عبد الكريم علي

يعتمد صانعو السياسة في تركيا على وسائل الإعلام كأداة أساسية للتعبير عن مواقفهم وسياساتهم لكسب الدعم والتأييد لبرامجهم فضلا عما تمثله من قنوات مهمة يستخدمونها في تعبئة الرأي العام إزاء القضايا المتعلقة بالشؤون الخارجية أو الداخلية، وفي بناء البيئة السياسية وإعادة تشكيلها في ظل تواصل النزاع بين العلمانيين والإسلاميين.

واقع الإعلام التركي
جذور الصراع الإعلامي

بين خطابين إعلاميين

علاقة جديدة

واقع الإعلام التركي

شهدت تركيا المواكبة لحركة العولمة تطورا سريعا في وسائل الإعلام خلال العقد الماضي وبصورة موازية لحركة التنمية التي شهدتها البلاد، وكان أبرز سمات هذا التطور التعددية والتنوع إلى أقصى حد، إذ تصدر في عموم تركيا اليوم أكثر من (3450) صحيفة ومجلة بين صحف قومية وأخرى إقليمية ومحلية ومجلات أسبوعية ودورية و(258) قناة تلفازية تبث بعضها على النطاق القومي والأخرى تبث على النطاق الإقليمي والمحلي و(1090) محطة إذاعية قومية وإقليمية ومحلية.

"
يشتمل الإعلام التركي على الآلاف من الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزة، وتبرز من بين هذه الوسائل سبع مجموعات إعلامية كبرى خمس منها علمانية واثنتان إسلاميتان
"
ومن بين كل هذه الوسائل برزت سبع مجموعات إعلامية كبرى، تضم كل واحدة منها عددا من الصحف والمجلات المتنوعة ومحطات الإذاعة وقنوات التلفاز الخاصة ووكالات الأنباء ودور النشر، خمس منها ذات توجهات علمانية هي: مجموعة دوغان ميديا ومجموعة بيلغن ميديا ومجموعة روملي هولدنك ومجموعة اقتصاد ميديا، واثنتان ذواتا توجهات إسلامية هي مؤسسة فضاء الإعلامية التابعة للجماعة النورسية- جناح فتح الله غولين ومجموعة إخلاص التي تمثل الجماعة النقشبندية.

ومع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي ازداد التنافس القائم بين المؤسسات الإعلامية التركية العلمانية والإسلامية الساعية لمواكبة التحولات السريعة في التقنيات المتطورة، وشجع إجمالي حجم التعاملات التجارية لقطاع الإعلام التركي وإيرادات الإعلانات، الشركات الكبرى للاستثمار في قطاع الإعلام الخاص، كما ازداد اهتمام جماعات رجال الأعمال الأتراك بامتلاك المؤسسات الإعلامية.

وشهدت هذه المدة صعودا واضحا لوسائل إعلام التيار الإسلامي، فقد أصبحت تمتلك عددا من القنوات التلفازية الفضائية ومحطات الإذاعة الخاصة إضافة إلى عدد من الصحف والمجلات، ولأول مرة ارتفع معدل التوزيع اليومي لصحيفة (زمان) التي تمثل الطريقة النورسية وهي من أبرز الصحف القومية للتيار الإسلامي من 61 ألف نسخة يوميا في ديسمبر/ كانون الأول 1990 إلى ما يقارب 600 ألف وبالتحديد (587.482) في ديسمبر/ كانون الأول 2005.

وبذلك أصبحت( زمان) من بين أبرز ثلاث صحف قومية صادرة في عموم تركيا، ويشكل هذا التطور مؤشرا إيجابيا عن ارتفاع مستوى مقروئية صحف التيار الإسلامي ومنافستها بقوة للصحف العلمانية، إضافة إلى صدور ما يقارب من (50) صحيفة و(150) مجلة مرتبطة في معظمها بطرق دينية وتعبر عن حركة فكرية نشطة للإحياء الإسلامي وتنشر أحيانا مقالات تثير استياء الحكومة والمؤسسة العسكرية ما يؤدي إلى مصادرة بعض أعدادها أو تعطيل صدورها.

ورغم هذا التطور الملحوظ، تبقى وسائل إعلام التيار الإسلامي تحتل المرتبة الثالثة بعد وسائل إعلام الاتجاه اليميني الليبرالي ووسائل إعلام الاتجاه اليساري وكلاهما يشكلان الاتجاه الأقوى المدافع عن العلمانية في تركيا.



