متظاهرون مطالبون بالإصلاح السياسي يسألون رجال الأمن الكف عن استعمال خراطيم المياه شديدة الاندفاع لتفريقهم
 
 أحمد منيسي
 
شهدت الساحة السياسية المصرية خلال الفترة القصيرة الماضية العديد من المتغيرات المهمة، التي طرحت الكثير من التساؤلات حول مستقبل التطور الديمقراطى، ويتمثل أهم هذه المتغيرات فيما يلي:
 
- إعادة إحياء المجتمع السياسي المصري، وتجاوز حالة الموات والإقصاء التي عاشها هذا المجتمع منذ أكثر من ربع قرن، وكان أبرز مظاهر ذلك تشكيل الحركة المصرية للتغيير (كفاية) كتيار عريض هدفه استنهاض المصريين من جديد، وقد انطوت تحت مظلة كفاية تيارات وتوجهات سياسية عديدة، لا يجمع بينها سوى رفض استمرار سياسة  "العمل كالعادة " من قبل النظام الحاكم. 
 

"
سيناريو التطوير الديمقراطي الحقيقي في مصر هو الأصعب في التحقق كونه يتطلب بالضرورة إعادة تأسيس نظام الحكم من جديد

"

- بروز توجهات قوية داخل الأحزاب السياسية على خلافاتها واختلافاتها، للتنسيق فيما بينها من أجل الضغط على النظام الحاكم، لجهة التحول الديمقراطي. وقد أثمر التلاقي والتنسيق بين الأحزاب عن تشكيل ما سمى بـ "أحزاب التوافق والإصلاح" وهذا تطور لم يسبق له مثيل منذ العمل بنظام التعددية الحزبية في العام 1976.
 
- تنامي حمى التظاهرات المطالبة بالإصلاح في الشارع المصري، وكان اللافت في هذا السياق خروج الإخوان المسلمين وللمرة الأولى منذ عقود طويلة للتظاهر في الشارع، وهذه التظاهرات تتم رغم الحظر الرسمي لها.  
 
- ظهور عدد من الأحزاب السياسية، وهذه الأحزاب وجدت نفسها بعد فترة وجيزة من تأسيسها في معترك الحياة السياسية، ومن ثم كان عليها إثبات نفسها، وخوض معركة النضال الديمقراطي. ونشير هنا تحديدا إلى حزب الغد ومؤسسه الدكتور أيمن نور الذي تم اعتقاله مؤخرا على خلفية اتهامات بالتزوير، حيث طرح الحزب نفسه كفاعل قوي وضاغط على الحكومة، وأدى اعتقال نور والتدخلات الخارجية لإطلاقه إلى تنامي دور الحزب.
 
- حدوث انتعاشة لافتة في دور منظمات المجتمع المدني العاملة بشكل غير مباشر في المجال السياسي، ونشأة العديد من الصحف المستقلة خلال العام الماضي والتي وفرت منابر جديدة لحرية الرأى والتعبير. وهذه الصحف بعضها يدعم من الخارج بشكل جزئي أو تام مثل "المصري اليوم"  و"نهضة مصر".  
 
- ظهور توجهات قوية للمراجعة الذاتية من قبل بعض المؤسسات التي كان يعتمد عليها النظام الحاكم لتثبيت شرعيته، ويشار فى هذا السياق لما شهدته مؤسسة القضاء من جدل حول ضرورة توافر ضمانات حقيقية لإجراء انتخابات الرئاسة والانتخابات البرلمانية المقبلتين، حتى لا يتم توريط القضاة في انتخابات لا تتوفر لها ضمانات النزاهة، على غرار ما حدث في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة عام 2000. 
 
- ويضاف إلى هذه المتغيرات الداخلية، الضغوط الخارجية المتصاعدة التي تعرض لها النظام الحاكم خلال العامين الأخيرين، من قبل كل من الولايات المتحدة وأوروبا، وهذه الضغوط كان لها وقعها الخاص على هذا النظام، بالنظر لتهديدها باستخدام العصا الاقتصادية، في وقت تشهد فيه مصر أزمات اقتصادية خانقة استفحلت بشكل مخيف خلال السنوات الأخيرة.
 
وفي السياق نفسه، فإن هذه الضغوط قد أوجدت نوعا من الهلع لدى القوى الوطنية على مستقبل البلاد برمته إذا لم يحدث تطوير ديمقراطي حقيقي، لأن عكس ذلك قد يؤدي إلى المزيد من التدخل الخارجي (الأميركي بشكل خاص) في الشؤون الداخلية لمصر، بحجة الإصلاح، وهذا أمر مرفوض بالمطلق من قبل هذه القوى التى تدرك جيداً أن المطالب الأميركية بالإصلاح، ليس هدفها الإصلاح، وإنما تجئ في سياق المشروع الأميركي لإعادة هيكلة الشرق الأوسط، ليس فقط بهدف إخضاع دوله سياسيا، وإنما أيضا ثقافيا.
 
