الشيخ عبد الوهاب حسين رئيس جمعية التوعية الإسلامية
مستقبل البحرين في ظل السياسة الراهنة سيكون باهت اللون والشكل، فقير المضمون والعطاء، وفي ظل التهديدات الأميركية للعراق سيكون خطيرا يصعب تحديد أبعاده بدقة.. بهذه العبارات اختتم الشيخ عبد الوهاب حسين رئيس جمعية التوعية الإسلامية المعارضة التي أعلنت مقاطعتها للانتخابات البرلمانية القادمة، حواره مع الجزيرة نت. أما بداية الحوار فكانت شرحا تفصيليا لهذه النتيجة.


بعد الانقلاب على دستور 1973 وميثاق العمل الوطني والتعهدات والالتزامات المكتوبة والشفهية، فإن الانتخابات البرلمانية لم تفقد قيمتها فحسب، وإنما أصبحت تمثل ورقة غير مرغوبة في تاريخ البحرين الحديث
برأيكم ما الأهمية الحقيقية التي تمثلها الانتخابات البرلمانية التي تشهدها البحرين يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري؟

يمتد عمر الحركة المطلبية في البحرين لما يقرب من 90 عاما، وفي جميع مراحلها يتكرر مطلبا الدستور والبرلمان. وكانت آخر حلقات الحركة المطلبية الانتفاضة المباركة التي قدمت ما يقرب من 40 شهيدا و15 ألف معتقل ومئات المبعدين. وقد أعادت هذه الانتفاضة المباركة الأمل إلى قلب المعارضة والحركة المطلبية بعدما قاربت على اليأس, وأعادت حضورها الفاعل على الساحة بعد انحسار شديد. وكان المطلبان الرئيسيان لها هما: تفعيل الدستور, وإعادة الحياة البرلمانية.

وجاءت إصلاحات عظمة الملك من خلال طرحه لميثاق العمل الوطني استجابة للحركة المطلبية, ومن خلال التعهدات المكتوبة والشفهية من عظمة الملك لرموز المعارضة والتي دعمها بتصريحات لكبار المسؤولين في الصحافة، منها تصريح سعادة وزير العدل بوصفه رئيس اللجنة العليا للميثاق يوم الجمعة 9/2/2001 والذي يعد تصريحه بمثابة التفسير لما جاء في ميثاق العمل الوطني. وفي كل ذلك جاءت ضمانة العودة إلى دستور 1973 وإعادة الحياة البرلمانية، على أن يكون المجلس المنتخب وحده صاحب حق التشريع، والمعين ليس له دور أكثر من الاستشارة. ولو تم الالتزام بذلك لكان للانتخابات البرلمانية أهمية كبيرة في تاريخ البحرين، وتأطير العلاقة بين الحكومة والشعب بإطار حسن واقعي بناء، أما وقد حدث الانقلاب على دستور 1973 وميثاق العمل الوطني، والتعهدات والالتزامات المكتوبة والشفهية، وذلك من خلال دستور المنحة الجديد الذي ينتقص الحقوق الشعبية المكتسبة التي ضمنها له دستور 1973 ويحاصر الشعب فلا يترك له فرصة التغيير، فإن الانتخابات البرلمانية لم تفقد قيمتها فحسب، وإنما أصبحت تمثل ورقة غير مرغوبة في تاريخ البحرين الحديث، وتدل على أن الحكومة لم تغادر مواقعها القديمة في سلب الشعب حقوقه الشرعية, في الوقت الذي تعترف فيه نظريا بأنه مصدر السلطات جميعا. وبالتالي فإن الدستور الجديد والبرلمان الذي يستمد شرعيته منه، يدخلان البلاد في حلقة جديدة من حلقات الصراع بعد أن كدنا نخرج منها.