جذور الصراع الإعلامي

ولدت الصحافة التركية عام 1831 في كنف الدولة العثمانية، وهي دولة الخلافة الإسلامية التي سعت إلى توظيف الدين لإضفاء صفة الشرعية على أعمالها، وكان من الطبيعي أن يكون الاتجاه السائد في الدولة العثمانية عموما هو التيار الإسلامي بحكم أنها دولة الخلافة الإسلامية التي كانت الصحافة التركية في بداية نشأتها تعد صحافة الدولة الناطقة بلسانها والمدافعة عن الإسلام.

"
ولدت الصحافة التركية عام 1831، لكن أول صحيفة ذات طابع إسلامي صدرت عام 1909 لمواجهة أفكار جمعية الاتحاد والترقي
"
ومع تزايد نشاط الصحف الصادرة عن جمعية الاتحاد والترقي أو الموالية لها في الخارج أثناء حكم السلطان عبد الحميد الثاني، وردا على سياسة الجمعية المذكورة، أوجد بعض الأتراك وبرئاسة الشيخ درويش وحدتي حزبا سموه الاتحاد المحمدي وذلك في الخامس من أبريل/ نيسان 1909. وقد قامت عقيدة هذا الحزب ضد فكرة جمعية الاتحاد والترقي، وبهدف تأكيد أحكام الشريعة الإسلامية ومعارضة فكرة الإصلاحات الغربية التي كانت جمعية الاتحاد والترقي تدعو لها.

وقد قام درويش وحدتي بتأسيس صحيفة ولقان الدينية التي تعد البداية الأولى لظهور صحافة ذات طابع إسلامي في ظل الصراع الذي نشأ في أواخر عهد الدولة العثمانية بين التيار المقلد للغرب الذي قادته ودعت إليه جمعية الاتحاد والترقي وتيار المسلمين الذين أخذوا في ذلك الوقت موقف المدافع عن الإسلام، إذ لم يكن في عهد الدولة العثمانية شيء اسمه الحركة الإسلامية، كما هي عليه الآن في تركيا.

وقد نظم اليهود حملة ضد وحدتي واتهموا السلطان عبد الحميد بالتواطؤ معه، وانتهت الحملة بخلع السلطان عبد الحميد وإعدام وحدتي وإغلاق صحيفته والصحف المعارضة للاتحاديين ومنها صحيفة ولقان ومجلة بيان الحق اللتان كانتا تقودان المعارضة الدينية.

وقامت الحركة الكمالية التي كانت متأثرة بالغرب، بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 وإعلان العلمانية، بإجراءات هدفها إلحاق تركيا بالمدنية الغربية وسلخها عن ارتباطاتها الشرقية وعن عقيدتها الإسلامية وتراثها الثقافي والاجتماعي. لذلك واجهت الحركة الكمالية في بدايتها معارضة من بعض الصحف مثل طنين، توحيد الأفكار، سبيل الرشاد، ألوص التي كانت تدعم كتلة الارتقاء بالجمهورية ذات الاتجاه الإسلامي، ما دفع الحكومة إلى إحالة رؤساء تحرير هذه الصحف إلى محكمة المطبوعات.

وفي العام 1924، ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة ونفى أفراد العائلة العثمانية خارج البلاد، كما ألغى المدارس الدينية ومحاكم الشريعة، ومنع رجال الدين وقوى المعارضة من استخدام الدين أداة ضد الكماليين. واستمر الحال حتى العام 1946، عندما دخلت تركيا عتبة نظام التعدد الحزبي الذي سمح بظهور جمعيات وصحف إسلامية مثل سبيل الرشاد وسلامت وحر آدم.

وأظهرت انتخابات العام 1946، تنامي دور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية والاجتماعية في تركيا. وعندما وصل الحزب الديمقراطي إلى السلطة عام 1950، كان أكثر مرونة بشأن المسألة الدينية، إذ منح رجال الدين دورا في تربية الجيل الجديد، وكانت الصحافة التركية ميدانا مهما للحملة على العلمانية.



بين خطابين إعلاميين

تسعى وسائل إعلام التيار الإسلامي إلى منح الجمهور انطباعات تؤكد توازنها الفكري وسعيها للحفاظ على الصدق والموضوعية في تناول الأخبار التي تنشرها وفي معالجة قضايا تركيا الداخلية وعلاقاتها الخارجية برؤية تبتعد عن التطرف والعنصرية.

