلى هذا الفضاء اتخذت قضية الهجرة أبعادا غير متوقعة, لاسيما بعد لجوء سلطات مدريد إلى فرض مزيد من الإجراءات الاحترازية أمام أي عملية هجرة جديدة، وذلك في محاولة لمنح مواطنيها مزيدا من الاندماج في الاتحاد الأوروبي.

في هذه المرحلة تبرز مفارقة كبيرة تتمثل في الاتفاقيات الدولية الصادرة في العام 1990 المخصصة لـ "حماية حقوق العمال المهاجرين وأهاليهم" والتي صادقت عليها تسع دول من الجنوب في العام 1998. ووجه المفارقة هنا هي أن هذه الاتفاقية لم تحظ بقبول أي دولة أوروبية وهو الأمر الذي يفسر الرغبة الأوروبية في التعامل مع هذا المعطى الجديد من منظور جديد ولو تم الأمر على حساب الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية الداعية إلى الحق في التنقل والبحث عن غد أفضل.

المرحلة الثالثة (1995-الى الآن):
أخذت هذه المرحلة طابعا أمنيا صارما لجأت من خلاله الدول الأوروبية إلى نهج سياسة أمنية صارمة عبر تنفيذ مقررات "القانون الجديد للهجرة" والذي يستند إلى تبني إجراءات صارمة بخصوص مسألة التجمع العائلي، وإبرام اتفاقيات مع دول الجنوب حول ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.

وكرد فعل تجاه هذه السياسة بدأ ما يعرف الآن بالهجرة غير الشرعية/السريةوالتي تحيل على عملية الالتحاق بالديار الأوروبية بدون وجه قانوني. ورغم أن قضية الهجرة غير الشرعية أضحت اليوم قضية تهم كافة الدول المطلة على حوض المتوسط، فإن المغرب وإسبانيا يمثلان البلدين المعنيين أكثر بهذه الهجرة، لا سيما أن المغاربة يشكلون النسبة الأكثر في المهاجرين غير الشرعيين.
__________________
الجزيرة نت.
المصادر:
1- L’ annuaire de la méditerranée 1996
2- L’ annuaire de la méditerranée 1997
3- L’ annuaire de la méditerranée  1999