هل تمثل هذه الانتخابات خطوة جادة على طريق الإصلاح السياسي المطلوب أم أنها مجرد تنفيس لاحتقان سياسي؟

الانتخابات البرلمانية القادمة لا تمثل خطوة جادة على طريق الإصلاح السياسي المطلوب لأنها تنتقص الحقوق المكتسبة للشعب، كما لا تمثل خطوة لتنفيس الاحتقان السياسي لأن تنفيس الاحتقان حقيقة قائمة بدأت مع بداية الحركة الإصلاحية التي ترتب عليها إلغاء قانون أمن الدولة، والإفراج عن المعتقلين، والسماح للمبعدين بالعودة والحرية الملحوظة في الندوات والمحافل الشعبية وهي سابقة على قيام البرلمان الجديد. أما البرلمان فما هو في الحقيقة إلا صورة كرتونية جميلة فاقدة للحياة.


بعد مقاطعة الجمعيات الأربع للانتخابات أصبحت الشخصيات المرشحة لا تمتلك الحد الأدنى من الكفاءة، حتى أضحت محل تندر في الإعلام الرسمي فضلا عن الإعلام الشعبي
هل تعتقد أن هذه الانتخابات ستفرز عناصر قادرة على التمثيل النيابي؟

مع اتساع رقعة المقاطعة وقوتها شعبيا، واتخاذ الجمعيات الأربع (الوفاق، والعمل الوطني، والعمل الإسلامي، والتجمع القومي) قرار المقاطعة، فقد نأت الرموز الكبيرة والشخصيات المرموقة أكاديميا وسياسيا ومهنيا واجتماعيا بنفسها عن الترشيح، والشخصيات التي رشحت نفسها شخصيات مجهولة ليس لها حضور سابق في ساحة العمل الوطني ولا تمتلك الحد الأدنى من الكفاءة، حتى أصبحت محل تندر في الإعلام الرسمي فضلا عن الإعلام الشعبي، وأصبح من المقطوع به أنها أقل بكثير من الطموح الرسمي والشعبي، مما سيكون له انعكاساته السلبية الخطيرة على مستقبل الحياة البرلمانية، ويعد ذلك بمثابة فشل ذريع للحركة الإصلاحية التي يقودها عظمة الملك.

لهذا تقدمت في أكثر من مناسبة بدعوة عظمة الملك إلى اتخاذ قراره الشجاع بتأجيل الانتخابات والدخول مع قوى المعارضة في حوار وطني على أساس دستور 1973 وميثاق العمل الوطني من أجل المصلحة الوطنية وإنقاذ المشروع الإصلاحي لعظمة الملك. وقد فهم بعض من رشح نفسه أن هذه الدعوة تدل على أن صاحبها يشعر بأنه قد ضيع الخيارات ولم يبق لديه سوى توجيه هذه الدعوة رغم إيمان الشخص نفسه بقيمة تأجيل الانتخابات. وكان الأولى به أن يفهم أن الدعوة صادرة من نية حسنة تجاه الملك ومشروعه الإصلاحي، وعدم رغبة في الدخول مجددا في حلقة جديدة من الصراع بعد أن كدنا نخرج منه، ما لم نكن مضطرين ومجبرين عليه.


الحكومة لم تغادر مواقعها القديمة في سلب الشعب حقوقه الشرعية, في الوقت الذي تعترف فيه نظريا بأنه مصدر السلطات جميعا, وبالتالي فإن الدستور الجديد والبرلمان الذي يستمد شرعيته منه، يدخلان البلاد في حلقة جديدة من حلقات الصراع بعد أن كدنا نخرج منها
هل ستعبر هذه الانتخابات عن الأوزان الحقيقية للتيارات السياسية في الشارع البحريني؟

بعد مقاطعة الجمعيات الأربع الرئيسية التي تمتلك أكبر قاعدة جماهيرية وتمتلك تاريخا نضاليا طويلا وخبرة سياسية في العمل الوطني، فإن الانتخابات القادمة ستفشل في فرز العناصر القادرة على التمثيل النيابي، كما ستفشل في التعبير عن الأوزان الحقيقية للتيارات السياسية في الشارع البحريني، لا يختلف في ذلك اثنان من أبناء الشعب والحكومة.

