بقلم/ د. أحمد الرشيدي

لسنا بحاجة إلى التأكيد، بادئ ذي بدء، على حقيقة أن القضية الفلسطينية من بين القضايا العربية الأخرى كافة، هي التي ينظر إليها دوماً بوصفها القضية العربية المركزية، ليس في نطاق السياسات الوطنية للدول العربية فرادى فحسب، وإنما أيضاً على مستوى العمل العربي الجماعي أو التنظيمي. ولذلك فإنه منذ قيام الجامعة عام 1945 وحتى يومنا هذا، ما تزال القضية الفلسطينية تمثل الشغل الشاغل لهذه المنظمة العربية القومية على اختلاف أجهزتها ومؤسساتها. وليس أدل على ذلك من حقيقة أن بروتوكول الإسكندرية الموقع عام 1944 والذي يعد إحدى الوثائق التأسيسية لجامعة الدول العربية، قد تضمن قراراً خاصاً بفلسطين نص فيه صراحةً على أن "فلسطين ركن مهم من أركان البلاد العربية، وأن حقوق العرب فيها لا يمكن المساس بها من غير الإضرار بالسلم والاستقرار في العالم العربي".

وكما هو معلوم فإن الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية يرجع إلى بدايات الاستيطان الصهيوني على أرض فلسطين، خاصة في أعقاب صدور "وعد بلفور" عام 1917 والذي تعهدت بموجبه بريطانيا بالتزامها بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد شهدت الفترة التالية على نهاية الحرب العالمية الأولى العديد من الحركات العربية الجماعية لنصرة الشعب العربي الفلسطيني. ومن ذلك مثلا، ما حدث عام 1936 حين دخلت مجموعات من المتطوعين العرب للمشاركة في الثورة العربية الفلسطينية.

وبعد قيام دولة إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948 إثر إعلان بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين، بادرت الدول العربية في إطار جامعة الدول العربية إلى التدخل لمواجهة هذا الوضع الجديد. على أنه إزاء إخفاق العرب في التصدي للدولة اليهودية الصهيونية، لم تتردد الجامعة في اتخاذ مجموعة من القرارات لمقاطعة إسرائيل في المجالات كافة ومقاطعة كل الدول التي تتعاون معها في أي مجال من المجالات الاقتصادية أو الثقافية أو غير ذلك. كما أن إبرام معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية في أبريل/نيسان 1950، إنما جاء -بحسب الأصل- كنتيجة للظروف غير المواتية التي مرت بها القضية الفلسطينية بعد هذه المواجهة العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948.

كذلك، فقد شكلت القضية الفلسطينية بجوانبها المتعددة الأساس لمعظم مؤتمرات القمة العربية منذ أوائل الستينيات من القرن العشرين بل وحتى من قبل انعقاد قمة أنشاص في مايو/أيار 1946 والتي أكدت قراراتها صراحةً "أن فلسطين قطر عربي لا يمكن أن ينفصل عن الأقطار العربية الأخرى، إذ هو في القلب في المجموعة العربية..". بل إن بعض هذه المؤتمرات العربية على مستوى القمة قد عقد أساساً للنظر في موضوعات تتعلق بهذه القضية، ومن ذلك مثلاً: مؤتمر القمة العربي الذي انعقد بالقاهرة في يناير/كانون الثاني 1964 لبحث مسألة قيام إسرائيل بتحويل مياه نهر الأردن بهدف الاستحواذ على أكبر قدر من هذه المياه لصالحها وحدها.

وكما هو معلوم فقد جاءت قرارات هذا المؤتمر صريحة في التأكيد على اعتبار أن إسرائيل تمثل الخطر الأساسي الذي يهدد الدول العربية في مجملها وليس فقط الشعب العربي الفلسطيني، الأمر الذي يستوجب عملاً عربياً جماعياً لمواجهتها. كما أشارت هذه القرارات من جهة أخرى إلى أن تحويل مياه نهر الأردن يمثل ولا شك عنصر تهديد خطير للأمن القومي العربي، وأن التضامن العربي هو السبيل الأول -إن لم يكن الوحيد- لدرء المطامع التوسعية والعدوانية للكيان الإسرائيلي.