"
عدم إحداث التطوير من شأنه أن يفاقم على المدى المنظور من حالة السخط المتنامية على أداء النظام، وهو ما يمكن أن تكون له نتائجه الوخيمة، بما فيها ضرب حالة الاستقرار التي تتمتع بها البلاد حاليا

"
وعلى خلفية هذه الضغوط وتلك، كانت مبادرة الرئيس مبارك في فبراير/شباط الماضي لتعديل المادة  "76" من الدستور، والخاصة بشروط ونظام اختيار رئيس الجمهورية، وهي المبادرة التي فجرت جدلاً كبيراً في الساحة السياسية، حول أي مستقبل ينتظر عملية التطور الديمقراطي، وهذا هو التساؤل الرئيس المطروح  بقوة حاليا على الساحة السياسية.
 
قواعد اللعبة السياسية
وقبل البحث عن إجابة عن هذا التساؤل، من المهم في البداية رصد عدة حقائق مهمة، كشف عنها الجدل الذي مازال يعتمل في مصر حول هذا التعديل، تتعلق بقواعد اللعبة السياسية.
 
النفاق السياسي:
الحقيقة الأولى، تتمثل في وجود قدر عال من النفاق السياسي ليس فقط في أوساط النخبة الحاكمة، وإنما أيضا بين قطاع ليس صغيرا من النخبة المثقفة وكذلك النخبة الاقتصادية، فما إن أعلن عن التعديل حتى بادرت شخصيات من هذه النخب الثلاث، إلى التهليل له واعتباره فتحا جديدا للديمقراطية في مصر، على الرغم من أنهم كانوا من أشد المؤيدين لنظام الاستفتاء الذى كان معمولا به سلفاً، وظل هذا هو موقفهم حتى لحظة الإعلان عن التعديل. وهذا التهليل لا يحتاج لذكاء لاستيعاب وفهم أسبابه، ولكنه وفي المقابل يعكس بدوره حقيقة هامة، تتمثل في أن فترة الركود الطويلة التي عاشها النظام السياسي، أفرزت اصطفافات حصينة نجمت عن الفساد الذي أنتجه هذا الركود، وهذه الاصطفافات ارتبطت مع السلطة بمصالح اقتصادية فئوية ومكاسب مالية ليس من السهولة التنازل عنها.
 
مؤسسة الرئاسة والسلطات شبه المطلقة:
أما الحقيقة الثانية، فتتمثل في طبيعة الجهة التي بادرت إلى التعديل، ممثلة في مؤسسة الرئاسة التي بدت هي القادرة وحدها على إحداث أي تغيير وفي أي وقت، وكذلك بالطريقة التي ترتضيها، فمطلب تعديل الدستور هو مطلب شعبي منذ سنوات طويلة، وهو أيضا مطلب القوى المعارضة، ولكن هذه المطالبات ذهبت سدى، ولم يكن في مقدور أي منها الدفع في سبيل تعديل الدستور، وكان الرئيس وحده هو القادر على فعل ذلك، لما يتمتع به من سلطات شبه مطلقة في الدستور.   
 
النخبة الحاكمة خائفة من ثمن التغيير:
وأما الحقيقة الثالثة، فتتمثل في أن هذا التعديل جاء مبالغا في الجزئية، بل إن الضمانات المقترحة لشروط ترشيح رئيس الجمهورية تفرغ التعديل من أية جدوى له، وهذا الأمر يؤكد على حقيقة صعوبة وربما استحالة التعويل على النخبة الحاكمة للقيام بعملية تطوير ديمقراطي، كما أنه يؤشر من ناحية أخرى لحالة من التردد في سلوك الدولة إزاء قضية الإصلاح السياسي، وهي حالة مبعثها الحيرة بين ضرورة التغيير والخوف من ثمن هذا التغيير.
 
ومما يؤكد على هذه الحالة، استقراء المشهد السياسي الذي يشي بحالة من التخبط في سلوك النظام الحاكم تجاه قضية الإصلاح، فثمة محاولات لافتة ولكنها محسوبة للفكاك من أسر الماضي، وفي الوقت نفسه ثمة ممارسات من شأنها تكريس حالة الجمود التي تسيطر على الحياة السياسية باتجاه تكريس الوضع الراهن.


 
سيناريوهات مستقبل الإصلاح
وهذا الواقع المعقد لمشهد التطور الديمقراطي في مصر يجعل من الصعب استشراف مستقبل عملية الإصلاح، إلا أنه يمكن القول إن مستقبل هذا التطور تحتكره ثلاثة سيناريوهات أساسية، هى:
 
1- سيناريو الجمود:
ويعني بقاء الحال على ما هو عليه، وذلك بفعل الرغبة المستميتة من قبل السلطة فى الإبقاء على قواعد اللعبة السياسية بشكلها الراهن الذى يؤمن لها السيطرة المطلقة على البلاد، ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى أن الحزب الوطني نفسه الذي يعول البعض عليه لقيادة عملية إصلاح، وعلى الرغم من محاولة تطويره، فإنه ما يزال يعاني حالة من الجمود، بالنظر إلى الحصيلة السلبية لهذه المحاولة، ومن مؤشراتها الدالة أن عملية تطوير الحزب لم تفسح الطريق للاعتماد الكامل علي أسلوب الانتخاب في تشكيل هيكل الحزب من القمة إلى القاعدة، الأمر الذي يحول دون القيام بعملية تجديد حقيقي بالحزب، كما أنه وفي السياق نفسه، لا يمكن التعويل على ما يسمى التيار الإصلاحي داخل الحزب، بالنظر إلى ارتباط هذا التيار عضويا (ابن الرئيس زعيم هذا التيار) بالحرس القديم.