وأستطيع القول إن قرار المقاطعة يمتاز بميزتين:
أولاهما- أنه يستند إلى منطق حقوقي وسياسي قوي جدا، هذه القوة فرضت على الجميع احترامه، وأنه حتى الآن لم يستطع أحد أن يرد على هذا المنطق سواء في بعده الحقوقي أو السياسي، إلى درجة أن البعض ممن أراد ترشيح نفسه حاول أن يلتف على هذا المنطق فأكد شرعيته وصحته وأنه يصب في المصلحة الوطنية، إلا أن القرار يحتاج إلى المساندة من داخل البرلمان، ولذلك فهم يرشحون أنفسهم لدعم قرار المقاطعة من داخل البرلمان، رغم إيمانهم وتصريحهم العلني بعدم إمكانية التصحيح من الداخل. لهذا رفضنا هذا التبرير غير الموضوعي والبعيد عن الواقعية، وأكدنا أن المشاركة ترسخ الوضع الدستوري غير الدستوري، وتعطيه الشرعية بدون مبرر معقول، وتضعف الحركة التصحيحية المشروعة، وأن المنطق القوي للمقاطعة يلزم بعدم المشاركة لا ترشيحا ولا انتخابا، وهو وحده الذي يخدم المصلحة الوطنية حسب تقديري.

الميزة الثانية- أن قرار المقاطعة ذو مساحة شعبية واسعة جدا، وهو في نفس الوقت قرار نخبوي وقرار وطني شاركت فيه جميع ألوان الطيف السياسي والقوى السياسية الأكثر شعبية وذات التاريخ النضالي الطويل، وقرار الغالبية العظمى من رجال القانون، وقد نتج عن ذلك عزوف الرموز الوطنية البارزة ذات الخبرة السياسية والتاريخ النضالي الطويل والشخصيات المرموقة عن ترشيح نفسها، إلى جانب ضعف المنافسة رغم كل الإغراءات المادية التي قدمتها الحكومة. ويتوقع المراقبون بدون استثناء انخفاضا حادا لنسبة المشاركة في التصويت، مما سيلقي بظلاله السوداء على مستقبل البلاد والحياة البرلمانية على وجه الخصوص. وعليه جاءت دعوتي لعظمة الملك بتأجيل الانتخابات، كما أصدرت الجمعيات الأربع المقاطعة بيانا ضمنت مثل هذه الدعوة. وأقدر أن عظمة الملك يمتلك من الشجاعة وسعة الأفق ما يشجعه على الخروج عن المألوف في السياسة التقليدية واتخاذ مثل هذا القرار.. أنا واثق من ذلك.

هل يوجد لدى المرشحين برامج سياسية حقيقية أم أنها شعارات عامة يتشابه في أغلبها الجميع وأطروحات يغلب عليها الطابع الفردي؟

من يتابع أخبار الدعايات الانتخابية يشعر بالحزن والغثيان لوضع هؤلاء، حتى أن بعضهم لا يعرف ألف باء السياسة والقانون، وغائب تماما عن أوضاع الساحة الوطنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو لا يعرف أبرز الشخصيات الداعية إلى المقاطعة، ولا يعرف لماذا يقاطعون، بل لا يعرف حتى تركيب جملتين متناسقتين، فمن أين لهؤلاء أن يأتوا ببرامج عمل سياسية أو غير سياسية؟! إن كل ما يملكه هؤلاء هو توزيع الصور بصورة عشوائية في الشوارع والأزقة ونصب الخيام والموائد، وبعضهم لم يستطع حتى نشر صورته أو نصب خيمة في كثير من المناطق الواسعة وذات الكثافة السكانية العالية لأنهم غير مرغوبين شعبيا، وبعيدون عن شبه الإجماع الشعبي على المقاطعة في تلك المناطق، فمن أين لهؤلاء أن ياتوا ببرامج عمل؟ ومن يريدون خدمته بتلك البرامج وهم بعيدون عن الإجماع الشعبي؟

