شفيق شقير

استطاع خط فقهي إسلامي عريض أن يتجاوز -إلى حد ما- الاختلافات المذهبية بين المسلمين وأن يقلل من آثارها على المقاومة، خاصة بين السنة والشيعة وهما المكونان الأكثر فاعلية في منطقة الصراع بالشرق الأوسط.

المرجعية الفقهية ومحنة بغداد
قراءات متقابلة

المرجعية الفقهية ومحنة بغداد

تكامل فقهي مقاوم

"
بعد سقوط بغداد بيد القوات الأميركية عام 2003 جعل مسار الأحداث السنة والشيعة يبدوان وكأنهما يسيران في اتجاهين مختلفين
"

فقيام دولة شيعية في إيران ودخولها في حرب مع العراق، لم يدفع الأمور بين السنة والشيعة إلى تناقض كبير، خاصة في مجال الفقه السياسي والفكر السياسي.

بل يمكن القول إنها بلغت -في بعض المراحل وفي بعض الجوانب المتعلقة بالمقاومة- حدا تكامليا في الإطار الفكري والسياسي يتجاوز ما تسمح به القراءات الفقهية التقليدية لدى المذهبين، خاصة في عهد "الولي الفقيه" "ومرشد الثورة الإسلامية في إيران "روح الله الموسوي الخميني.

فالخميني جعل القدس القضية المركزية "للجهاد" عند الشيعة كما هي عند السنة، ولم تمنعه شيعيته من تقمص الكثير من أدبيات حركة الإخوان المسلمين، حتى قال عنه الباحث المتخصص أحمد موصللي إنه سيد قطب في "عباءة شيعية".

وترجمت هذه التوجهات في دعم حركة الإخوان المسلمين للثورة في إيران، ولاحقا في دعم حزب الله اللبناني في مقاومته ضد الاحتلال الإسرائيلي.

كما أن هذه التوجهات كانت وراء "المقاومة الإسلامية" في لبنان التي ضمت حين انطلاقتها بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، حزب الله الشيعي والجماعة الإسلامية السنية وغيرها من المجموعات الإسلامية المتدينة، الفلسطينية واللبنانية.

محنة بغداد
ولكن بعد سقوط بغداد بيد القوات الأميركية عام 2003 جعل مسار الأحداث السنة والشيعة يبدوان وكأنهما يسيران في اتجاهين مختلفين. فالشيعة من حيث الإجمال أعطوا الأولوية لقيام نظام بديل عن نظام صدام حسين، واعتبروا أن ما هم فيه أولى من التنظير للمقاومة فضلا عن إقامتها، بينما انخرط السنة بدرجة كبيرة في تحمل أعباء المقاومة، وأصبحت صفة لازمة لهم في العراق. 

وهذا الأمر أدى إلى وجود مساحات من التنازع بين الطرفين السني والشيعي تجاوزت تداعياتها حدود العراق بنسب متفاوتة، وعلا صوتها في كثير من الأحيان على صوت ما سواها من نزاعات وأزمات.

وتركت آثارها على المقاومة بشكل عام، فلم يعد من الممنوع القول إن المقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله شيعية، في مقابل تلك "السنية" في العراق، ولا يستبعد أن يُحاول تعميم هذا التصنيف ليشمل بعض فصائل "المقاومة في فلسطين" إذا ما استمر الأداء السياسي بالطريقة المتبعة حاليا.

وإذا استمرت هذه الحالة الانفصامية فقد تنشر مناخا عاما يضغط على الفريقين السني والشيعي ليعيد كل منهما النظر في برنامجه المقاوم، بناء على قراءات فقهية جديدة لها بذورها بغض النظر عن صحتها أو بطلانها.

قراءات متقابلة

ساحة المعركة هي ما يجمع بين السنة والشيعة وفقا لقراءات مذهبية (الفرنسية-أرشيف) 
لا يمكن لأحد أن ينفي وجودا دائما لقراءات مذهبية متقابلة، وأن هناك جماعات تملك فكرا إقصائيا وترفض التعاون مع أصحاب المذهب الآخر في قراءة دينية جذرية لا ترى أي أرض تجمع بين السنة والشيعة إلا ساحة المعركة.

ولكن الصحيح أن المقاومة العربية مع جمهورها الواسع حافظت بشكل كبير على قراءة يمكن وصفها بأنها واحدة، من حيث قبول الآخر وحمل السلاح معه جنبا إلى جنب وكتفا بكتف نحو هدف واحد، ولكن ما أخذ يطرأ اليوم هو قراءة تتفاعل مع الجمهور وترسم أهدافا متباعدة وكأن بعضها في تنافس مع بعض.

قراءات مذهبية مهموسة
إذا كانت القضية العراقية اختبارا صعبا لوحدة المقاومة العربية وحافزا لقراءات فقهية جديدة تدعو إلى الانفصام، فإن القضية الفلسطينية ومركزيتها لدى المسلمين هي إحدى أهم عناصر تكاتف المقاومة، ولعلها ستكون الأكثر استهدافا.