واتساقاً مع ذلك قرر المؤتمر إنشاء القيادة العربية الموحدة لمواجهة التهديدات الإسرائيلية، كما أكد ضرورة إشراك الشعب الفلسطيني في النضال لتحرير وطنه وتقرير مصيره. وقد تم بموجب ذلك إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية التي بدأت نضالها المسلح منذ ذلك الحين من أجل استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وقد تأكد هذا التوجه الأخير كذلك في قمة عمان عام 1980 التي نصت قراراتها على أهمية تحقيق التوازن العسكري مع إسرائيل، وطالبت -أي قمة عمان- بإنشاء قيادة عسكرية مشتركة بالتنسيق مع مجلس الدفاع العربي المشترك.

ولا شك في أن البعد العربي في معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قد بدا واضحاً في المجالات الآتية على وجه الخصوص:

أولاً- تمثيل الشعب الفلسطيني
ثانياً- قضية القدس
ثالثاً- المقاطعة العربية لإسرائيل
رابعاً- دعم الشعب الفلسطيني في نضاله ضد إسرائيل
خامساً- دعم حقوق الشعب الفلسطيني على المستوى الدولي

أولاً- تمثيل الشعب الفلسطيني

يمكن القول بصفة عامة إن مسألة التمثيل الدولي للشعب الفلسطيني قد تطورت عبر مرحلتين زمنيتين رئيسيتين هما: مرحلة ما قبل إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية يوم 14 مايو/أيار 1964 من ناحية، والمرحلة التي أعقبت قيام هذه المنظمة من ناحية أخرى.

1- التمثيل الدولي للشعب الفلسطيني قبل عام 1964
السمة المميزة للتمثيل الفلسطيني على المستوى الدولي خلال المرحلة التي سبقت إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، تتمثل في كون هذا التمثيل قد ظل محصوراً في نطاقه العربي إذ لم يكن للشعب الفلسطيني أي وجود تمثيلي خارج نطاق المنطقة العربية، كما لم يعترف بمؤسساته من جانب أي دولة أو منظمة غير عربية. فطيلة الفترة الزمنية التي استغرقتها هذه المرحلة الأولى تعامل المجتمع الدولي مع قضية الشعب الفلسطيني باعتبارها قضية لاجئين لا أكثر، وإن كان ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن المجتمع الدولي قد أنكر على هذا الشعب -وفي حدود الكيان الذي أشار إليه قرار التقسيم عام 1947- تمتعه بالشخصية القانونية الدولية التي تكفل له التمتع بحقوقه المشروعة وغير القابلة للتصرف.

وقد تطور التمثيل الفلسطيني عربياً خلال هذه المرحلة على النحو التالي:

فقد جاءت الخطوة الأولى بهذا الخصوص عند صياغة ميثاق جامعة الدول العربية عام 44/1945. فكما هو معلوم فإن أحد الملحقين اللذين ألحقا بميثاق الجامعة في صورته النهائية التي ووفق عليها عام 1945، كان هو الملحق الخاص بفلسطين ووضعها العربي في إطار الجامعة.


شكلت القضية الفلسطينية بجوانبها المتعددة الأساس لمعظم مؤتمرات القمة العربية منذ أوائل الستينيات من القرن العشرين بل وحتى من قبل انعقاد قمة أنشاص عام 1946 والتي أكدت قراراتها صراحة أن فلسطين قطر عربي لا يمكن أن ينفصل عن الأقطار العربية الأخرى
وقد نص في هذا الملحق على الآتي على وجه الخصوص "منذ نهاية الحرب العظمى الماضية (أي الحرب العالمية الأولى: 1914 - 1918)، سقطت على البلاد العربية المنسلخة عن الدولة العثمانية -ومنها فلسطين- ولاية تلك الدولة، وأصبحت مستقلة بنفسها وغير تابعة لأي دولة أخرى، وأعلنت معاهدة لوزان أن أمرها -أي أمر هذه البلاد العربية- لأصحاب الشأن فيها، وإذا لم تكن قد مكنت من تولي أمورها فإن ميثاق العصبة سنة 1919 لم يقرر النظام الذي وضعه لها إلا على أساس الاعتراف باستقلالها، فوجودها واستقلالها الدولي من الناحية الشرعية أمر لا شك فيه، كما أنه لا شك في استقلال البلاد العربية الأخرى، وإذا كانت المظاهر الخارجية لذلك الاستقلال ظلت محجوبة لأسباب قاهرة، فلا يسوغ أن يكون ذلك حائلاً دون اشتراكها في أعمال مجلس الجامعة.