"
يرتكز خطاب الإعلام الإسلامي التركي على العودة إلى الهوية الإسلامية ومهاجمة المخططات الصهيونية فيما يركز الإعلام العلماني على مهاجمة المظاهر الإسلامية وأبرزها المدارس الدينية والحجاب
"
ويرتكز خطاب هذه الوسائل على الدعوة إلى عودة تركيا إلى هويتها الإسلامية وتوثيق علاقاتها مع الدول الإسلامية والعربية، لذلك تتهمها الصحف العلمانية بأنها تسعى إلى إقامة نظام إسلامي، وإحلال الشريعة الإسلامية بدلا عن العلمانية. وتؤكد صحافة هذا الاتجاه على أهمية الانتباه للمخططات الصهيونية التي تحيق بتركيا، وتشير إلى أن الجمهور التركي بأغلبيته المسلمة وباتجاهاته الإسلامية والقومية يقف بالضد من الصهيونية وأطماعها.

وتتباين السياسة الإعلامية لوسائل إعلام التيار الإسلامي تبعا للطرق أو الجماعات الدينية التي تصدر عنها مثل النورسية ، النقشبندية والقادرية، حيث يشكل الإعلام الإسلامي أهمية كبيرة للطرق الدينية في تركيا سواء كمسلك للتأثير أو قناة للتعبير عن الرؤى التي تطرحها بشأن تصوراتها لمستقبل المجتمع التركي في ظل سعيها لتقويض محددات النظام العلماني تجاهها.

أما وسائل الإعلام العلمانية فتنتهج سياسة إعلامية تركز على دعم النظام العلماني في تركيا الذي أرسى دعائمه أتاتورك، ومواجهة التيار الإسلامي ومحاربة أفكاره ودعواته المستمرة لإعادة الهوية الإسلامية لتركيا، كما يركز هذا الاتجاه في الصحافة على نشر مواضيع الإثارة والفضائح وغيرها من المواضيع التي تتنافى مع القيم الأخلاقية للدين الإسلامي.

ويشتد اعتماد القوى العلمانية على وسائل إعلامها كلما أنتعش الإسلام السياسي في تركيا وحقق نتائج انتخابية تؤهله لتشكيل الحكومة أو المساهمة فيها أو حاز على نتائج جيدة في الانتخابات البلدية، حيث تنبري له هذه الوسائل بحملات واسعة تكاد تتركز على قضيتين مهمتين الأولى مسألة التعليم الديني والثانية مسألة الحجاب.

فالتعليم العلماني جزء من عملية تعبوية كبرى أرسى دعائمها النظام الجمهوري، وقد أنتجت هذه العملية السياسية التعليمية ضباطا ومدرسين وقضاة ومثقفين وأطباء وصحافيين ومهندسين يشكلون الآن أبرز الدعائم الرئيسة للنظام العلماني في تركيا. ولذلك سعى النظام الجمهوري منذ البداية إلى نزع الشرعية عن التعليم الديني لمنع ظهور نخب منافسة للنخب العلمانية المؤثرة في البلاد.

وغالبا ما تكون وسائل الإعلام التركية ميدانا للصراع بين الجانبين بصدد هذا الموضوع، فوسائل الإعلام العلمانية تولي اهتماما وتركيزا بالغ الحساسية إزاء سعي التيار الإسلامي لتخفيف أو رفع بعض القيود والمحددات على إنشاء المدارس الدينية لإعداد الأئمة والخطباء وتصور هذه القضية على أنها تهديد خطير للنظام العلماني ومحاولة لتقويضه.

والقضية الثانية التي تهتم بها وسائل الإعلام التركية العلمانية هي مسألة الحجاب، فقد تم تشديد الحظر عليه بعد العام 1997، واضطرت أكثر من (10) آلاف طالبة تركية للذهاب الى الدراسة الجامعية في أذربيجان بعد منعهن من دخول الجامعات في إسطنبول بسبب ارتدائهن الحجاب، بل ان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان اضطر إلى إرسال ابنته للدراسة في الولايات المتحدة للسبب نفسه.

واستمرت بعض وسائل الإعلام العلمانية مثل صحف حريت وملليت، حملتها الإعلامية على الحجاب الإسلامي بانتقادات وجهت لزوجات عدد كبير من الوزراء في حكومة حزب العدالة والتنمية بسبب ارتدائهن الحجاب خلال المناسبات الرسمية بما في ذلك زوجة أردوغان.

ويدافع العلمانيون في وسائل إعلامهم عن الحظر على الحجاب في تركيا بأنه أمر مشروع لمواجهة الأصولية الإسلامية التي تريد فرض رموز دينية صارمة على المجتمع وإقامة دولة تقوم على الأفكار الدينية.

علاقة جديدة

تشغل حرية وسائل الإعلام في النظم الديمقراطية موقعا متميزا ضمن الحريات السياسية والمدنية، وهناك ثلاثة معايير لقياس تلك الحرية، الأول معيار القوانين والتشريعات التي تنظم وتوفر الحماية لوسائل الإعلام، والثاني معيار عمق نفوذ وسيطرة الحكومة على مضمون ومحتوى الصحف ووسائل الإعلام، والمعيار الثالث تمويل الصحافة ووسائل الإعلام.