ومن جهة ثانية فإن أغلب هؤلاء أشخاص مستقلون، ونحن نعلم أن قدرات الفرد مهما كبرت فهي أقل من أن تضع برنامج عمل وطنيا كاملا على مستوى الحياة البرلمانية، لأن مثل ذلك يحتاج إلى عمل مؤسساتي ضخم، وإذا فرضنا أن الفرد استطاع بلورة برنامج عمل كامل على مستوى الحياة البرلمانية فإنه لن يستطيع أن ينفذ ذلك البرنامج في البرلمان لأن التنفيذ يحتاج إلى تكتل، ولهذا فإن غياب الأحزاب يعني غياب الحياة البرلمانية الصحيحة والحقيقية، وبدون الأحزاب سوف تبقى إرادة الحكومة هي المسيطرة على إرادة الشعب، ولن يتحقق مبدأ "الشعب مصدر السلطات" إلا إذا سمح للأحزاب بالعمل والترشيح للانتخابات ودخول البرلمان من خلال القوائم وبرامج العمل. لهذا دعونا إلى قيام الأحزاب والترشيح عن طريق القوائم المستندة إلى برامج عمل جماعية، فهذا هو السبيل الوحيد لبلورة برامج عمل وطنية ذات كفاءة، وهو السبيل الوحيد لتحقيق مبدأ "الشعب مصدر السلطات" وخلق توازن بين المعارضة والحكومة.

وكانت الحكومة قد أصدرت قانونا يمنع الجمعيات من المشاركة في الانتخابات أو تقديم الدعم للمرشحين باسمها، ثم تراجعت عن ذلك بعد فوات الأوان، أي بعد أن ضاعت الفرصة على الجمعيات الراغبة في المشاركة، وضاق بها الوقت عن وضع برنامج عمل فضلا على انعدام الاطمئنان إلى قدرة الجمعيات المشاركة -أو بعضها على الأقل- على وضع البرامج أصلا لقلة خبرتها.


السماح بالتصويت في غير الدوائر الانتخابية يجعل عملية المراقبة متعذرة وإمكانية التزوير واردة
هل تتوقعون نزاهة العملية الانتخابية؟ وما رأيكم في الضمانات المعلنة لذلك؟

لا أرغب في توجيه الأحكام على النوايا، وإنما من الناحية الموضوعية فإن غياب الرقابة الدولية ورقابة المعارضة يدعو إلى القلق، وإن رقابة جمعية حقوق الإنسان غير كافية، بل هناك جهة أولى منها وهي جمعية الشفافية. والمطلوب رقابة القوى السياسية المعارضة المشاركة والمقاطعة على حد سواء، لأن العملية الانتخابية قضية وطنية عامة تهم المشاركين والمقاطعين على حد سواء. أضف إلى ذلك السماح بالتصويت في غير الدوائر الانتخابية، مما يجعل عملية المراقبة متعذرة، وإمكانية التزوير واردة، هذا بالإضافة إلى التصويت في خارج البلد.

هل تتوقعون أن يتمتع مجلس النواب القادم بفاعلية، ويمارس صلاحياته التشريعية والرقابية بكفاءة؟

لا أتوقع ذلك.. وأؤكد أن المجلس المنتخب سيكون مجلس شورى مضخما، وذلك لأسباب كثيرة وخطيرة يمكن معرفتها بالاطلاع على التفاصيل الدقيقة المتعلقة بما منحه الدستور الجديد (2002) للمجلس التشريعي وللسلطة التنفيذية وللملك من صلاحيات.