ولذلك، ترى الدول الموقعة على ميثاق الجامعة العربية أنه نظراً لظروف فلسطين الخاصة وإلى أن يتمتع هذا القطر بممارسة استقلاله فعلاً، يتولى مجلس الجامعة أمر اختيار مندوب عربي من فلسطين للاشتراك في أعماله".

وتنفيذاً لأحكام هذا الملحق أصدر مجلس الجامعة العربية القرار رقم 17 يوم 4 ديسمبر/كانون الأول 1945 والذي حدد فيه كيفية تمثيل الشعب الفلسطيني في الجامعة وطريقة مشاركته في الاجتماعات التي تعقدها. وبحسب نص القرار المذكور فقد "قرر المجلس أن تمثل فلسطين بمندوب واحد أو أكثر، بحيث لا يزيد عدد الفلسطينيين على ثلاثة. ويشترك الوفد في جميع أعمال المجلس وفقاً لما ورد في الملحق الخاص بفلسطين في ميثاق جامعة الدول العربية، ويكون مفهوماً أن اشتراك الوفد الفلسطيني معناه أن يكون له حق التصويت في قضية فلسطين وفي الأمور التي يستطيع أن يلزم فلسطين بتنفيذها. وطريقة اختيار المندوبين تتم بترشيحهم من قبل اللجنة العربية العليا ثم بتعيينهم من قبل مجلس الجامعة، وإذا تعذر الترشيح يرد الأمر كله إلى المجلس".

وبالفعل قام المجلس بتعيين السيدين يوسف العلمي والحاج أمين الحسيني ليكونا مندوبين لفلسطين لدى جامعة الدول العربية.

أما الخطوة الثانية في هذا الخصوص، فقد تمثلت في اعتراف الدول العربية -فيما عدا الأردن- بما سمي بـ "حكومة عموم فلسطين" التي أعلن تشكيلها أواخر عام 1948. وقد بادرت الجامعة بصفتها التنظيمية إلى الاعتراف بهذه الحكومة ووجهت الدعوة إلى كل من رئيس وزرائها ووزير خارجيتها للمشاركة في اجتماعات مجلس الجامعة في أكتوبر/تشرين الأول 1948.

والملاحظ أنه رغم الخلافات التي ثارت فيما بين الدول العربية بشأن وضع حكومة عموم فلسطين وخاصة الأردن الذي قاد موقفه إلى بروز ما اصطلح على تسميته "أزمة الضفة الغربية"، فإن هذه الحكومة قد ظلت قائمة من الناحية الرسمية على الأقل حتى وفاة رئيس وزرائها أحمد حلمي عبد الباقي في 29 يونيو/حزيران 1963.

والواقع أنه أياً ما كان الأمر فيما يتعلق بتقويم فعالية هذه الحكومة وخاصةً من وجهة النظر المتعلقة بعدم حصولها على أي اعتراف دولي غير عربي، إلا أنه من الناحية القانونية قد نظر إليها -أي حكومة عموم فلسطين- بوصفها ممثلة للشعب الفلسطيني، كما اعتبر وجودها دليلا على استمرارية الشخصية القانونية الدولية لفلسطين في أعقاب انتهاء الانتداب البريطاني، إن لم يكن بالنسبة لكامل الإقليم الفلسطيني طبقاً لخريطة الانتداب، فعلى الأقل طبقاً لقرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947.

2- تمثيل الشعب الفلسطيني عربياً بعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية
إذا كانت حكومة عموم فلسطين التي أنشئت -وكما تقدم- في أواخر عام 1948 قد توقفت من الناحية الفعلية عن مباشرة مهامها، وإن ظلت قائمة بصورة رسمية حتى منتصف عام 1962، فإن مسألة التمثيل الفلسطيني في مجلس الجامعة لم يطرأ عليها أي تغيير ذي قيمة طيلة هذه الفترة الممتدة بين عامي 1948 و 1963. وقد عزي ذلك إلى القرار الذي أصدره مجلس الجامعة يوم 23 أغسطس/آب 1952، والذي قرر فيه صراحة أنه "نظرا لتوقف أعمال حكومة عموم فلسطين بسبب الظروف الراهنة، يكون رئيس الحكومة (أي السيد أحمد حلمي عبد الباقي) ممثلاً لفلسطين في مجلس جامعة الدول العربية، ثم خلفه في ذلك السيد أحمد الشقيري (قرار مجلس الجامعة رقم 1909 يوم 19 أغسطس/آب 1963).

وقد حلت منظمة التحرير الفلسطينية بعد إنشائها في 14 مايو/أيار 1964 محل حكومة عموم فلسطين التي ظلت قائمة -كما تقدم- حتى منتصف عام 1963.


أكدت قرارات مؤتمر القمة العربية منذ مؤتمر الإسكندرية عام 1964 ثم مؤتمر الجزائر عام 1973 ومؤتمر الرباط عام 1974، على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني
والواقع أن الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية على المستوى العربي قد تبلورت في اتجاهين رئيسيين: الاتجاه الأول وتمثل في تطور الموقف العربي بالنسبة إلى المنظمة، إذ على الرغم من أن هذه المنظمة أنشئت في منتصف عام 1964، فإنه لم يعترف بها كممثل وحيد للشعب الفلسطيني وللمرة الأولى إلا عند انعقاد مؤتمر القمة العربي السادس بالجزائر في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1973. وأما الاتجاه الآخر الذي سارت فيه الجهود العربية الجماعية من أجل تعزيز قضية التمثيل الفلسطيني -من خلال منظمة التحرير الفلسطينية- وعلى المستويين العربي والدولي على حد سواء، فقد تمثل في الاعتراف لمنظمة التحرير بصفة العضوية الكاملة في إطار جامعة الدول العربية وذلك في عام 1976.

ولأهمية قرار مجلس الجامعة الصادر بهذا الخصوص (القرار رقم 3462 / د66 / ج 2 في 9/9/1976)، نذكره هنا بنصه كما يلي:

"يقرر المجلس الموافقة على توصية لجنة الشؤون السياسية -مذكرة وزارة خارجية جمهورية مصر العربية- بشأن قبول فلسطين، تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية، عضواً كامل العضوية بالجامعة.

وأحاطت علماً بما تضمنته مذكرة منظمة التحرير الفلسطينية في الموضوع.

ولما كان ميثاق الجامعة قد نص على شرعية استقلال فلسطين، وعلى اشتراكها في عضوية الجامعة..

ولما كانت قرارات مؤتمر القمة العربية منذ مؤتمر الإسكندرية عام 1964 ثم مؤتمر الجزائر عام 1973 ومؤتمر الرباط عام 1974، قد أكدت أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني..

ولما كان العمل في الجامعة قد جرى منذ عام 1964 على مشاركة فلسطين -ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية- في جميع أعمال الجامعة بمجالسها ولجانها ومنظماتها ومؤسساتها المختلفة..

فإن اللجنة توصي بقبول فلسطين -تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية- عضوا كامل العضوية بجامعة الدول العربية".

ومنذ ذلك الحين أي منذ 9 سبتمبر/أيلول 1976، أضحت منظمة التحرير الفلسطينية -بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني- تباشر دورها في إطار جامعة الدول العربية، وتتمتع بكامل الحقوق والمزايا التي تترتب على اكتساب العضوية في قانون المنظمات الدولية وطبقاً لأحكام ميثاق الجامعة. كما أنه على أثر اكتساب صفة العضوية الكاملة، لم يعد ثمة مسوغ لبقاء ذلك القيد الذي أشار إليه قرار مجلس الجامعة الصادر يوم 4 ديسمبر/كانون الأول 1945 بشأن حدود مشاركة مندوب فلسطين في التصويت على القرارات التي يصدرها هذا المجلس. وبعبارة أخرى، فبصدور القرار رقم 3462 سالف الذكر، أضحى من حق مندوب "دولة" فلسطين المشاركة في الاقتراع على أي موضوع من الموضوعات المتعلقة بالقضية الفلسطينية أو تلك التي تلتزم "دولة" فلسطين بتنفيذها.

ثانياً- قضية القدس

لا ينبغي في هذا السياق أيضاً، أن نغفل حقيقة أن العمل العربي المشترك قد أولى اهتماماً خاصاً لقضية القدس، بالنظر إلى أهميتها الدينية والتاريخية للعرب جميعاً. فعلى سبيل المثال كان من بين القرارات المهمة التي صدرت عن مؤتمر القمة العربي بالجزائر عام 1973، ذلك القرار الذي نص فيه على وجوب العمل العربي قدماً من أجل تحرير مدينة القدس العربية، وعدم القبول بأي وضع من شأنه المساس بالسيادة العربية الكاملة على هذه المدينة المقدسة.

والواقع أن موضوع القدس ظل تقريبا أحد البنود الأساسية والدائمة في كل اجتماعات جامعة الدول العربية، سواء على مستوى القمة أو على المستوى الوزاري أو حتى على مستوى المندوبين الدائمين المعتمدين، إذ كان يتم دائماً الإصرار على وجوب دعم النضال الفلسطيني لتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. كما لا يفوتنا في هذا المجال أيضاً، الإشارة إلى القمة العربية الاستثنائية التي عقدت في مقر الجامعة بالقاهرة في أكتوبر/تشرين الأول 2000 بهدف دعم الانتفاضة الفلسطينية وحماية المقدسات الإسلامية.

ثالثاً- المقاطعة العربية لإسرائيل

استعمل الفلسطينيون المقاطعة للمنتجات اليهودية مبكراً، وتجلت هذه المقاطعة بصورة واضحة أثناء ثورة عام 1936. ثم بحثت جامعة الدول العربية موضوع المقاطعة منذ المحادثات التمهيدية لقيام الجامعة. واتخذ مجلس الجامعة أول قرار له في هذا الشأن في 2/12/1945، يدعو دول الجامعة إلى منع المنتجات والصناعات اليهودية من دخول أراضيها كما اتخذ مجلس الجامعة قرارات تنظيم تلك المقاطعة.

وبعد قيام دولة إسرائيل استوجبت المرحلة الجديدة وضع تنظيم جديد للمقاطعة، فاتخذ مجلس الجامعة في 19/5/1958 قراراً بإنشاء جهاز يتولى تنسيق عملية المقاطعة يرأسه مفوض عام يعينه الأمين العام للجامعة، ويعاون المفوض مندوب عن كل دولة بصفة ضابط اتصال تعينه حكومته. كما تضمن القرار إنشاء مكتب مركزي مقره في دمشق، وإنشاء مكتب في كل دولة عربية يعنى بجميع شؤون المقاطعة. وينص القرار على أن جهاز المقاطعة يتكون من: المكتب الرئيسي للمقاطعة، المكاتب الإقليمية، مؤتمرات المقاطعة. والحقيقة أنه بالنظر إلى التطورات التي حدثت على مستوى العلاقات العربية الإسرائيلية عموماً منذ انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991، فقد تفاوتت مواقف الدول العربية بشأن تحمسها لمبدأ المقاطعة لإسرائيل.

رابعاً- دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني

انعقدت في الجزائر بتاريخ 7 – 9/6/1988 القمة العربية غير العادية باسم "قمة الانتفاضة" التي يقول بيانها إن المؤتمر "تدارس بروح من المسؤولية القومية والتاريخية تطورات الانتفاضة الشاملة للشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتعاظم المقاومة في فلسطين والجولان وجنوب لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي وممارساته القمعية الإرهابية".


اتخذ مجلس الجامعة أول قرار له لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية عام 1945، يدعو دول الجامعة إلى منع المنتجات والصناعات اليهودية من دخول أراضيها، كما اتخذ مجلس الجامعة قرارات تنظيم تلك المقاطعة
وبعد أن ذكر البيان العديد من الاعتبارات المهمة ينتهي إلى اتخاذ عدة قرارات على مستوى أهمية القضية، منها: الالتزام بتقديم جميع أنواع المساندة والدعم لضمان استمرار مقاومة وانتفاضة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني. يضاف إلى ذلك أن مؤتمر القمة اتخذ مقررات خاصة تتعلق بالمؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط، فأكد التزامه بقرارات مؤتمرات القمة السابقة وخاصة مشروع السلام العربي المقرر في مؤتمر القمة الثاني عشر في فاس عام 1982 والذي حدد مبادئ السلام العادل لحل الصراع العربي الإسرائيلي وجوهره قضية فلسطين، وكذلك قرار القمة غير العادي في عمان 1987 بشأن المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط، كما أكد على الأسس التالية للسلام:

  • انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها منذ عام 1967 بما فيها القدس العربية.
  • إلغاء جميع إجراءات الإلحاق والضم وإزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية والعربية منذ العام 1967.
  • وضع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر.
  • تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية الثابتة، بما فيها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة بعاصمتها القدس على ترابه الوطني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي والوحيد، وكذلك وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
  • ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة في فلسطين.
  • وضع مجلس الأمن ضمانات السلام بين جميع دول المنطقة المعنية بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة.
  • يطالب بعقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط تحت إشراف الأمم المتحدة على قاعدة الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. وتضمن حق الشعب الفلسطيني الوطني الثابت في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني وبمشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وجميع أطراف الصراع في المنطقة بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية على قدم المساواة وبنفس الحقوق مع الأطراف الأخرى المشاركة.

كما أصدر مجلس جامعة الدول العربية في دورته العادية المائة في القاهرة (سبتمبر/أيلول 1993)، بياناً يؤكد فيه "أن السلام الشامل والعادل والدائم يجب أن يستند إلى قرارات مجلس الأمن أرقام: 242، و338، و425، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وأن يحقق الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي العربية المحتلة وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشريف والجولان، وجميع الأراضي اللبنانية المحتلة، وبما يفتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط.

خامساً- الدعم العربي للحقوق الفلسطينية دوليا

لم تتوان جامعة الدول العربية عن اتخاذ الإجراءات اللازمة وبذل الجهود الكفيلة للحصول على اعتراف المجتمع الدولي بالحقوق الفلسطينية وبالمنظمة. فقد اتخذ مؤتمر القمة السابع (الرباط: 26 – 29/10/1974) قراراً بشأن عرض قضية فلسطين على الدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة، جاء فيه:

1- العمل بكافة الوسائل على تأييد وإنجاح المبادئ الواردة في القرار السياسي المطلوب استصداره من الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمتضمن تأكيد ما يأتي:

  • الحقوق الأساسية الثابتة للشعب الفلسطيني ورفض أي اغتصاب أو إهدار لها.
  • حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره دون أي تدخل خارجي، وتأمين استقلاله الوطني وحقه في العودة إلى وطنه.
  • حق الشعب الفلسطيني في العمل بجميع الوسائل لنيل حقوقه الأساسية طبقاً لأغراض ومبادئ الأمم المتحدة.

2- أن يجري بحث موضوع قضية فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 13/12/1974، على أن يقوم الأمين العام بإبلاغ القرار إلى رئيس الجمعية العامة والسكرتير العام للأمم المتحدة.

3- أن يحضر في الجمعية العامة أثناء مناقشة قضية فلسطين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني ملك المملكة المغربية رئيس مؤتمر القمة العربي السابع، وصاحب الفخامة الرئيس الأستاذ سليمان فرنجية رئيس الجمهورية اللبنانية، ورئيس مجلس جامعة الدول العربية في دورته الحالية، وذلك تأكيداً للتضامن العربي في قضية فلسطين.

4- أن يكون التمثيل العربي على مستوى وزراء خارجية الدول العربية، تأييداً ودعماً لها، وإظهاراً للتضامن العربي حولها.

5- توجيه رسائل من جلالة رئيس مؤتمر القمة العربي السابع إلى الدول الأجنبية لتأييد قضية فلسطين في الأمم المتحدة وعلى المستوى العالمي.

ونتيجة للتضامن العربي والجهد العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (3236) بتاريخ 22/11/1974، والذي:

6- يؤكد حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في فلسطين.

7- يؤكد حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها ويطالب بإعادتهم.

8- يشدد على أن الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف وإحقاق هذه الحقوق، أمران لا غنى عنهما لحل قضية فلسطين.

9- يعترف بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيسي في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

10- يعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه كاملة بكل الوسائل، وفقاً لأهداف ميثاق الأمم المتحدة.

كما اتخذت الجمعية العامة قرارها رقم (3237 الصادر يوم 22/11/1974، والقاضي بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الاشتراك في دورات الجمعية العامة وكل المؤتمرات الدولية التي تعقد برعاية الجمعية العامة وفي أعمالها بصفة مراقب.

خاتمة:
مما لا شك فيه أن المسألة الأصعب فيما يتعلق بموقف الجامعة إزاء القضية الفلسطينية، إنما يتمثل في حقيقة أنها رغم نجاحها -ولا شك- في بلورة نوع من الإجماع العربي بشأن تأييد حقوق الشعب العربي الفلسطيني في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والصهيونية، قد أخفقت بالمقابل في التوصل إلى صياغة خطة عربية تفصيلية يمكن السير بمقتضاها في هذا الشأن. ولعل من بين الأمور القليلة المهمة التي حصل اتفاق عربي إيجابي بشأنها في هذا الخصوص، هو الاتفاق الذي أمكن التوصل إليه في مؤتمر قمة الرباط عام 1974 بشأن اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي الخطوة التي تلتها بعد ذلك خطوة أخرى أكثر أهمية تمثلت في قبول فلسطين عام 1976 عضواً كامل العضوية في جامعة الدول العربية.


لا العرب ولا الفلسطينيون حاولوا الإفادة جيداً من دروس الخبرة التاريخية ذات الصلة بتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، ومنها على وجه الخصوص أن الولايات المتحدة التي وضعت كل ثقلها وإمكاناتها لخدمة الدولة العبرية لا تقبل بأي حال من الأحوال التراجع عن ذلك
وأما على صعيد جهود التسوية السلمية في الصراع العربي الإسرائيلي عموماً، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي خصوصا، فالثابت أن الجهود التي بذلت في هذا الصدد من الجانب العربي منذ نهاية السبعينيات من القرن العشرين وحتى الآن، لم تؤت ثمارها المرجوة. فالمشاهد أنه مع أن العرب بمن فيهم الفلسطينيون قد تخلوا -استجابةً للمعطيات الجديدة للبيئة الدولية- عن أفكارهم السابقة في مقاومة الاحتلال وعن فكرة "العدو الإسرائيلي" وقبلوا في المقابل بفكرة "الشريك" في عملية السلام وبمبدأ الحوار والتفاوض، إلا أن ذلك كله لم يسفر عن شيء ذي قيمة سوى مجرد اعتراف هزيل وغامض من جانب إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها إحدى القوى السياسية الممثلة للشعب الفلسطيني، ثم الاعتراف بعد ذلك بما سمي بالسلطة الوطنية الفلسطينية.

ولذلك، فلعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الفلسطينيين يسيرون اليوم من مأزق إلى آخر، وإنهم قد وثقوا فيمن لا ينبغي الوثوق به أبداً وهو الولايات المتحدة أولاً وإسرائيل ثانياً. ومؤدى ذلك من وجهة نظرنا، أنه لا العرب ولا الفلسطينيون حاولوا الإفادة جيداً من دروس الخبرة التاريخية ذات الصلة بتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، ومنها على وجه الخصوص أن الولايات المتحدة التي وضعت كل ثقلها وإمكاناتها لخدمة الدولة العبرية لا تقبل بأي حال من الأحوال التراجع عن ذلك، وبالذات في ظل أوضاع ما بعد الحرب الباردة.

ومن هنا ومع الأخذ بعين الاعتبار أن السياسة هي فن الممكن في المقام الأخير، فإن الإصرار العربي والفلسطيني على الاحتفاظ بالورقة الأميركية وحدها ينطوي على مخاطر جسيمة ولن يقود في النهاية إلى ضمان الحقوق العربية.

لكل ذلك، فإن محاولة بناء الذات وحشد الموارد العربية -وهي كثيرة- بات أمراً ضرورياً بل ومطلوباً تماماً، ولا يجب النظر إلى ذلك بوصفه من قبيل الشعارات. كما أن الحرص على مشاركة قوى دولية أخرى -إضافة إلى الولايات المتحدة- كالاتحاد الأوروبي والصين واليابان بل وحتى روسيا الاتحادية، هو أيضاً مطلب ضروري لموازنة التفوق الأميركي بل والانحياز الأميركي المطلق لصالح دولة إسرائيل.
_______________
* أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة