د. عبد الستار قاسم

التساؤل عن مستقبل حركة فتح مطروح بقوة بعد غياب ياسر عرفات، وازداد ضغطا بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية. فهل ستبقى فتح متماسكة وقادرة على المضي في محاولات البحث عن الذات وإعادة ترتيب الصفوف، والعودة مجددا بقوة وتوحد إلى المسرح القيادي الفلسطيني؟ هل هناك مقومات لنجاح هذه المحاولات، أم أن لحظة الحقيقة قد تجلت فأنهكت الحركة؟ أم أن العوامل التاريخية والكامنة تلعب دورا في إحداث التجديد المطلوب في هيكلية الحركة وفكرها مما سيعيدها إلى سابق عهدها؟

فتح داخليا بين البقاء والزوال
مستقبل فتح والعوامل الخارجية
العوامل الموضوعية وتأثيرها على فتح

فتح داخليا بين البقاء والزوال

"
يظهر للمراقب أن فتح عبارة عن عدة حركات مثل حركة أبو فلان وحركة أبو علان، وكل منها تدعي الشرعية والالتزام بخطى عرفات
"

هناك عوامل عديدة تتدخل في تحديد الإجابة وتوضيحها، وتنقسم إلى ذاتية وخارجية وموضوعية. فيما يلي نقاش مختصر لكل منها:
العوامل الذاتية وتنقسم إلى قسمين:
أولا:
عوامل بنائية تساعد على إعادة اللحمة لحركة فتح مما يؤهلها للعودة بقوة إلى ميدان اتخاذ القرار، وهي تتلخص فيما يلي:

  1. وجود قيادات فتحوية ذات تجربة وخبرة ومعرفة، ولديها الرغبة في إعادة بناء الحركة. هذه القيادات موجودة في مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي مختلف فئات الحركة الاجتماعية والمهنية والثقافية. وهي غيورة ويحزنها أن ترى تاريخها وماضيها يتناثر ويتلاشى، وهي وفية لمواقفها وتجاربها النضالية في مواجهة الاحتلال. إنها قيادات ذات التزام وطني عال، وقضت سنين في المعتقلات الصهيونية أو في ميدان المعركة في جنوب لبنان، وتدفع باتجاه التغيير داخل الحركة خاصة على المستوى القيادي.
  2. هناك عناصر وكوادر فتحوية متحمسة لفكرة التجديد ورص الصفوف والنهوض بالحركة. هؤلاء هم الذين حملوا الحركة ميدانيا سواء على صعيد مواجهة الاحتلال، أو على صعيد تأييد الاتفاقيات مع إسرائيل على اعتبار أنها وسيلة سلمية لاستعادة الحقوق الفلسطينية. وقد ساهم هؤلاء بقوة في حشد التأييد الشعبي للحركة، ولا يزالون يقومون بهذا الدور.
  3. قيادات الفساد معنية أيضا باستعادة قوة فتح ومكانتها لأنهم هم كبار الخاسرين إذا تنحت الحركة جانبا. من المعروف أن الغالبية الساحقة من قيادات الفساد تنتسب إلى حركة فتح، وهؤلاء هم الذين ساهموا مباشرة في خسارة فتح أمام حماس. عاش هؤلاء حياة رغد تميزت بوفرة الأموال والسلطان ورضا أميركا والاحتلال، وليس من السهل عليهم أن يروا أنفسهم وقد ألقي بهم على الرصيف. إنهم سيعملون بقوة نحو العودة إلى المسرح لكن ليس من خلال بناء الحركة وإنما من خلال إفشال حركة حماس.
  4. استفادت الغالبية الساحقة من أعضاء فتح شخصيا من عهد السلطة الفلسطينية بقيادة حركتهم فحصلوا على الوظائف والامتيازات المختلفة مثل السيارات العامة وأجهزة الخلوي (النقال) وبطاقات الاتصال ووقود السيارات المجاني، الخ. يشعر هؤلاء الآن أن امتيازاتهم مهددة، وأن تلك الحظوة على وشك أن تتبدد، وهم مستعدون للمشاركة في الجهود نحو عودة الحركة إلى تولي إدارة الضفة وغزة.

ثانيا: عوامل هدم تعمل من داخل فتح ضد الحركة وتعرقل مسيرتها نحو استعادة عافيتها، وهي تتلخص فيما يلي:

  1. فتح مليئة بالقيادات ومراكز القوى المتصارعة على الزعامة، وكل منها يحفر للآخر بطرق تآمرية واستقطابية ترفع من حدة التنافس الإسقاطي (ما أعنيه هو أن الشخص يحاول أن يكون قائدا ليس بإنجازاته وإنما من خلال الحط من الآخرين). ويظهر للمراقب أن فتح عبارة عن عدة حركات مثل حركة أبو فلان وحركة أبو علان، وكل منها تدعي الشرعية والالتزام بخطى عرفات.
  2. فضلا عن الفوضى التنظيمية، تعاني فتح من فوضى السلاح الذي أفرز ظاهرة تعرف الآن بالفلتان الأمني. تنتمي الغالبية الساحقة من المسلحين الذين يجوبون الشوارع ويهددون أمن الناس ويعتدون عليهم وعلى ممتلكاتهم إلى حركة فتح، وهم يسيئون للحركة وما زالوا يشكلون مصدرا للإساءة لها.
  3. هناك صعوبات كبيرة أمام الحركة لعقد مؤتمرها العام بسبب التفسخ الذي تعاني منه. من المطلوب عقد هذا المؤتمر من أجل تجديد الشباب، لكن هناك خشية من أن تكون الحركة كوعاء زجاج مهشم غير منفرط، سرعان ما يتهاوى إذا حركته من مكانه. ستحصل مشادات صعبة بين القيادات الحالية للحركة بسبب التنافس الإسقاطي، وستحصل مشادات بين الشيب والشباب، وبين الصالحين والفاسدين.
  4. حتى لو اجتمعت الحركة، على ماذا ستتفق؟ هذا يحتاج إلى تحضير لا شك أنه سيكون طويلا وشاقا. تفتقر الحركة الآن إلى ميثاق أو خطة عمل، ولا توجد أي بوصلة نظرية تهتدي بها عدا اتفاقيات أوسلو التي هدمت تطبيقاتها آمال الكثير من الفتحويين. ماذا تريد فتح؟ تحرير فلسطين أم إقامة دولة على الضفة والقطاع؟ وماذا بقي من الضفة حتى تُقام الدولة؟ وأي دولة هي تلك التي ستقوم؟ هل ستكون مجرد كيان يعتاش من أهل الغرب ويقوم بأعمال الحراسة على إسرائيل؟
  5. تعاني فتح من قيادات معروفة على الساحة الفلسطينية بأنها فاسدة. إذا أرادت الحركة النجاح فلا بد من التخلص من هذه العناصر التي يسود انطباع عنها بأنها قريبة من إسرائيل. ربما تؤدي محاولات التخلص إلى صراع داخلي عنيف.
    والمحصلة هي أن العوامل الداخلية تعمل إجمالا ضد إعادة بناء الحركة.

مستقبل فتح والعوامل الخارجية

العوامل الخارجية:
وتعني هذه العوامل وجود قوى أو جهات خارجية تدفع إما باتجاه إعادة بناء الحركة أو تخريبها بالمزيد، وألخصها في أربعة عوامل وهي:

