قد لا يعبر هذا التصور عن رأي غالبية النخبة المثقفة الأمازيغية، ولا يعبر بالضرورة عن رأي كل أطياف الحركة الثقافية الأمازيغية، لكني قد أجزم بأنه يعبر في غالبيته عن آراء أكثر الأمازيغ اعتدالا خصوصا داخل أقطاب النخبة المثقفة منهم.
 
 
 
"
يعتبر الأمازيغ الليبيون العادات والتقاليد والطقوس في المجتمع الليبي مستمدة من أصول أمازيغية ثم حصل عليها إثراء من ثقافات أخرى دون القضاء عليها
"
الثقافة بمعناها الأنثربولوجي "كل ما ينتجه المجتمع من منتجات مادية ومعنوية ورمزية، أي كل منتجات الإنسان في حياته وتطوره وتاريخه"(1). والثقافة أيضا "كلمة تعني كل ما لا تقوم حياة اجتماعية دونه من أوان ومواد الاستهلاك، وعقود اجتماعية، وأفكار، وفنون، ومعتقدات، وأعراف"(2).
 
من التعريفين السابقين يمكن أن نستشف أن الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الإنسانية ونظم القيم والتقاليد والعادات والمعتقدات.

وإن كان التعريف السابق يشمل كل القيم الإنسانية من عادات وتقاليد ومعتقدات فإن الحركة الثقافية الأمازيغية في شمال أفريقيا عموما -وليبيا ليست استثناء من ذلك- تعتبر اللغة المكون الأساسي للهوية الأمازيغية. وبالطبع يتم ذكر مرجعيات أخرى كالتاريخ والثقافة والنظام الاجتماعي، إلا أن اللغة تبرز دائما بكونها المميز الأساسي، خصوصا عند التطرق إلى المقارنة والتمييز الثقافي بين الأمازيغ ومتحدثي العربية في أفريقيا الشمالية تحديدا.
 
فعلى صعيد المعطيات السوسيوثقافية التي تشكل القاعدة في المغرب الكبير يتأكد بقوة أن اللغة جد مهمة للتمييز بين متحدثي العربية والأمازيغ، ليس لأن العوامل الأخرى لا تستطيع أن تلعب دورا، ولكن وحدة الدين والتاريخ تقلل كثيرا من أهمية عناصر التمييز بين المجموعتين(3).
 
والعناصر البشرية في المجتمع الليبي بمعنى آخر متجانسة إلى حد ما فيما بينها من الناحية السوسيوثقافية، وذلك راجع إلى موضوع مهم أيضا وهو كون معظم هذه الساكنة من أصول أمازيغية تعربت لسبب أو لآخر، فعلقت بهم هذه العادات والطقوس والتقاليد القديمة. بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، أي إلى كون بعض الساكنة الليبية من غير متحدثي الأمازيغية وذات الأصول الأمازيغية قد حافظت على عادات وتقاليد وطقوس لم يعد متحدثو الأمازيغية يحافظون عليها.
 
وعلى هذا الأساس لا نجد اهتماما كبيرا لدى الحركة الثقافية الأمازيغية بإبراز هذه المميزات على أساس أنها مميزات ثقافية بين متحدثي العربية والأمازيغ في منطقة شمال أفريقيا نفسها. ولكن بالطبع عند مقارنة الثقافة الأمازيغية مع الثقافات الأخرى المجاورة يتم الاستدلال بكل الوسائل الممكنة من تاريخية وسوسيولوجية وحضارية وثقافية، فمثلا عند المقارنة بين الثقافتين الأمازيغية والعربية في جزيرة العرب فالبون هنا يبدو شاسعا وواضحا.
 
وترى الحركة الثقافية الأمازيغية عموما أنه من الناحية الثقافية فإن شعب شمال أفريقيا ذو ثقافة تجمعها وحدة واحدة، ويقسمون الساكنة إلى مجموعتين: مجموعة حافظت على لغة أجدادها، ومجموعة أخرى ولأسباب ما استبدلت لسانها بلسان آخر وافد.
 
وبناء على ما سبقت الإشارة إليه، لا يمكننا أن نتحدث عن ثقافة أمازيغية مميزة في ليبيا، فالأمازيغ الليبيون يعتبرون العادات والتقاليد والطقوس في المجتمع الليبي عموما تستمد جذورها من أصول أمازيغية، وإن شابها أو حصل عليها أي إثراء أو إغناء لها من ثقافات أخرى وافدة فهذا يضيف إليها غنى ولا يبدلها ويحل محلها، فهم يرون تميزهم عن باقي


إخوانهم الليبيين غير الناطقين بالأمازيغية يكمن في البعد اللغوي بدرجة أولى.
 