ووفقا لتلك المعايير هناك عدة عوامل مؤثرة على حرية وسائل إعلام التيار الإسلامي في تركيا، تتحكم في رسم مسار سياستها الإعلامية وتوجهاتها ومواقفها خاصة في صراعها مع العلمانيين. ويأتي في مقدمة هذه العوامل الدولة بشقي مؤسستيها السياسية (الحكومة) والعسكرية(قيادة الجيش) إضافةً إلى رجال الإعمال الأتراك من مالكي المؤسسات الإعلامية والدونمة واليهود والماسونية، لما يشكله هذا الثلاثي من أهمية وسيطرة على وسائل الإعلام والمؤسسات التجارية الكبرى في تركيا.

فقد استخدمت الدولة الملاحقات القضائية وفرض الغرامات المالية ضد عدد من الصحف ووسائل الإعلام الإسلامي والصحافيين في حال تناولهم بعض الموضوعات السياسية المختلف عليها مثل الإسلام السياسي وغيرها من القضايا، كما أصدرت المؤسسة العسكرية التركية في فبراير/ شباط 1997 قائمة ضمت (100) مؤسسة فرضت عليها حظر التعامل على أن تخضع للتحري باعتبارها تدعم الحركات الإسلامية ماليا، وتابعت المؤسسة العسكرية حملتها ضد التيار الإسلامي، فوضعت قائمة جديدةً تضم (19) صحيفة و (110) مجلات و(20) محطة تلفاز و(51) محطة إذاعية باعتبار أن تلك المؤسسات تمارس أنشطة إسلامية تخريبية معادية للعلمانية.

"
بعد الإجراءات المشددة ضد الإعلام الاسلامي عام 1997 ظهرت مساحة من التعايش والحوار بين الإعلام العلماني والإسلامي
"
غير أن هذه المحاولات لتقييد أنشطة الإعلام ذي التوجهات الإسلامية كانت قد ترافقت مع حملة الجيش لإقصاء رئيس الوزراء الإسلامي المتشدد نجم الدين أربكان عام 1997، في حين جرت تحولات بعد ذلك التاريخ في العلاقة بين النمطين الإعلاميين، إذ استطاعت وسائل الإعلام التركية العلمانية والإسلامية التكيف مع هذا الصراع الطويل بحيث نجحت في تحويل الأفكار الأيديولوجية الكبرى لكل من منطلقات للصدام إلى منطلقات للحوار القائم على عدم إقصاء أي طرف من المعادلة السياسية والاعتراف بحق التيارات المختلفة في التعبير أي إعادة النظر في أيديولوجية الخطاب السياسي للتيار الإسلامي بما يتوافق مع أطر النظام العلماني بهدف تجنب مرحلة الصدام تلك.

وقد شجع على الوصول إلى هذه المرحلة السياسة التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية الحاكم والقائمة على المناداة بالديمقراطية المحافظة المؤمنة بالعلمانية بمعناها الأوروبي الذي يمنح كل فرد الحق في ممارسة نمط الحياة الذي يريده سواء كان إسلاميا أم غير ذلك، مقابل التخلي عن العلمانية الكمالية التي أصبحت نمطا خاصا قائما على عدم الإقرار بالعديد من الحريات الشخصية للأفراد كحق التعليم الديني أو حق المرأة في ارتداء الحجاب.

وهذا التحول في مفاهيم حزب العدالة والتنمية –أحد تيارات الإسلام السياسي في تركيا- يعطي مؤشرا على أن هذا التطور الذي حدث في التجربة التركية يكمن في وجود مساحة حقيقية للصراع الديمقراطي بين العلمانيين والإسلاميين محكومة بقيود المؤسسة العسكرية الكمالية.

وقد يشهد المستقبل تراجع العلمانيين عن بعض مواقفهم المتشددة إزاء الحجاب والتعليم الديني وبعض القضايا الخلافية الأخرى بين التيارين، حيث بدأ بعض الكتاب العلمانيين التعامل مع موضوع الحجاب والتعليم الديني على أساس أنه حق من حقوق الإنسان ويجب عدم النظر إليه خارج أطار تلك النظرة، وهو تراجع مهم عن مواقف متزمتة، يماثل تراجع المؤسسة العسكرية (حرس النظام العلماني) عن بعض محدداتها الخاصة بالقضية الكردية مثلا ومنها السماح باستخدام اللغة الكردية داخل تركيا بعد أن كان ذلك من بين المحظورات الكبرى.




_______________
باحث عراقي