  1. إسرائيل وأميركا مهتمتان الآن باستعادة الحركة عنفوانها وطاقاتها، لكن ليس كحركة مناضلة. تهتم الدولتان بتشجيع البديل لحركة حماس، لكن ليس حركة فتح التي تقوم بعمليات عسكرية، أو التي تنزع إلى تاريخها النضالي، وإنما تلك التي يقودها أناس موالون لأميركا وأصدقاء لإسرائيل. أي أن الدولتين مهتمتان باستخدام إعادة بناء فتح من أجل إكمال مشروع الحكم الذاتي الفلسطيني، وليس من أجل إعادة اللحمة إلى صفوف الشعب الفلسطيني. ولهذا نشطت الدولتان في جذب عدد من القيادات الفتحوية إلى عملية تنسيق من أجل إفشال حماس. تم الإعلان عن اجتماعات تم عقدها بين مسؤولين أميركيين وبعض الفلسطينيين في أميركا؛ ويلاحظ أن فلسطينيين يغدقون أموالا على الساحة الفلسطينية دون الإفصاح عن مصادرهم المالية. 
  2. الضغط على حماس من قبل الخارج يشكل بحد ذاته أملا في عودة فتح إلى الصدارة. هناك حصار مالي ودبلوماسي مضروب على حماس من أجل إفشالها داخليا، ومن ثم إسقاطها. أميركا وأوروبا تمنعان الأموال عن الحكومة الفلسطينية الحالية على أمل خلق حالة شعبية تتسم بالتمرد، علما بأن أغلب الموظفين الذين تسعى حماس إلى تحصيل أموال لدفع رواتبهم هم من فتح ومن اليسير أن يتجاوبوا مع الضغط الخارجي. بعض الدول العربية شريكة في هذا المشروع، وترى أن غياب فتح قد جنح كثيرا بمركب المسيرة التفاوضية.
  3. هناك جهات خارجية تحاول دعم الحكومة الفلسطينية الحالية مما يعزز بقاءها والتأثير بصورة غير مباشرة على قدرة فتح للعودة إلى الصدارة. سوريا مثلا قدمت عددا من التسهيلات للفلسطينيين، وقررت استقبال الفلسطينيين التائهين على الحدود الافتراضية بين الأردن والعراق، وكذلك فتح باب التبرعات الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني. أما إيران فقد قررت تقديم معونة مالية كبيرة لم يلمس الشارع الفلسطيني آثارها بعد.
  4. التركيز على منظمة التحرير الفلسطينية يخدم فتح على حساب حماس. إذا قرر محمود عباس بالتعاون مع الأميركيين والأوروبيين التفاوض عبر منظمة التحرير فإنه سيزيح حماس جانبا على الصعيد الدولي، وهذا قد يصب في مصلحة فتح التي ستجد قيادات صاحبة قرار في عدد من الشؤون الدولية. يشكل هذا مصدر خطر على العلاقات الداخلية الفلسطينية، لكن هذا لا يشكل محورا أساسيا في تفكير القوى الخارجية.

والمحصلة هي أن العوامل الخارجية تعمل إجمالا لصالح إعادة بناء حركة فتح.

العوامل الموضوعية وتأثيرها على فتح

من الصعب جدا للعوامل الخارجية والداخلية أن تتغلب على العوامل الموضوعية أو أن تبتعد عن تأثيرها، وألخصها فيما يلي:

  1. "
    حركة فتح ليست تنظيما بالمعنى الدقيق، وهي أشبه ما تكون بشركة مساهمة تجمعها المصالح الشخصية وليس الأبعاد الوطنية
    "
    عملت قيادة حركة فتح ضد المنطق التاريخي في اعترافها بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها. ليس من السهل أن يمر مشروع سلام مع إسرائيل وهي تحتل مقدسات إسلامية وأرضا عربية وتشرد الملايين. المشكلة هنا هي أن دولة صغيرة على مساحة بسيطة تأتي بأمة عظيمة مترامية الأطراف لتستجدي العطف والرحمة. هذا منطق يصلح في لحظة تاريخية معينة، لكنه لا يصلح تاريخيا. ولهذا لن تصمد اتفاقيات الصلح التي أقامتها إسرائيل مع الأردن ومصر، ولم يكن من المتوقع أن يصمد اتفاق أوسلو.
  2. حركة فتح ليست تنظيما بالمعنى الدقيق، وهي أشبه ما تكون بشركة مساهمة تجمعها المصالح الشخصية وليس الأبعاد الوطنية. تعاني فتح من التراث السابق الذي اعتمد على شراء الذمم واستقطاب الولاء بالمال واستبعاد أصحاب الرأي الذين يمكن أن يؤثروا بسير الحركة. هناك وطنيون في فتح ومخلصون، لكن الحركة ككل تنزع نحو المصالح والأبعاد الشخصية. فكيف لمثل هذه الحركة أن تلتئم وتستمر في وحدتها. هذا العامل الموضوعي يتأثر بالأموال التي يمكن أن توفرها الدول الغربية وبعض الدول العربية لقيادات فتحوية مفضلة علهم يعيدون بناء الحركة بالطريقة التي تتوافق مع رغبات أميركا وإسرائيل.
  3. تشهد المنطقة العربية الإسلامية إعادة ترتيب لموازين القوى والذي لا مفر سيلقي بظلاله على التنظيمات الفلسطينية. إسرائيل لا تستطيع أن تصول وتجول في المنطقة كيفما تشاء بسبب ثبات بعض التنظيمات اللبنانية والفلسطينية، وظهور إيران كمنازع للسطوة الإسرائيلية. وأميركا لا تستطيع أيضا أن تأمر فتطاع بسبب تورط جنودها في أفغانستان والعراق، وتحدي إيران النووي. هناك اصطفاف جديد في المنطقة يتبلور، وإذا عادت فتح إلى الصدارة فإن القضية الفلسطينية ستخرج من بين أيدي الفلسطينيين لصالح البعد الإقليمي.
  4. يعيش الشعب الفلسطيني وضعا شاذا من ناحية الاعتماد في لقمة خبزه على من لا يتفقون معه، أو من هم أصدقاء لإسرائيل. اكتشف الشعب الفلسطيني أخيرا أن الغرب يتحكم بلقمة خبزه، الأمر الذي بدأ يفرز وعيا بضرورة الاعتماد على الذات وعلى الأصدقاء من العرب والمسلمين. هذا أمر له وقعه لدى المثقفين والمفكرين الفلسطينيين الذين يحملون فتح مسؤوليته. صحيح أن الكثير من العامة يفكرون بالرواتب، لكن الإستراتيجي يفكر بتحرير لقمة الخبز.
    المحصلة هي أن العوامل الموضوعية تعمل إجمالا ضد إعادة بناء حركة فتح.

الخلاصة
وفي تقديري أن مسألة عودة حركة فتح إلى الصدارة مرتبطة بالأموال الغربية، لكن عملية إعادة البناء تبقى صعبة جدا. من المحتمل أن تتوفر أموال تعيد للحركة إدارتها شؤون الناس في الضفة وغزة، لكن هذا لن يجعلها في مأمن من الانهيار. المشكلة الكبيرة أمام إعادة البناء تكمن في القيادات الفاسدة والقريبة من إسرائيل وأميركا والتي تتحمل مسؤولية كبيرة في إفشال حركة فتح، لكن هذه هي القيادات التي تعوّل عليها أميركا وإسرائيل. أميركا ليست مستعدة لتوجيه أموالها إلى قيادات نظيفة لأن مثلها ليست مستعدة للتساوق مع المتطلبات الأميركية والإسرائيلية.

لا ينفع أميركا والغرب عموما غير الفاسدين، ولا ينفع إعادة بناء الحركة غير المخلصين. ولهذا ستبقى فتح في وضع صعب وسيبقى مستقبلها مرشحا لمزيد من التدهور. ربما ستنتعش الحركة في المرحلة القادمة على إفشال حماس، لكن هذا لا يشكل طريقا للنجاح.
_______________
محلل وباحث سياسي فلسطيني