هل ترون أن مجلسي الشورى والنواب سيكملان بعضهما بعضا أم أنه سيعطل أحدهما الآخر ويحد من سلطاته التشريعية؟

كنا قد قبلنا بالتصويت على ميثاق العمل الوطني بنظام المجلسين لأننا كنا نطمح في الخروج من الأزمة بدون تعقيد، ووضع قاطرة العلاقة بين الحكومة والشعب على الطريق الصحيح، وكنا نرى أن نظام المجلسين سوف يحقق لنا مكسبين رئيسيين، هما:

  • تجنب الهزات في العلاقة بين الحكومة والشعب والتي من شأنها أن تنتهي بحل البرلمان كما حدث في تجربة السبعينات، حيث من المعلوم أن سبب حل البرلمان كان قانون أمن الدولة الذي تقدمت به الحكومة ورفضه نواب الشعب، وانتهت النتيجة بحل البرلمان. ولو تقدمت الحكومة بالقانون كمقترح وأعطت الفرصة لنواب الشعب لمناقشته وإدخال التعديلات المناسبة عليه، لما توصلنا إلى تلك النتيجة وهي حل البرلمان. وبالتالي فإن وجود مجلس الشورى المعين إلى جانب مجلس النواب المنتخب، من شأنه أن يمنع حدوث مثل ذلك التشنج في العلاقة بين الحكومة والشعب، ويمنع نتائجها الوخيمة على ساحة العمل الوطني.
  • إعطاء فرصة أفضل لنضج القرارات والقوانين الصادرة عن المجلس وعقلانيتها، وتوازنها بين مطالب الشعب ومطالب الحكومة، لأنها تدرس من خلال المجلسين المعين والمنتخب وليس من خلال مجلس واحد، وقد فضلنا ذلك على التكلفة المادية الباهظة للمجلسين على ميزانية الدولة المحدودة.

كان ذلك في صيغة ميثاق العمل الوطني للمجلسين والذي صوت عليه الشعب. أما في الصيغة الحالية حسب دستور المنحة الجديد، فإنه مفصل للتعطيل والإعاقة أو من شأنه ذلك بقصد أو بدون قصد.


تتطلع المعارضة إلى السماح بتكوين الأحزاب وتداول السلطة على مستوى رئاسة الوزراء، وهذا كان ممكنا حسب دستور 1973 وميثاق العمل الوطني وأصبح غير ممكن حسب الدستور الجديد
ما الخطوة الديمقراطية الثانية التي تتطلعون إليها بعد وجود برلمان بحريني منتخب؟

من الخطوات المهمة التي من الممكن أن تتطلع إليها المعارضة في التاريخ التطويري للحركة الإصلاحية في البحرين، السماح بتكوين الأحزاب، وتداول السلطة على مستوى رئاسة الوزراء، وهذا كان ممكنا حسب دستور 1973 وميثاق العمل الوطني، وأصبح غير ممكن حسب دستور المنحة الجديد.

برأيكم لمن ستكون الأغلبية داخل البرلمان الجديد؟ وهل بإمكانكم أن ترسموا -بناء على استقرائكم للواقع السياسي- توزيع خريطة هذا البرلمان؟

نظرا لغياب الجمعيات الأربع السياسية الرئيسية المعارضة في البحرين عن الانتخابات البرلمانية القادمة بسبب مقاطعتها إياها، ونظرا لأن المشاركة في الانتخابات تنحصر في الجمعيات الإسلامية السنية، والجمعيات الأقل شعبية، وشخصيات مستقلة، فإن الأغلبية الساحقة سوف تكون للتيار الإسلامي السني في مناطق المنافسة مع المستقلين والعلمانيين، رغم التنافس الحميم بين فصائل التيار السني، وحضور قليل من المستقلين في المناطق الشيعية لغياب المنافسة تماما.

لماذا برأيكم أثارت قضية المشاركة النسائية في الانتخابات كل هذه الضجة؟

بوجه عام يوجد توافق لدى جميع التيارات الإسلامية والعلمانية الرئيسية على مشاركة المرأة. والمرأة في البحرين حققت مكاسب كبيرة حتى الآن. وللضجة سببان حسب تقديري هما:

السبب الأول- عدم نجاح أي امرأة في الانتخابات البلدية، ويتخوف حدوث مثله في الانتخابات البرلمانية، وهذا لا يعني –كما يحلو للبعض أن يسميه– بأن المجتمع البحريني مجتمع ذكوري فهذا ظلم وإجحاف بحقه، وإنما يعني حدوث بعض الأخطاء في الترتيبات وعدم ترشح شخصيات نسائية بارزة، ربما بسبب التحفظ الشعبي على الانتخابات نفسها، وهذا لا يعني أيضا عدم وجود رأي يتحفظ كثيرا على مشاركة المرأة في الترشيح والانتخاب، إلا أنه محدود الحجم والتأثير.

السبب الثاني- رغبة بعض الأقلام والشخصيات في الظهور بمظهر المدافع عن حقوق المرأة ولإثبات تقدم الحكومة على المعارضة والشعب في موضوع المرأة، وهذا ليس بحق. وأقدر بأن فرصة المرأة أكبر للوصول إلى قبة البرلمان من خلال التيار الإسلامي الشيعي، وذلك لتوافر الإمكانيات ونمط التفكير.


المقاطعة تستند إلى منطق حقوقي يعتمد على حماية الحقوق المكتسبة الرئيسية للشعب، ومنطق سياسي يعتمد على عدم توريط الوطن والمواطنين في وضع دستوري وسياسي خاطئ وخطير
ما رأيكم في فكرة مقاطعة الانتخابات؟ هل تنظرون إلى هذا الأمر من منظور الحق السياسي أم من منظور تعطيل العملية الديمقراطية الوليدة؟

لقد ذكرت فيما سبق أن عمر المطالبة بالحياة البرلمانية عند المعارضة يمتد لتسعين عاما تقريبا، وقدمنا في سبيل ذلك تضحيات عظيمة أعظمها دماء الشهداء الأعزاء. ومن غير المنطقي أن نقاطع الانتخابات بعد كل هذا التاريخ الطويل من النضال وبعد كل هذه التضحيات العظيمة في سبيل إقامة الحياة البرلمانية، لولا أننا كنا مجبرين على ذلك.

فبالإضافة إلى أن دستور المنحة الجديد ينتقص الحقوق المكتسبة الرئيسية للشعب كما بينته من قبل، فإن تسلط المجلس المعين على المجلس المنتخب في ظل التوجس وغياب الرؤية الواضحة وسوء الفهم وغياب التفاهم، يعني إمكانية تحويل المجلس الوطني إلى أداة تعمل لغير صالح الأمة، إذ من خلال تشكيلة المجلسين ونظام عملهما يمكن تمرير قرارات وقوانين تخالف مصالح وقيم الشعب وباسمه من خلال ممثليه، فلو تقدمت الحكومة بقانون مماثل لقانون أمن الدولة الذي فشلت في تمريره على مجلس السبعينات فلجأت إلى حل البرلمان، لو تقدمت بمثل ذلك القانون إلى المجلس الجديد لاستطاعت تمريره بكل يسر وسهولة، لهذا وقفنا ضد هذا المجلس والدستور الذي يستند إليه، ولم نتحمل المسؤولية الدينية والتاريخية والأخلاقية أمام الله وأمام الناس والتاريخ، بتوريط الشعب لأجيال متعاقبة قادمة في وضع دستوري وسياسي خاطئ وخطير، ولجأنا إلى المقاطعة من أجل التصحيح، وهو ممكن إذا أحسنت المعارضة الأداء. إن المقاطعة تستند إلى منطق حقوقي يعتمد على حماية الحقوق المكتسبة الرئيسية للشعب، ومنطق سياسي يعتمد على عدم توريط الوطن والمواطنين في وضع دستوري وسياسي خاطئ وخطير.

