*إعداد/ محمد عبد العاطي

بينما تبلغ ديون العالم العربي حوالي 560 مليار دولار ما بين خارجية وداخلية تتراوح الاستثمارات العربية في الخارج ما بين 800 و2400 مليار دولار، الأمر الذي يثير أكثر من علامة استفهام: لماذا هاجرت هذه الأموال؟ وكيف يمكن استعادتها؟ وما مستقبلها خاصة بعد أحداث سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة الأميركية وتوابعها؟

حجم الاستثمارات الخارجية
المعلومات الدقيقة عن حجم الاستثمارات العربية بالخارج غير متوافرة شأنها شأن الكثير من المعلومات الأساسية عن جوانب هامة في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية، وذلك لسبب جوهري هو أن لا أحد في العالم العربي يهتم بتكوين قواعد معلومات أو إحصائيات دقيقة ومنتظمة في هذه الموضوعات.

والاستثمارات العربية بالخارج ليست استثناء من هذا. فكل ما ذكر من أرقام حول هذا الموضوع المهم لا يعدو أن يكون تقديرات باحثين ومحللين اقتصاديين وبعض المراكز والمؤسسات الاقتصادية، أهمها وأدقها صندوق النقد العربي، ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار.

ومع ذلك فحتى هذه المؤسسات تكاد لا تتفق على رقم تقريبي لحجم الأموال العربية المستثمرة في الخارج، إذ تقدرها المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ما بين 800 و1000 مليار دولار، في حين يقدرها مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بـ 2400 مليار. والسبب الجوهري في هذا التباين -إضافة إلى غياب قواعد المعلومات الدقيقة في حياتنا العربية بصفة عامة- هو طبيعة هذه الاستثمارات نفسها التي يحرص معظم أصحابها على إضفاء طابع السرية عليها، وطبيعة النظام المصرفي العالمي، إضافة إلى طابع السيولة الذي يغلب على معظم هذه الاستثمارات خاصة غير المباشرة منها كتلك التي تتم في الأسهم والسندات في البورصات العالمية.

أنواع الاستثمارات
معظم الاستثمارات العربية في الخارج هي استثمارات خاصة أي يملكها أفراد من جنسيات عربية مختلفة، مع بعض الاستثمارات العامة التي تعود ملكيتها إلى الحكومات العربية وبخاصة الحكومات الخليجية التي تحاول استثمار العوائد الضخمة للنفط والغاز في أسواق المال الأجنبية.

وتتوزع هذه الأموال ما بين استثمارات مباشرة متنوعة في العقارات والأراضي والشركات التجارية والمشاريع السياحية وغيرها، وأخرى غير مباشرة في الأسهم والسندات.

أهميتها


العالم العربي أقل مناطق العالم جذبا للاستثمار وأكثرها طردا له إذ لا تتجاوز حصته من الاستثمارات الأجنبية الخارجية المباشرة 9.5 مليارات دولار من جملة الاستثمارات العالمية البالغة 865 مليارا أي أن نسبتها لا تتعدى 1% فقط
في حين بلغت استثماراته بالخارج أكثر من 800 مليار دولار
يحتاج الاقتصاد العربي إلى الأموال العربية المهاجرة بشدة أو على أقل تقدير إلى بعضها. فالدول العربية تدخل ضمن أقل دول العالم جذبا للاستثمارات وتدخل أيضا ضمن أكثر الدول طردا لها.

فوفقا لتقديرات مجلس الوحدة الاقتصادية في تقريره الصادر عام 2000 بلغ أعلى معدل للتدفق الاستثماري الأجنبي المباشر في الدول العربية 9.5 مليارات دولار بنسبة لا تتجاوز 1% (معظمها في مجال النفط) من إجمالي الاستثمارات العالمية التي تقدر بـ 865 مليار دولار، وبنسبة 4.2% من جملة الاستثمارات العالمية في الدول النامية والبالغة 207 مليارات دولار. وفي المقابل استقطبت الصين وحدها في العام نفسه حوالي 70 مليار دولار.

ولذا كان العمل على استقطاب تلك الاستثمارات أو على الأقل استعادة بعضها كفيلا بتحسين صورة الاقتصاد العربي المشوهة التي يكفي للدلالة عليها أن نشير فقط إلى الحقائق الاقتصادية التالية استنادا إلى التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2001:

  • بلغت الفجوة الغذائية العربية 20 مليار دولار طبقا لتقديرات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية عام 2001 وتزداد تبعا للمصدر نفسه بواقع 3% سنويا.
  • وصل عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي إلى 18 مليون نسمة من مجموع القوى العاملة البالغة 98 مليون نسمة ومن جملة السكان الذين بلغوا 280 مليون نسمة عام 2001.
  • يعيش حوالي 62 مليون عربي أي ما نسبته 22% من جملة السكان على دولار واحد فقط في اليوم.
  • ويعيش 145 مليون عربي أي قرابة 52% من تعداد السكان العرب، على دخل يومي يتراوح ما بين 2 و5 دولارات.
  • يعيش الملايين من العرب تحت خط الفقر كما يظهر من الجدول التالي:

الدولة

نسبة من يعيشون تحت خط الفقر

موريتانيا

57%

اليمن

27%

مصر والجزائر

23%

المغرب

19%

الأردن

12%

تونس

6%

دول الخليج الست

أقل من 1%

المصدر: التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2001

جغرافيا الاستثمارات


تقدر الأموال الخليجية المهاجرة إلى دول العالم بـ 730 مليار دولار منها 365 مليارا في دول الاتحاد الأوروبي وحدها و365 مليارا أخرى في بقية دول وتجمعات العالم الاقتصادية المختلفة

تتركز معظم الاستثمارات العربية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ففي أوروبا تحتل سويسرا وبريطانيا وفرنسا المركز الأول بين الدول الغربية الجاذبة لهذه الاستثمارات، ثم تأتي الولايات المتحدة الأميركية بعد ذلك. كما توجد استثمارات عربية قليلة في آسيا وبخاصة في ماليزيا وسنغافورة. والأسباب التي جعلت هذه الدول جاذبة للاستثمارات العربية كثيرة: أهمها الاستقرار السياسي والاقتصادي اللذان تتمتع بهما، إضافة إلى طبيعة النظام المصرفي لديها -وبالأخص سويسرا- والذي يتمتع بنظام السرية وهو ما يروق لبعض المستثمرين العرب.

ومن غير المعلوم على وجه الدقة حجم الاستثمارات العربية في كل بلد أجنبي على حدة, وذلك لأن حجم هذه الاستثمارات كلها أساسا غير معروف. إلا أن تقريرا اقتصاديا صادرا عن مركز دراسات الخليج عام 2001 قدر الأموال المهاجرة لدول الخليج وحدها إلى دول الاتحاد الأوروبي فقط بـ 365 مليار دولار و365 مليار دولار أخرى في بقية دول وتجمعات العالم الاقتصادية الأخرى. أما بقية الاستثمارات من بقية الدول العربية فغير معروف على وجه التحديد.

واقع الاستثمارات العربية - العربية
في الوقت الذي تتدفق فيه رؤوس الأموال العربية للاستثمار في الخارج (800 - 2400 مليار دولار) نجد أن الاستثمارات العربية المشتركة شحيحة للغاية لعدة أسباب منها:

- افتقاد الاستقرار التشريعي:


حرية نقل أرباح المستثمر والمطالبة بتدويرها داخل البلد الذي يستثمر فيه والبيرقراطية والروتين اللذان يتطلبان منه التعامل مع عشرات الجهات واستخراج عشرات الأذونات، كلها عوائق تشريعية أمام عودة الاستثمارات العربية في الخارج
يعيش العالم العربي في معظمه حالة من التخبط التشريعي وعدم ثبات القوانين الحاكمة للعملية الاستثمارية, مما يجعل رأس المال غير آمن فيضطر للبحث عن الأمان والاستقرار التشريعي في أماكن أخرى. فعلى سبيل المثال توجد في العالم العربي دول تحد من حرية نقل أرباح المستثمر وتطالبه بتدويرها داخل البلد الذي يستثمر فيه. وهناك من تضع قيودا على رغبة المستثمر في حال تصفية مشروعه للخروج من البلد. هذا إضافة إلى البيرقراطية والروتين الخانق الذي يعانيه المستثمر والذي يتطلب منه التعامل مع عشرات الجهات واستخراج عشرات الأذونات والتصاريح منذ أن يتقدم بطلب الاستثمار حتى الحصول على الموافقة الرسمية، وفي كل خطوة من هذه الخطوات عليه أن يدفع رشى وإلا تعطلت أعماله، وهي على كل حال تتعطل وتتأخر ويضيع فيها وقت كبير مما يؤثر على العائد الاقتصادي للمشروع.

إذا منحت إحدى الدول العربية على سبيل المثال إعفاء ضريبيا مدته خمس سنوات على المشاريع الاستثمارية في منطقة ما، فإن المستثمر يقضي من هذه المدة ثلاث سنوات على الأقل لاستخراج التصاريح والأذونات المطلوبة. كل هذا لا يزال يحدث رغم أن العديد من الدول طورت قوانين وإجراءات الاستثمار بها لكنها لا تزال دون المستوى المطلوب.

- افتقاد البنية التحتية:


تحتاج الدول العربية إلى 50 مليار دولار بنية تحتية في مجال المياه و90 مليار دولار في مجال الاتصالات خلال السنوات العشرة القادمة حتى تكون قادرة على جذب الاستثمارات الخارجية
تفتقد العديد من الدول العربية البنية التحتية اللازمة للاستثمار من كهرباء ومياه وطرق مرصوفة وجسور وأسطول للنقل البحري والجوي..إلخ.

ففي مجال المياه والكهرباء تحتاج الدول العربية إلى 50 مليار دولار بنية تحتية، وفي مجال الاتصالات تحتاج إلى 90 مليار دولار خلال السنوات العشرة القادمة حتى تكون قادرة على جذب الاستثمارات الخارجية.

وتمثل عملية النقل واحدة من أهم معوقات الاستثمار. فإلى الآن لا توجد لدى الدول العربية أساطيل من طائرات النقل والشحن الجوي مما يضطر المستثمر إلى تصدير منتجاته إما في طائرات مدنية أو عن طريق التنسيق الفردي فيما بينهم لحجز مساحات في إحدى الطائرات الكبيرة لنقل منتجاتهم إلى الأسواق الخارجية لتقليل النفقات.

فإذا قارنا مشكلات النقل التي تواجه المستثمر العربي بحالة النقل في الدول الجاذبة للاستثمار وجدنا تلك الدول تمتلك أساطيل عملاقة للنقل والشحن الجوي والبحري وتشجع مستثمريها ومصدريها بشتى الطرق على استخدامها. وتتنافس شركات النقل في تقديم أرخص العروض لعمليات النقل، الأمر الذي يغري المستثمرين باستثمار أموالهم في تلك الدول.

- افتقاد السياسات النقدية:
من المعوقات الأخرى التي تقف حائلا أمام عودة الاستثمارات العربية في الخارج السياسات النقدية في العديد من الدول العربية والتي تحتاج إلى إعادة نظر خاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار الفائدة. فارتفاع أسعار الفائدة يتسبب في:

  • ارتفاع تكلفة التشغيل
  • الحد من التوسعات المستقبلية
  • تحول الاستثمارات المباشرة إلى استثمارات غير مباشرة
  • تحول الاستثمارات غير المباشرة إلى استثمارات قصيرة الأجل مما يرفع من المخاطرة بالنسبة للاقتصاد القومي إذا اعتمد عليها كلية كما كان الحال في دول جنوب شرق آسيا إبان الأزمة المالية التي ضربت اقتصادها عام 1997 والتي لا تزال تعاني آثارها حتى الآن.

- افتقاد الشفافية:
يشعر المستثمرون العرب بحاجتهم إلى الشفافية ووضوح الرؤية لدى الحكومات العربية خاصة فيما يتعلق بالسياسيات الاجتماعية والاقتصادية وقوانين العمل.

والمقصود بالشفافية هنا هو الشعور بأن التنافس الشريف ونظافة الإجراءات وعدم اللجوء إلى التحايل والرشوة واستغلال النفوذ هي السبيل لخروج المشروع الاستثماري إلى الوجود وظهور نتائجه الاقتصادية.

أما وضوح الرؤية فيتمثل في أن تحدد الحكومات أهدافها وتعيد ترتيب أولوياتها بالنسبة للمشروعات التي تريد تشجيعها لخدمة خطط التنمية لديها، وأن تتسم قراراتها على مختلف المستويات بدقة الصياغة والوضوح ليسهل تنفيذها.

لا نستطيع القول إن هذه الأسباب تعاني منها كل الدول العربية بنفس الدرجة ولكنها تزداد أحيانا في بعض البلدان وتقل في أخرى، غير أن العملية الاستثمارية في جملتها تعاني من هذه العلل وتكاد تكون شكاوى المستثمرين جميعها متشابهة فيما سبق عرضه.

الاستثمار العربي بعد أحداث سبتمبر
تعرضت الاستثمارات العربية في الدول الأجنبية لانتكاسة كبيرة بعد أحداث سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة الأميركية التي اتهم فيها على الفور العرب والمسلمون. وتركزت التأثيرات الاقتصادية لتلك الأحداث في النقاط التالية:

  • صودرت بعض الاستثمارات العربية لمجرد الاشتباه.
  • تعرضت الاستثمارات الأخرى في أسواق المال العالمية لهزات عنيفة خاصة بعد أن تراجعت أسعار الفائدة على الدولار 11 مرة في عام 2001 وحده.
  • انخفضت بشكل ملحوظ الاستثمارات المباشرة القادمة إلى الدول العربية.
  • ارتفعت تكاليف الاقتراض لدى كثير من الدول العربية.

كل ذلك أدى إلى تراجع النمو في الدول العربية بنحو 4% عام 2001، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 3.6% عام 2002.

ويقدر أن يصل هذا المعدل في تونس والمغرب ما بين 5 - 6% وفي كل من الأردن ومصر 2.33 - 3.9% وفي دول الخليج ما بين 2.5 - 5%.

أما عن حجم الخسائر العربية في الأسواق المالية الغربية بعد تلك الأحداث فهو غير معروف لأن أصول هذه الأموال غير معلنة وغير معروفة على وجه الدقة. كما لا يعرف أيضا حجم الأموال العربية العائدة في أعقاب تلك الأحداث. وكانت أكبر تأثيرات تلك الأحداث على قطاعي النفط والسياحة.

- انخفاض عائدات النفط:
فبينما كان متوقعا أن ترتفع أسعار النفط في أعقاب تلك الأحداث مما كان سيعود بالفائدة على الدول العربية المصدرة للنفط وبالتالي تقلل ولو بعضا من خسائر أموالها المستثمرة في الخارج، فإن ما حدث هو عكس ذلك إذ انخفضت أسعار النفط بنسبة 20% عما كان الحال قبل سبتمبر/أيلول نتيجة زيادة المعروض في أسواق النفط العالمية، والتي أرجعها بعض الخبراء الاقتصاديين إلى إسراع الدول العربية الغنية المصدرة للنفط بزيادة إنتاجها بعد أن كثر الحديث عن تورط بعض رعاياها في تلك التفجيرات.

- انخفاض عائدات السياحة:
ولم تسلم بقية القطاعات غير النفطية من الضرر الذي لحق بها بعد أحداث سبتمبر، فقد خسر الاقتصاد المصري على سبيل المثال 50% من إيرادات السياحة التي تمثل واحدة من أهم إيرادات الدولة. وخسر الاقتصاد التونسي 22% من جملة إيرادات السياحة لديه.

أما عن قدرة أسواق المال العربية على استعادة هذه الأموال المهاجرة فالأمر يحتاج إلى جانب إزالة أسباب معوقات الاستثمار السابقة، إلى فترة زمنية تشعر فيها الأموال المهاجرة بحتمية العودة إلى الاستثمار داخل الوطن. وهناك من الاقتصاديين من يرى أن المطالبة بعودتها الآن ربما يكون فيه من العاطفة أكثر من النظرة الاقتصادية رغم ما في هذه المطالبة من أهمية إستراتيجية، ويؤكد ضرورة اختيار التوقيت المناسب للعودة حتى تستعيد تلك الأموال بعضا مما خسرته خلال العامين الماضيين.

وإلى أن يأتي هذا التوقيت المناسب فإنه لا أحد يستطيع حث هذه الأموال على العودة إلى أوطانها مرة أخرى أكثر من الحكومات العربية التي بيدها الخيوط التشريعية والاقتصادية والمناخ السياسي المستقر والمطلوب.
_______________
* قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت
المصادر:
1-
الحصاد الاقتصادي لعام 2001، صندوق النقد العربي.
2- التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2001.
3- القدرة التنافسية للأسواق العربية في الأسواق العالمية، معهد السياسات الاقتصادية، تحرير د. علي توفيق الصادق، سلسلة بحوث ومناقشات حلقات العمل، العدد الخامس، من 5 - 7 أكتوبر/تشرين الأول 1999، أبو ظبي، الإمارات.
4-
معوقات الاستثمار في العالم العربي، د. محمود عمارة، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين في فرنسا، برنامج بلا حدود، قناة الجزيرة.
5-
المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، التقرير السنوي 1999.
6- Country Profiles, The World Bank Group
7- Total External Trade Of Arab Country, Arab Trade Financing Program