وبالفعل هناك قراءات لا تزال محدودة التداول في الشارع الشيعي عموما ولكنها أكثر شيوعا في الشارع العراقي، تحاول التقليل من أهمية فلسطين الدينية بالنسبة للشيعة إلى حد ما، وذلك بصيغة تساؤل عن مدى قدسية القدس والأقصى وأرض فلسطين، قياسا على الأرض التي دفن فيها أئمة الشيعة المعصومين ومقاماتهم؟ فما هي قدسيتها أمام كربلاء والنجف؟ وقد يتذرع بعضهم بأن النصوص الفقهية تعوز أولئك الذين يعلون من شأن فلسطين ومقدساتها إلى هذا المستوى السائد.

هذه الهمسات المحدودة الانتشار في بعض مساجد العراق وأروقة الإنترنت، تكاد تقترب من قراءة "فقهية متماسكة" تصف نفسها بالأصالة، في وجه الصيغة التي أرساها السيد الخميني في الثمانينيات والتسعينيات.

وعلى الضفة الأخرى يمكن اختيار الهجوم الإسرائيلي الأخير على لبنان الذي تركزت معظم خسائره في المناطق اللبنانية الشيعية، حيث خرج بعض الفقهاء وخاصة في السعودية وأثاروا تساؤلا حول مشروعية التبرع بالأموال لحزب الله أو دعمه، وأثاروا شبهات حول كونه فصيلا مقاوما أم لا، وأنه يأتمر بأمر إيران التي لها مطامع ومصالح مذهبية في العالم العربي.

كما أن الجو الطائفي المشحون في بيروت أثار زوبعة من الهمسات في بعض الأوساط الفقهية السنية اللبنانية، حول صدقية الشيعة ولا سيما حزب الله في أدائه المقاوم وطبيعة علاقته بسوريا وإيران، وأن مقاومة حزب الله أصبحت محصورة في السياق اللبناني المحدود، بل في الإطار المذهبي على أساس أن معظم سكان الجنوب المحتل هم من الشيعة وأن تحريره يشكل عنصر استقرار للطائفة، ويستدلون على ذلك بالتحفظ المبالغ فيه إزاء المقاومة العراقية، ومساهمة حزب الله وإعلامه في تقزيم المقاومة العراقية وتركيزه على قلة تكفيرية أو منتسبة للقاعدة وإهمال الصورة الكاملة لصالح مطامع مذهبية في العراق.

مقاومة فقهية

"
المقاومة اللبنانية جهاد شرعي، وتمثل أشرف مقاومة على الأرض مع شقيقتها بفلسطين، والشيعة جزء من الأمة الإسلامية وعلى كل مسلم نصرة هذه المقاومة ضد العدو الإسرائيلي

"
يوسف القرضاوي

هذه القراءات المهموسة والمحدودة التداول ووجهت ولا تزال تواجه بآراء فقهية من شخصيات تحظى باحترام لدى المذاهب التي تنتمي إليها. فالفقيه المعروف الشيخ يوسف القرضاوي على سبيل المثال وقف ضد المشككين في إسلامية مقاومة حزب الله وقال في حوار له (صحيفة الوفد المصرية 27/7/2006) إن المقاومة اللبنانية "جهاد شرعي، وتمثل أشرف مقاومة على الأرض مع شقيقتها بفلسطين، وإن الشيعة جزء من الأمة الإسلامية، وواجب على كل مسلم نصرة هذه المقاومة ضد العدو الإسرائيلي".

كما أن الشيخ اللبناني فيصل مولوي عارض فتوى منسوبة للشيخ عبد الله بن جبرين ورد فيها أنه لا يجوز دعم حزب الله "الرافضي"، فقد رفض مولوي هذه الفتوى وناقشها بشكل مفصل على موقعه الإلكتروني. هذا فضلا عن عشرات العلماء السعوديين الذين قاموا -في ظاهرة جديدة- بردّ هذه الفتوى، وبعضهم يعتبر من الأسماء السلفية اللامعة مثل الشيخ غائض القرني.

ومن جهة أخرى فإن تأييد المقاومة الفلسطينية من قبل الولي الفقيه الحالي في إيران على خامنئي لا يزال مستمرا بالمعاني الدينية نفسها التي قامت عليها الثورة، كما أن علماء لبنان من الشيعة يكاد لا يختلف اثنان منهم حول محورية القضية الفلسطينية ومركزيتها الإسلامية، ولكن تبقى الحالة العراقية بكل ما يتصل بها من احتلال وتناحر داخلي وغموض فقهي، محل اختبار للنص الديني الداعم للمقاومة، ولا يمكن الجزم بكيفية انتهاء ذلك.
_______________



الجزيرة نت

هوامش

1- اقرأ مناقشة الشيخ مولوي للفتوى المنسوبة لعبد الله بن جبرين
http://www.mawlawi.net/Kalimat.asp?cid=128

2- ا
قرأ نص توضيح ابن جبرين حول الفتوى المنسوبة إليه من موقعه الإلكتروني.
http://www.ibn-jebreen.com:9090/controller?action=FatwaView&fid=15294