شهدت البلدان العربية والإسلامية -منذ عقدين تقريبا- موجة من الاهتمام المتصاعد بمؤسسات المجتمع المدني، وبما يرتبط بذلك من هيئات وتنظيمات وفعاليات متنوعة تغطي مساحات واسعة ومجالات متعددة في الواقع الاجتماعي المعاصر.
 
وتأتي هذه الموجة المتصاعدة في سياق موجة عالمية شاملة تقودها منظمات غير حكومية عملاقة، تطمح إلى تكوين نوع من الوحدة بين شعوب العالم ومجتمعاته فيما يتعلق بقضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان والتنمية البشرية المستدامة والمتوازنة والسعي للقضاء على الفقر وتحسين أوضاع الفئات المهمشة والمحرومة حول العالم وتحدي سياسات العولمة المتحيزة ضد الشعوب الفقيرة والدول الضعيفة، وغير ذلك من الأهداف والمقاصد التي يلح عليها الخطاب الإعلامي والثقافي للمنظمات الأهلية والمدنية التي تحمل رؤى ذات طابع عبر قومي، أو عالمي يتجاوز الأطر الوطنية والمحلية وحتى الإقليمية الضيقة، ويصب في اتجاه بناء "المجتمع المدني العالمي".

 

العمل الخيري العربي في مهب الريح

خلفية العداء للعمل الخيري

دور المجتمع المدني في السياق الراهن


العمل الخيري العربي في مهب الريح

 

"
عقبات كبيرة تعترض العمل الخيري بهدف القضاء عليه أو صرفه عن غاياته وجره إلى مواقع سياسية ليست من طبيعته، وإقحامه في قضايا وأزمات دولية هو أبعد ما يكون عنها
"

في مقابل الموجة الطويلة من الاهتمام العالمي بالمجتمع المدني ومؤسساته المتنوعة ثمة موجة أخرى آخذة في الصعود من داخل بلداننا العربية والإسلامية، وتتشكل هذه الموجة من عديد من المؤسسات والمنظمات المدنية المستندة إلى القيم والتعاليم والمقاصد الإسلامية بالدرجة الأولى، وأهمها الجمعيات الخيرية الإسلامية، وعودة الروح إلى نظام الوقف في عدة بلدان عربية وإسلامية منها تركيا وإيران وبعض دول الخليج العربي. ومع النمو التراكمي لخبرات هذه المنظمات والمؤسسات الخيرية الإسلامية في العمل الميداني المتصل مباشرة مع القطاعات الواسعة من الجماهير، بدأت هذه الهيئات تقوم بدور متزايد الأهمية في الكشف عن الأصول الأخلاقية والمعنوية والقيمية لوحدة الأمة الإسلامية من ناحية، وعن التشابه الكبير في القضايا والمشكلات التي تعاني منها شعوب هذه الأمة من ناحية أخرى.


ولكن مع بداية الحملة الأميركية الغربية ضد ما يسمونه "الإرهاب" في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، تراءى لكثير من الدوائر الإعلامية والسياسية الغربية، ولبعض الحلفاء المحليين للسياسات الغربية في بلادنا، أن تاريخ  مؤسسات المجتمع المدني في العالمين العربي والإسلامي قد وصل إلى نهايته قبل أن ينضج ويأخذ مكانته على المستويات المحلية والعالمية، وانتهز هذا البعض الفرصة ليشن حملة إعلامية كثيفة الظلم ضد كافة أشكال العمل الخيري باعتباره مكونا رئيسيا من مكونات المجتمع المدني العربي  ظنا منهم أن ذلك يمكن أن يسهم في الإجهاز عليه وإخلاء الساحة الوطنية والعالمية منه. 


صحيح أن العمل الخيري الإسلامي باعتباره مكونا أصيلا من مكونات المجتمع المدني العربي استطاع -حتى الآن- أن يصمد في مواجهة العواصف المعادية التي طفقت تهب عليه بكثافة في أعقاب تلك الأحداث، وتسعى للنيل منه وتضربه بقسوة في مناطق متعددة من العالم. ولكن لا تزال هناك عقبات كبيرة سوف تستمر لفترة مقبلة في اعتراض طريقه بهدف القضاء عليه، أو بهدف صرفه عن غاياته ومقاصده وإفقاده هويته وخصوصيته، وذلك بجره إلى مواقع سياسية ليست من طبيعته، وإقحامه في قضايا وأزمات دولية هو أبعد ما يكون عنها، واتهامه باتهامات زائفة مثل تهمة "الإرهاب".

 

ويخطئ من يظن أن  الهدف من هذه الحملات والاتهامات هو ضرب العمل الخيري لكونه عملا خيريا، فمثل هذا التفسير يسهل جدا دحضه والبرهنة على نقيضه ببعض ما تقدمه الجهات المعادية من مساعدات ومعونات ذات طابع إنساني في ظاهرها على الأقل، والصحيح في نظرنا هو أن الدوائر المعادية للعمل الخيري الإسلامي تقوم بضربه لغيره وليس لذاته، أي أنها تستهدف القضاء على ما يؤدي إليه من نتائج على أرض الواقع حتى وإن لم تكن هذه النتائج مخططا لها سلفا أو مبرمجة بوعي وقصد.


العداء للعمل الخيري قديم

 

"
بينما كان يعمل في هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في باكستان أكثر من 500 موظف عربي في بداية التسعينيات، وصل عددهم إلى شخصين اثنين فقط عام 1999
"
إن "أحداث سبتمبر/ أيلول"  لم تكن هي السبب الذي فجر الهجمة الشرسة التي تشنها الدوائر الإعلامية والسياسية الغربية على كثير من مؤسسات العمل المدني الإسلامية، ولكن تلك الأحداث كانت بمثابة اللحظة الكاشفة عن وجود تلك المشاعر العدائية لدى قطاعات مؤثرة في المجتمعات الأوروبية والأميركية، وأن هذه الهجمة ليست وليدة واقعة معينة، ولا حادث عارض هنا أو هناك، وإنما هي ذات خلفيات بعيدة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الأوروبي المفعم بالمشاعر السلبية وبالتوجهات والصراعات العدائية ضد ما هو غير غربي وغير أميركي.


وثمة وقائع كثيرة تؤكد أن معظم الحكومات العربية والإسلامية -قبل أحداث سبتمبر/ أيلول ومنذ بداية التسعينيات وبعد انتهاء الحرب الباردة- تعرضت للضغوط الأوروبية والأميركية من أجل تحجيم الأعمال الخيرية وأنشطتها الداخلية والخارجية، وتجفيف منابعها شيئا فشيئا.

 

وكمثال على ذلك أن الولايات المتحدة ضغطت على الحكومة الباكستانية السابقة في عهد نواز شريف ليخفض من كثافة العمل الخيري الإسلامي الذي كان يمد العون للشعب الأفغاني في محنته عبر باكستان، وبالفعل تم تنفيذ هذا التوجه، فبينما كان يعمل في هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية أكثر من 500 موظف عربي في بداية التسعينيات، وصل عددهم إلى شخصين اثنين فقط عام 1999 -أي قبل أحداث سبتمبر/ أيلول بحوالي عامين- وقس على هذا ما حدث للعمل الخيري الإسلامي في مناطق أخرى منكوبة بالفقر والحروب والمجاعات من العالم العربي والإسلامي.

 

وزادت وتيرة التحجيم والضغوط -كما ذكرنا بعد سبتمبر/ أيلول- وتحولت تلك الضغوط إلى إملاءات صريحة بضرورة محاربة كافة الجمعيات والمؤسسات الخيرية المدنية التي تقدم أي نوع من الدعم لضحايا الجرائم الصهيونية في فلسطين، وتبادر كثير من الحكومات العربية والإسلامية إلى الامتثال لتلك الإملاءات.


والسؤال المهم هنا هو أضحت مؤسسات المجتمع المدني الإسلامي خاصة في العالم العربي بعد أحداث سبتمبر/ أيلول وأكثر من أي وقت مضى هدفا لحملات التشويه ولإجراءات التفكيك والتقويض على مختلف المستويات المحلية والدولية؟

 

دور المجتمع المدني في السياق الراهن

 

"
المشكلات الداخلية التي يعاني منها العمل سهلت نفاذ التداعيات التي حصلت على العمل الخيري وسوف تسهل التداعيات المحتمل حصولها نتيجة تلك الأحداث
"

في رأينا أن ثمة أربعة أدوار إيجابية تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني ذات المرجعية الإسلامي في البلدان العربية والإسلامية، وأن هذه الأدوار لا تلقى قبولاً من السياسة الأميركية وتراها مهددة لخططها ومصالحها الإستراتيجية في المنطقة، وهذه الأدوار هي:

 

1- تجديد الشعور بالانتماء إلى الموحدات الحضارية الكبرى والمقصود هنا هو تلك العوامل التي وحدت الأمة الإسلامية وشدت أزرها في العصور السابقة، وفي مقدمها: العقيدة والشريعة واللغة والقيم الأخلاقية. وقد نبعت من هذه الموحدات منظومة القيم والأخلاقيات والمبادئ الإسلامية التي تندرج ضمنها القيم والمبادئ التي تحض على العمل الخيري والتطوعي، التي لا تعترف بالحدود السياسية المصطنعة، ولا بالحواجز العرقية أو الاختلافات المذهبية.

 

إن عمل هذه المؤسسات التي هي متنوعة ومتعددة بالضرورة وفق منظومة القيم الإسلامية التي هي واحدة وموحدة بالضرورة أيضا يعني أن حصيلة العمل لا بد أن تصب في اتجاه تجديد عوامل الوحدة ودعمها، وتسهم بالقدر نفسه -ولكن في اتجاه عكسي- في إضعاف عوامل التفرقة القائمة على أسس مذهبية أو عرقية أو جهوية.

 

2- تقوية نسيج البنية التحتية لوحدة الأمة
تتمثل هذه البنى في عديد من دوائر الانتماء الأولية التي تبدأ بالأسرة وتمر بالجماعات الحرفية والمهنية والمذهبية والثقافية والنقابية والاتحادات النوعية، وتنتهي بالأمة في مجموعها. وفي رأينا أن مفهوم وحدة الأمة يظل غامضا وهلاميا ما لم يجر التعبير عنه في كيانات فرعية قوية، بحيث يغطي كل كيان منها مساحة أو مجالا أو نشاطا أو ميدانا من ميادين العمل المتعددة والمتنوعة.

 

ولولا وجود المؤسسات والتنظيمات المدنية/ الأهلية لكان من الصعب جدا المحافظة على التماسك الداخلي بين عناصر الأمة وجماعاتها المختلفة، ومن هنا يبرز الدور الكبير الذي تسهم به مؤسسات وتنظيمات العمل الخيري الإسلامي في تقوية نسيج الوحدات الفرعية للكيان الجماعي للأمة، جنبا إلى جنب مع الدور الذي تسهم به المؤسسات والتنظيمات الحكومية.

 

3- التعاون بشتى أنواعه
ونعني حفز التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية الثقافية بين شعوب الأمة الإسلامية. ويتجلى هذا الدور الذي تسهم به مؤسسات ومنظمات العمل المدني الإسلامي بشكل واضح من خلال ما تخلقه البرامج والنشاطات والمشروعات التي تنفذها على المستوى عبر الوطني، وذلك بهدف توسيع نطاق المستفيدين من تلك المشروعات والخدمات ليشمل عدة دول عربية أو إسلامية أخرى.

 

وقد شهد العقدان الأخيران ظهور عدد لا بأس به من الجمعيات والهيئات والشبكات الخيرية/ الأهلية التي تعمل داخل الوطن الأم وخارجه في عديد من البلدان العربية والإسلامية. وإذا ألقينا نظرة تحليلية شاملة على برامج ونشاطات مثل تلك الجمعيات والمنظمات والشبكات الخيرية، يتضح لنا أنها تسهم في تغذية عوامل الوحدة بين شعوب وبلدان العالم العربي والإسلامي من أكثر من زاوية.

 

4- التجانس
اي الإسهام في تحقيق درجة أكبر من التجانس في التنشئة الاجتماعية، ولا يقتصر دور مؤسسات وجمعيات العمل الخيري/ الأهلي فقط على توفير خدمة معينة، إنما تسهم هذه المؤسسات أيضا بدور تربوي على درجة كبيرة من الأهمية، ويصب هذا الإسهام في مجرى عمليات التنشئة الاجتماعية التي يمر بها المواطنون، ويتركز جانب منها على تنمية قيمة العمل الجماعي لديهم وعبر مختلف مراحل حياتهم.

 

إن الفرد/ المواطن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يجد نفسه عضوا في عديد من الجماعات والتكوينات والتنظيمات، كما أنه يعطي ولاءه لعدة دوائر في وقت واحد دون أن يشعر بوجود تعارض أو تنازع فيما بين دائرة وأخرى. وفي الوقت الذي يحمل فيه ميراث وثقافة هذه الجماعات بطريقة تلقائية فإنه يحمل ميراث وثقافة مجتمعه وأمته الكبيرة التي ينتمي إليها بالطريقة نفسها أيضا.

 

وكلما كانت تلك المؤسسات التي ينتمي إليها الفرد أو يسهم فيها مستندة في عملها إلى المرجعية الإسلامية العليا بقيمها ومقاصدها العامة، زاد أثر الدور التوحيدي الذي تقوم به في المجتمع من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، والعكس صحيح أيضا.

 

إن ما سبق لا يعني أن مؤسسات وجمعيات العمل الخيري الإسلامي أضحت فائقة الفاعلية والكفاءة في إنجاز أعمالها وتحقيق أهدافها، إذ إنها تواجه عديدا من التحديات الناجمة عن الهجمة الغربية في سياق تداعيات أحداث سبتمبر/ أيلول، ونعتقد أيضا أن المشكلات الداخلية التي يعاني منها هذا العمل ومؤسساته ونشاطاته المختلفة لا تقل أهمية عن التحديات الخارجية، بل إن هذه المشكلات أو التحديات هي التي سهلت نفاذ التداعيات التي حصلت على العمل الخيري وسوف تسهل التداعيات المحتمل حصولها نتيجة تلك الأحداث، وهذا هو جوهر التحدي الذي يواجه مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي في المرحلة المقبلة.
_______________
أستاذ العلوم السياسية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة.