موفد الجزيرة نت-بيروت
 
تتمنى عائلة أديب الزنغري لو أنها تحظى بمأوى مستقر يلم شعثها، حتى لو كان هذا المأوى هو البيت المتهالك الذي تسكنه العائلة في مخيم البرج الشمالي، فقد أنهكها الترحال والمرض، وأنهكها فقدان الأمل والوطن.
 
زوجة أديب الزنغري (الجزيرة)
فحال عائلة الزنغري كما هو حال العشرات من العائلات التي هجرت من مخيمات دمرت كليا خلال الحرب اللبنانية، أو التي فقدت مساكنها خلال حرب المخيمات الدامية. وبرغم أن زمن الحرب انتهى في لبنان منذ أمد طويل، فإن هذا الزمن لا يزال شاخصا في حياة هؤلاء المنكوبين.
 
وخلال تفقدنا لمخيم البرج الشمالي توقفنا عند مسكن لا يزال مسقوفا بالصفيح، وهو المسكن الذي تستأجره عائلة أديب الزنغري التي هاجرت من مخيم تل الزعتر في أعقاب تدميره، واستقبلتنا الزوجة وبادرتنا مفتتحة الحوار بالقول:
 
نحن ثمانية أشخاص: الوالدان وثلاث بنات وثلاثة صبيان، ولكن عندي ولد في الثامنة عشرة من عمره يعاني من الربو ولا ينام معنا، وعندي ولد ثان عنده الثلاسيميا، ونكثر من التنقل فلا نجلس في بيت واحد، فكل سنتين أو ثلاثة نجلس في بيت.
 
أهل تل الزعتر منهم من استقر في أماكن معينة ومنهم من لازال يتنقل!
 
نعم، لأننا كنا دائما نخاف من الحرب فلجأنا إلى التنقل الدائم ولهذا لم نستقر مع الذين استقروا واتخذوا بيوتا، وفضلنا أن نذهب إلى مناطق محايدة بعيدة عن المعارك والحرب. ووضعنا المادي سيئ، فنحن لسنا من سكان المخيم، وفرص العمل قليلة جدا، وأولادنا نعلمهم الآن ولكن في العام المقبل لن نستطيع أن ندخلهم المدرسة. وكما ترى نحن نعيش في بيوت الصفيح وهي غير صحية، وإذا طبخت طبخة فليس عندي ثلاجة، فالطبخة لا تبقى لليوم الثاني لأنها ستفسد.

وكم إيجار هذا البيت؟
 
منذ 11 شهرا لم ندفع إيجار البيت (البيت مكون من غرفتين صغيرتين جدا إحداهما أشبه بممر) رغم أن الإيجار 50 ألف ليرة (الدولار يعادل 1500 ليرة لبنانية)، وها أنتم يتصبب العرق منكم ولم يمض عليكم سوى دقائق هنا، وزوجي يشتغل يوما ويعطل يوما، وإذا مرض ولد قد لا نحصل على الدواء إذا لم نجده عند الأنروا، فالأنروا من المفترض أنها مسؤولة عنا ولكنها لا تقدم لنا شيئا، فمرض الثلاسيميا ليس له دواء في عيادة الأنروا، ونشتري كل ثماني حبات بعشرة آلاف ليرة.
 
أديب الزنغري
أديب الزنغري (الجزيرة)
وبعد صمت تدخل الزوج أديب الزنغري وكأن حديث زوجته عن الأنروا أثار فيه شجون الكلام، فقال:
نحن من تل الزعتر ومهجرون من تل الزعتر، ومن المفترض أن نكون كبقية الذين هجروا من هناك، ولو أوجدوا لنا بيتا من غرفة ومطبخ وحمام فنحن راضون. فالأنروا يقولون لنا احصلوا على أرض حتى نساعدكم في البيت، ومن المعروف أن تل الزعتر مازالت الدولة تأخذ أجرته من الأنروا كأنه قائم برغم أننا هجرنا منه، فهناك عقد والأنروا مازالت تدفع الأجرة بموجبه.
نحن من تل الزعتر لم نحتل بيوتا ولم نجلس في "المية ومية" كما فعل البعض، وقلنا ننتظر الحل. بعدما هجرنا من تل الزعتر مباشرة سكنا في مخيم شاتيلا، ثم بعد الاجتياح هجرت الناس من شاتيلا، ومن كان يملك المال سافر خارج البلد والذي لا يملك بقي هنا، واضطررنا نحن للمجيء إلى منطقة صور. هذه مشكلتنا أننا ننتقل من بيت إلى بيت، وهذا ليس حلا.


إذا وجدت قطعة أرض ماذا سيفعلون لك؟
 
يبنون لي بيتا، لو كان معي ثمن أرض ما كنت أعيش هذه المعيشة، لو توفرت لي مائة دولار شهريا لتغيرت حياتي، وأمثالي كثر، ولي عم في مخيم "البص" توفي منذ عشرة أيام، وبسبب ضيق البيت لم تستطع الناس الدخول لتقديم العزاء، فغسلناه خارج بيته وتقبلنا التعازي في الشارع، وذلك كله لأننا مهجرو تل الزعتر.
 
ومعروف أن بيوت أهل مخيم البص مرتاحة نسبيا، وبإمكانهم أن يقيموا أفراحهم وأحزانهم داخل بيوتهم، ولكن نحن سكان تل الزعتر لا نملك بيوتا مثلها، فغسله في البيت لم يكن ممكنا فغسلناه عند الجيران وأقمنا العزاء في العراء. لا أعرف ماذا نفعل، أقول لنفسي أحيانا لماذا لا نذهب ونحتل مكتب الأنروا ونقيم فيه.
 
وأعود وأقول هذا المكتب يحتاجه الناس فلماذا نتعدى على غيرنا، وطلبت مؤخرا منهم أن يعطوني شادرا (خيمة) حتى أنصبه فوق سطح الأنروا، وعندها لن يخرجني أحد، فقالوا لي ليس عندنا شادر، وقلت لهم مرارا أين أسكن وحالي هذه؟ فقالوا استأجر بيتا ونحن نعطيك، وهذا "حكي فاضي".
 

أنت مستأجر الآن.. هل يعطونك شيئا؟
 
لا، بالطبع فهم لا يدفعون إيجارات بيوت، والآن سنخرج من هذا البيت.
 

أين ستستأجرون الآن؟
 
إننا نبحث، ولا علم لي أين نذهب، على الله التكلان، بقينا في البيت عاما كاملا ولم ندفع إلا إيجار خمسة أشهر والباقي لا نستطيع أن ندفعه، لأن الطبيب في عيادة الأنروا يعطيك وصفة دواء لتشتريها من الصيدلية ولا يقدم الدواء من صيدلية العيادة، وابني عنده مرض مزمن وكل شهر يحتاج الدواء.
 

أحد أولادك معه الربو ولا يقيم معك، أين هو؟
 

سقف بيت أديب الزنغري
يقيم عند جده هنا في المخيم، ليس لأن مسكن جده أفضل بل أسوأ، ولكن نحن في هذا البيت ثمانية أشخاص فلو نام معنا والحال هذه فإن أنفاسنا فقط ستقتله في الليل.
 

ماذا بالنسبة للاستئجار والمستقبل؟
 
في بيروت لو أردت الاستئجار في مخيم شاتيلا يطلبون منك 100-150 دولارا، فنحن لا نعرف ماذا نفعل. وللأمانة أقول: نحن نشعر بالضياع، الناس تطالب بحق العودة، ونحن أكثر الناس مطالبة بحق العودة، يمكن لو عندنا "شادر" على أرضنا أو نعد بيتا من قصب أشرف لنا، ولكن هنا في لبنان ماذا لدينا، لا شيء ولله الحمد، فها نحن ننتقل من بيت إلى بيت بسبب مقاومتنا. فبصراحة الذنب الأكبر تتحمله المقاومة، الثورة الفلسطينية وليس فقط الأنروا، فقد خرجنا من مخيم تل الزعتر فهل أعطونا البديل؟ فقد أدخلونا حربا ليس لنا فيها مصلحة.
فارق موفد الجزيرة نت العائلة وهي مازالت تبحث عن مأوى، ومازالت تفكر في المستقبل المجهول.