 
2- سيناريو التطوير:
أي البدء في مرحلة جديدة تكرس عملية التطوير الديمقراطي، وهذا السيناريو يصطدم بتعقيدات الواقع السياسي، والحصيلة السلبية لتجربة الانفتاح السياسي التي خبرتها البلاد منذ منتصف السبعينيات، فعلى الرغم من حدوث انفتاح ملحوظ في مجال حريات الرأي والتعبير، فإن هذا الانفتاح لم يستطع أن يصل إلى مرحلة تجاوز ما يطلق عليه "الخطوط الحمراء ".
 
وعلى الرغم من ظهور العديد من الأحزاب السياسية المشروعة، فإنه لا تزال هناك مشكلة حقيقية في عملية المشاركة السياسية، بسبب العراقيل الموضوعة في سبيل تأسيس الأحزاب السياسية (حرمان التيار الإسلامي من تشكيل حزب أهم المؤشرات في هذا السياق).
 
"
تظل مشكلة غياب تداول السلطة هي جوهر أزمة تجربة التحول الديمقراطي في مصر، حيث أن الحزب الوطني ما يزال يحتكر السلطة على الرغم من مرور أكثر من ربع قرن على العمل بنظام التعددية الحزبية

"
وبالإضافة إلى ذلك، فإنه وعلى الرغم من أن الدستور المصري، قد كرس مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، فإن الواقع يؤكد على أن المصريين غير متساوين في كثير من الحالات، بالنظر إلى تفاوت مقادير النفوذ التى يمتلكونها، سواء كان هذا النفوذ مشروعا أو غير مشروع. وتظل مشكلة غياب تداول السلطة هي جوهر أزمة تجربة التحول الديمقراطي في مصر، حيث أن الحزب الوطني ما يزال يحتكر السلطة، على الرغم من مرور أكثر من ربع قرن على العمل بنظام التعددية الحزبية.
 
3 - سيناريو الانتكاسة:
بمعنى النكوص والتراجع عما تم تحقيقه من تقدم محسوب على صعيد حريات الرأي والتعبير، خوفا من أن يؤدي ذلك إلى تنام أكثر في معارضة النظام.
 
وفي الواقع، فإن ثمة حظوظاً متفاوتة لتحقق أيا من هذه السيناريوهات، ومن المؤكد أن سيناريو التطوير هو الأصعب في التحقق، كونه يتطلب بالضرورة إعادة تأسيس النظام من جديد. وهذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا بوجود ضغوط صارخة على النظام الحاكم، أو مبادرة النظام بنفسه، وكلا الأمرين لا يمكن تحقق أي منهما بسهولة، على الأقل خلال المرحلة الحالية. بيد أن عدم إحداث التطوير من شأنه أن يفاقم على المدى المنظور من حالة السخط المتنامية على أداء النظام، وهو ما يمكن أن تكون له نتائجه الوخيمة، بما فيها ضرب حالة الاستقرار التي تتمتع بها البلاد حاليا.
 
أما فيما يتعلق بسيناريو الجمود، فإنه لا يمكن تصور أن الأوضاع سوف تظل كما هي عليه الآن تماما في ضوء الضغوط المكثفة المفروضة على النظام، ولكن لا يمكن أيضا تصور حدوث تحركات من قبل النظام  لإنهاء هذا الجمود بشكل يضع النظام السياسي على أعتاب مرحلة جادة من التطوير الديمقراطي، مما يعني أنه وحتى حصول ضغوط صارخة على النظام، فإن المشهد السياسي سوف يظل يتخبط بين التقدم إلى النقطة التى لن يكون على النظام الحاكم عندها دفع تكاليف باهظة للتحول الديمقراطي والتراجع، ولكن عند تلك النقطة التي لا يمكن عندها تجاهل هذه الضغوط المفروضة عليه بشأن استحقاقات التحول الديمقراطي.
 
والمشكلة هنا أن هذه الحالة من اللاحسم على المستوى السياسي، قد تكون مدعاة أيضا لجلب الفوضى، إذا لم تكن هناك مؤشرات قوية، على تجاوز هذه الحالة، في مدى زمني معين، شريطة أن يتزامن مع هذه الحالة، عملية تطوير اقتصادي لافتة، تعطي مؤشرا على أن ثمة تغيرا ما يحدث على الأرض.


____________