إننا نعمل من أجل الوصول بالبلاد إلى إصلاح سياسي حقيقي من خلال العمل والأداء الواقعي البعيد عن المجاملة والخيال، ومن خلال ثوابت العمل الوطني مثل: المحافظة على القيمة العالية للدستور بوصفه الوثيقة القانونية الأكثر أهمية في النظام وعدم المساس به إلا من خلال آلياته، ومبدأ فصل السلطات وأن الشعب مصدر السلطات، والمحافظة على الحقوق والواجبات الرئيسية التي أقرتها المواثيق الدولية وضمنها لنا دستور 1973 وانتقصها دستور المنحة الجديد. هذا ما نصبو إليه من خلال المقاطعة، ويدل عليه تاريخنا ومواقفنا الوطنية، والأساس العلمي والحقوقي والسياسي الذي بيناه واحترمه الجميع كما أوضحت سابقا.

كيف تقيمون دور وسائل الإعلام الرسمية في حملة الانتخابات الراهنة؟

أعتقد بأن وسائل الإعلام الرسمية راغبة حقيقة في الدعوة بكثافة إلى الانتخابات الراهنة، ولكنها كالحكومة تشعر بالإحباط وهي محاصرة بقوة منطق المقاطعة واتساع رقعتها، لذلك فهي غير قادرة على فعل شيء ذي بال.

كيف تنظرون إلى مستقبل البحرين خصوصا في ظل التغيرات السياسية الحالية في البلاد وفي الخليج عموما، مع دعاوى الحرب وما يشاع عن سيناريوهات سايكس بيكو جديدة في المنطقة؟

مستقبل البحرين في ظل السياسة المحلية التي أوضحنا بعضها، سيكون باهت اللون والشكل، فقير المضمون والعطاء، وفي ظل التهديدات الأميركية للعراق سيكون خطيرا يصعب تحديد أبعاده بدقة. إن شأن البحرين في ذلك شأن أخواتها دول مجلس التعاون، فالعالم أمام شكل جديد من الاستعمار أخطر من الشكل القديم، فالاستعمار القديم كان يستهدف الأرض والثروة، والاستعمار الجديد يستهدف الأرض والثروة والإنسان والثقافة والحضارة.. الاستعمار القديم إذا تركت له الأرض والثروة لا يلجأ إلى قتل الإنسان، أما الاستعمار الجديد فهو يأتي بهدف وإصرار مسبق لقتل الإنسان، لأنه يحمل مشروعا مغايرا يريد أن يفرضه بقوة السلاح.

وفي رأيي فإن مسألة النفط وأمن إسرائيل تأتيان في مقدمة اهتمام أميركا. أما النفط فلأنها تعلم أن مستقبل هيمنتها على العالم كأول قوة عظمى، يتوقف على قوتها الاقتصادية وليس العسكرية، وأنها داخلة في منافسة اقتصادية كبيرة مع دول أوروبا واليابان وشرق آسيا، وتريد من خلال السيطرة على الخليج أن تسيطر على النفط -شرايين الحياة في هذه الدول- فتسيطر عليها من خلال ذلك، وتضمن بقاء هيمنتها على العالم كأول قوة عظمى فيه، أي أنها تسخر قوتها العسكرية الراهنة لأجل ضمان سيطرتها على العالم من خلال السيطرة على مصادر النفط. وبريطانيا تهدف من تحالفها مع أميركا إلى إحياء مجدها الاستعماري القديم، والحصول على نصيبها من الغنيمة والذي يضمن لها موقع قدم في العالم مستقبلا، فهي تريد أن تصحح وضعها من خلال ذلك وإعادة مجدها المفقود.

ولهذا الغرض فإن أميركا سوف تفرض سيطرتها على جميع دول المنطقة وليس على العراق فحسب. وللغرض نفسه ومن أجل حماية أمن الدولة الصهيونية، سوف يضربون دولا أخرى عربية وإسلامية مثل إيران وباكستان ولبنان وسوريا وليبيا واليمن والسودان وغيرها. ومن الأهداف القريبة المحتملة المملكة العربية السعودية، وذلك للمساحة الواسعة والنفوذ الكبير فيها للتيار السلفي المستهدف أميركيا، والذي يمثل مساحة كبيرة من الإسلام.