بقلم: علي ولد علاف

لا يعتبر الوصول إلى كرسي الرئاسة والصعود حتى رأس هرم السلطة التنفيذية غاية في حد ذاته ما دام الجالس على هذا الكرسي ملزما بأن يرجع البصر كرتين فينقلب إليه البصر وقد رأى جملة من التحديات الجسام التي تتطلب تفكيرا جادا وحلولا متأنية. ولعل في الوقوف ولو بإيجاز على هذه التحديات التي تواجه الفائز بكرسي الرئاسة سبيلا لفهمها ومحاولة تجاوزها.

التحديات السياسية
التحديات الاقتصادية
التحديات الاجتماعية والثقافية
الجيش والأمن

التحديات السياسية

يمكن أن نعتبر أن أهم المشاكل السياسية التي ستواجه الرئيس الموريتاني الذي سيتم انتخابه وشيكا تتمظهر في مستويات ثلاثة:


أولوية الأولويات بالنسبة للرئيس المقبل ينبغي أن تكون اعترافه بالمعارضة مهما كانت وإعطاء هذه المعارضة مكانتها التي ينبغي أن تشغلها

1- في البداية هنالك ضرورة تهدئة الوضع السياسي الوطني، فالسياسية التي تعيشها موريتانيا والتي توصف بالمسلسل "الديمقراطي" كانت قد بدأت عام 1992 وقد أسسها الرئيس الحالي معاوية ولد سيد أحمد الطايع وظل يديرها في جميع مراحلها. لقد كان ولد الطايع في البداية زعيم اللجنة العسكرية للخلاص الوطني، وفي عهده بعد ذلك تمت المصادقة من خلال اقتراع مباشر على دستور للبلاد عام 1991، كما أنه هو نفسه من قام بوضع المؤسسات التي ينص عليها هذا الدستور. وكان انتخابه عام 1992 تتويجا في الظاهر للانتقال نحو نظام "ديمقراطي". ولقد أعيد انتخابه عام 1997 وها هو اليوم يتقدم لفترة رئاسية ثالثة.

والملاحظ أنه خلال هذه الفترة الطويلة من الحكم ظل التجاهل المتبادل سمة العلاقة بين الحكومة والمعارضة. فلا المعارضة تقبل بشرعية النظام القائم كما أن النظام لم يكن يرى في هذه المعارضة سوى مجموعة متطرفة وبالتالي خطيرة بل إنها تدفع بالبلاد إلى عدم الاستقرار. لقد قام النظام طيلة عهده باستعمال جميع الوسائل من أجل الحد من نشاط المعارضة ونزع المصداقية منها: وذلك من خلال اعتقال زعمائها ورفض أغلب التظاهرات التي تطلب المعارضة الإذن بالقيام بها هذا فضلا عن احتكار النظام لوسائل الإعلام الرسمية مسموعة أو مرئية أو مقروءة ناهيك عن منع النظام أو حله للأحزاب التي يرى أنها مزعجة.

وفي نفس الوقت نجد أن هنالك مساسا متكررا بالحريات العامة الشخصية منها والجماعية (الاعتقال، السجن، مصادرة الصحف...) وقد نتج عن المسلك الرافض للحوار مناخ مقلق بالنسبة لتطور المؤسسات ووحدة وأمن البلاد. وعلى هذا فأولوية الأولويات بالنسبة للرئيس المقبل ينبغي أن تكون اعترافه بالمعارضة مهما كانت وإعطاء هذه المعارضة مكانتها التي ينبغي أن تشغلها. كما ينبغي أن تحترم فعلا وقولا الحريات التي ينص عليها الدستور.

2- إن السلسلة الثانية من المشاكل السياسية يشترط في حلها إقامة انسجام وطني. فينبغي حل مشكل الموريتانيين المهجرين في السنغال وفي مالي والذين كانوا ضحية الأزمة التي وقعت عام 1989 بين موريتانيا والسنغال. هذا فضلا عن ملف عناصر الجيش الذين فقدوا عام 1990 وعام 1991 والذين خلفوا وراءهم أرامل وأيتاما لمصير مجهول. وهذه المشاكل وغيرها هي مشاكل خاصة بالكون الزنجي في موريتانيا.

3- أما النوع الثالث من المشاكل السياسية التي تعتبر تحديا للسلطة التنفيذية في موريتانيا فيتعلق بالإصلاحات المؤسسية التي من شأنها في حالة القيام بها أن توجد توازنا ملائما بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية. فهذه الإصلاحات وتلك المتعلقة بالحريات تعتبر ضرورية من أجل الدفع بالبلاد نحو التحديث والسلام والوئام.

التحديات الاقتصادية

إن التحدي الاقتصادي الأساسي يكمن في ضرورة زيادة القوة الشرائية للموظفين بواسطة وسائل ملائمة (زيادة الرواتب، والمراقبة الصارمة للأسعار فضلا عن خفض نسبة الضرائب...). كما على السلطة التنفيذية أن تعلن حربا لا هوادة فيها ضد الرشوة التي تشكل عائقا يستحيل اختراقه يحول دون إعادة توزيع الدخل الوطني، ودون الحد من الفقر وفعالية التمويلات. وبصورة أكثر وضوحا فالدولة بحاجة إلى أن تقوم بدورها التنظيمي خاصة وأن موريتانيا دولة تعتبر من حيث الموارد الطبيعية دولة غنية.

التحديات الاجتماعية والثقافية

تبرز مشكلتان على المستوى الاجتماعي الموريتاني تشغل بال كل مهتم بالشأن العام وهما: الفقر والبطالة. وتحظى التنمية الحيوانية والزراعة بدور بارز في موريتانيا وترتبط أغلب شرائح المجتمع بهما، إلا أن الملاحظ أن التنمية والزراعة عندنا مرتبطتان بحالة المناخ، فكلاهما يعتمد على الأمطار وقد كان للجفاف الذي ضرب البلاد سنون متتالية وما نجم عنه من نقص في الأمطار دور أساسي فيما حل بالمجتمع من هجرات من الريف نحو المدن ومن مجاعات مزمنة. لقد أصبح التمدن يشكو من مدن الصفيح التي تشكل حزاما يحيط بكل مدينة كبيرة. وما زالت برامج الدولة والمنظمات غير الحكومية المهتمة بالوضع الاجتماعي دون المطلوب.

كما أن البطالة تمس شريحة عريضة من المجتمع وخاصة الشباب من حاملي الشهادات المتوسطة والعليا. ويعد هؤلاء الشباب العاطلون عن العمل بالآلاف. وقد أصبحت شروط البنك وصندوق النقد الدوليين تفرض على الدولة الحد من اكتتاب هؤلاء.

وعلى المستوى الثقافي قد أثرت السياسة التعليمية بشكل سلبي على المستوى الثقافي حيث عرفت موريتانيا سلسلة من الإصلاحات في مجال التعليم، وتناقضها في بعض الأحيان والظروف السيئة للمدرس قد أديا إلى تدهور مستوى التعليم الوطني. ويتناول هذا التدهور النوعي كذلك تنظيم وتسيير الامتحانات. فكم سمعنا عن امتحان سربت مواضيعه قبل إجرائه وكم قيل عن المتاجرة بالشهادات وتزويرها.

الجيش والأمن


إن المحاولة الانقلابية وإن لم تكن نجحت عسكريا فإنها نجحت سياسيا حيث ركزت نظر الرأي العام على هشاشة الوضع الداخلي

إن النظام الحالي وليد الجيش، ورغم الفكرة الحاضرة في جميع الأذهان والتي ترى أن الجيش الموريتاني يحمي هذا النظام فإننا نلاحظ أن الجيش لما أتيحت له في بعض المرات فرصة الاقتراع لم يصوت للنظام. إن النظام الحالي كثيرا ما حاول ترسيخ هذه الفكرة وذلك بإلحاحه المستمر على أنه هو المسؤول عن حماية الأمن الداخلي للمواطنين. إلا أن المحاولة الانقلابية الأخيرة التي تمت في 8 و 9 يونيو/ حزيران الماضي قد أوضحت عكس ذلك. فالقراءة الأولى لنتائج المحاولة الانقلابية توحي بأن الجيش يعاني من نفس التحديات التي يعاني منها سائر الشعب: رواتب وأجور متدنية، رشوة، الاستيلاء على أموال الدولة، انعدام العدالة...

يضاف إلى هذا محدودية وسائل العمل ونقص ما هو متاح من الصيانة. وقد ظهرت مؤخرا مناشير تشرح بشكل محدد هذه الوضعية التي كشفت عنها المحاولة الانقلابية.
وهذا ما يؤكد أن المحاولة الانقلابية وإن لم تكن نجحت عسكريا فإنها نجحت سياسيا حيث ركزت نظر الرأي العام على هشاشة الوضع الداخلي.

إن الرأي الذي يمكن أن نخرج به ونحن على أبواب اقتراع السابع من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 هو أنه مع افتراض فوز مرشح النظام فإن التغييرات الجوهرية المطلوبة ستكون ضئيلة وخاصة على المستوى السياسي، في حين توجد مخاطر هامة قد تبرز كالاحتجاجات والقلاقل التي ستكثر فضلا عن تفاقم التوتر الموجود أصلا. أما في حالة فوز مرشح جديد فإن موريتانيا قد تعرف عهدا من الإصلاحات المرجوة كما قد تعرف مناخا أكثر هدوءا.
_______________
كاتب موريتاني ومحلل سياسي ووزير وسفير سابق