 
"
القذافي:
ما هي الأمازيغية؟ هم أصل العرب.. نحن ليس لدينا أقلية حتى نتكلم عنها ونقول يأخذون حقوقهم الثقافية أو لغتهم

"
المسألة أو الإشكالية الثقافية والهوياتية في ليبيا متشابكة تتداخل مجالاتها المعرفية بالسياسية، ولا يمكن الفصل في الوضع الراهن بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، فإقحام العربية والعروبة جاء نتيجة قرار سياسي، وإقصاء الأمازيغية ومحاربتها جاءا أيضا بقرار سياسي/استعلائي في غالبه، وكذا المد العروبي المتطرف جاء بدعم سياسي، ومن ثم وكنتيجة حتمية جاء ظهور بعض الشخصيات الأمازيغية المتطرفة في طرحها كردة فعل على هذا الطرح الأيدولوجي السياسي. باختصار السياسة هي الداء ولا أظن أنها هي وحدها الدواء.
 
ولن نحتاج إلى أن نذهب بعيدا كي نجد شواهد تدل على تدخل السياسة لحجب وتزوير الحقائق التاريخية أو الحقائق المعاشة اليوم على أرض الواقع. إليكم في حالة ليبيا بعض المقتطفات من أعلى سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية في الدولة الليبية.

يقول العقيد معمر القذافي(4) في خطابه عام 1983 "بالله كلام الجدات وخرافات العجائز، لا بد أن ينتهي بربر ما بربر، لغة قديمة ما لغة قديمة".
 
وعاد مكررا سياسته ليقول عام 1985 "فإذا كنت تسير في هذا المخطط، إذا تسير في مخطط الأعداء لا بد من محاربتك.. حتى هذه اللغة دعها تنتهي.. لغة لم تعد تنفعنا في شيء ولا نريدها.. فإن كانت أمك تدربك عليها فهي رجعية ترضعك حليب الاستعمار وتسقيك السم".
 
وقال في أغسطس/آب 1997 "هذه مؤامرة استعمارية.. الدفاع عن الأمازيغية مؤامرة استعمارية". وفي أكتوبر/تشرين الأول من نفس السنة قال في رد على مذكرة للمطالب الأمازيغية على ما يبدو "ما هي الأمازيغية؟ هم أصل العرب.. نحن ليس لدينا أقلية حتى نتكلم عنها ونقول يأخذون حقوقهم الثقافية أو لغتهم، هؤلاء عرب.. إنها ردة للعصور القديمة.. لأن الأمازيغية ليست لها أي قيمة.. الأمازيغيون الذين يطالبون بهذا عملاء الاستعمار.. هؤلاء يتقاضون رواتب من المخابرات الأجنبية".
 
ولكن فيما يبدو أن الخطاب الرسمي غيّر من حدته اتجاه الأمازيغية فعاد القذافي يقول في أحد خطاباته في مارس/آذار 2002 "نحن نريد أن نتعلم العربية والأمازيغية.. حتى لا يجد الاستعمار -أعداء أفريقيا- أي شيء يتاجرون به.. تعال الذي يتاجر بالأمازيغية يأتي ونعطيه أموالا زيادة، ويعلمنا الأمازيغية.. كلنا نريد أن نتعلم العربية والأمازيغية لأن الأمازيغية لهجة عربية قديمة وغير متحسسين منها أبدا".
 
لم تكن أمازيغية شمال أفريقيا مسألة تحتاج إلى نقاش، لا من قبل المؤرخين ولا من قبل اللغويين، ولم يطرح غير هذه الحقيقة ولم يتبنَّها أحد طيلة تاريخ شمال أفريقيا، ولم تكن حقيقة وجود شعب أمازيغي بلغة خاصة به مسألة مطروحة للنقاش في أي فترة من فترات تاريخ هذه الأمة. فالإشكالية لم تكن مطروحة حتى في عهد مقاومة الاستعمار الإيطالي، فكل أدبيات هذا الاستعمار تعتبر الشعب الليبي شعبا هجينا بين أمازيغ ومتحدثين بالعربية وعرب.
 
"
ترى الحركة الأمازيغية الليبية أن ترسيم الحكومة للأمازيغية خطوة في الاتجاه الصحيح نحو العودة إلى الذات الليبية المهمشة منذ 35 عاما
"
فالطرح الإقصائي الموجود في ليبيا القائل بعدم وجود عنصر آخر غير العنصر العربي في ليبيا لم يتم طرحه أبدا من قبل أشد الغزاة عتوا على هذه الديار.

إن هذا النوع من الاستلاب الشرقي هو المسؤول عن حالة التدهور الثقافي في ليبيا نتيجة تبنيه ثقافة البعد الواحد أي البعد المشرقي، بل إن المشرق نفسه يتبرأ من هؤلاء المتطرفين وفي أحسن الأحوال يستفيدون منهم.

إن الطرح الأمازيغي دعا منذ أيامه الأولى ومنذ أول مؤسسة ليبية أمازيغية إلى اللّيْبَبَةُ (أي العودة إلى الجذور الليبية) بدرجة أولى، فقد أنشأت الحركة الثقافية الأمازيغية أوائل الثمانينيات رابطة شمال أفريقيا الداعية إلى النظر في الموروث الليبي بعمق والنظر في الذات الليبية وعدم الذوبان في أي ثقافات وافدة أيا كانت.

بل نجد أصداء هذه الدعوة بارزة في مقالات رئيس وزراء ليبيا في العهد الملكي عبد الحميد البكوش والصحفي الليبي المرموق الأستاذ فاضل المسعودي، ولكن يبدو أن الدولة الليبية قد نجحت إلى حد كبير في التأثير على أكثر الأقطاب الليبية المعارضة لحكمها في تشريق ليبيا وتبني النظرة العروبية الإقصائية.

فالكثير من غير متحدثي الأمازيغية يحملون على الحركة الثقافية الأمازيغية باعتبارها تدعو إلى النقاء والصفاء العرقي لمتحدثي الأمازيغية، وهذا محض افتراء فكل أدبيات الحركة تدعو إلى خلاف ذلك، فهي ترى أننا شعب واحد ذو ثقافة واحدة ولغتين مختلفتين، وترى أن الدعوة إلى الشرقانية المسؤول الأول عن بعد الليبيين عن ذواتهم وتاريخهم الحقيقي.

فأنت الآن ترى شبابا ليبيا يعرف عن حرب داحس والغبراء أكثر مما يعرفه عن المناضلين الليبيين من أمثال كاباون أو تكفاريناس، ويعرف الموسيقى الشرق أوسطية أكثر مما يعرفه عن موروث الموسيقى الليبية، أو يعرف أكثر عن مآكل وملابس وطقوس الشرق أكثر مما يعرفه عن وطنه الأقرب إليه.

إن الحركة الثقافية الأمازيغية تدعو للعودة إلى الذات الليبية بدرجة أولى، وتدعو للتعددية الثقافية التي لن تزيد ثقافتنا الليبية إلا تنوعا وغنى. وتعتقد الحركة أن اعتراف الحكومة الليبية باللغة الأمازيغية لغة رسمية سيكون خطوة في الاتجاه



الصحيح للعودة إلى الذات الليبية المقصاة والمهمشة منذ 35 عاما.


"
القانون الليبي رقم 24 يقضي بمنع الأسماء غير العربية من التداول
"
يبدو أن السلطات الليبية في السنوات الأخيرة بدأت تخفف من وطأتها على الحركة الثقافية الأمازيغية، ليس لكونها ترى ذلك حقا مشروعا لمكون أساسي من مكونات الشعب الليبي، ولكن لرضوخها المستمر للمستجدات في الساحة الدولية، من احترام حقوق الإنسان والتعددية والتسامح.. إلخ.
 
غير أنها لم تبد أي حسن نية تجاه مطالب الحركة -إلى حد كتابة هذه السطور- بأن تلغي على سبيل المثال القانون 24 القاضي بمنع الأسماء غير العربية من التداول (أي القاضي ضمنيا بمنع الأسماء الأمازيغية)، أو تناقش إمكانية تعليم اللغة الأمازيغية، أو تسمح بتأسيس جمعيات أهلية أمازيغية، أو تسمح بنشر وتداول الكتب المتعلقة بالموروث الأمازيغي الليبي، أو السماح بالتغني والاحتفال بالأغنية الأمازيغية. ففي العام 2000 سجنت فرقة تتكون من شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما كانوا يغنون باللغة الأمازيغية.
 
ولم تتسامح الحكومة الليبية مع ذاتها بالمعنى الصحيح للكلمة، بل كل ما قدمته هو حلول مخدرة لم ترض بأي منها الحركة الثقافية الأمازيغية، كـ"فلكرة" الموروث الأمازيغي (جعله مجرد فلكلور)، وتقديمه لزوارها من الخواجة بصورة سمجة تدعو إلى الاشمئزاز.
 
على صعيد آخر أفلحت الحركة الثقافية الأمازيغية في إيصال صوتها إلى المعارضة الليبية وبكل قوة، حتى أنك تجد الآن من ضمن الليبيين غير المتحدثين بالأمازيغية ممن يدافع وبكل وضوح ويدعو إلى مشروعية المطالب الأمازيغية، بل يوجد من ضمن هؤلاء أفراد ممن تبنى أصوله الأمازيغية ويدعو للعودة إلى الذات وبدأ يتعلم اللغة الأمازيغية.
 
وهذا ما يدعو إلى التفاؤل في حصول تطور في المطالب المشروعة والفطرية للحركة الثقافية الأمازيغية، خصوصا أن أمازيغ الجزائر والمغرب بالذات قد حصلوا على كم لا بأس به من حقوقهم، فالأمازيغية تدرس في المغرب والعمل بذلك جار به في الجزائر منذ سنوات.. وما زالوا يناضلون، فلا بد أن يأتي اليوم الذي يعود فيه الليبي إلى ذاته الليبية ويعترف


باللغة الأمازيغية ويرد الاعتبار لموروث الأجداد الذي نرى فيه مصدر فخر لنا كليبيين جميعا.
_______________
كاتب وناشط أمازيغي ليبي
تنويه: وصل المقال إلى الجزيرة نت قبل زيارة سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي إلى بعض مناطق الأمازيغ في ليبيا حيث صرح بحق الأمازيغ الثقافي وانتقد بشدة القرار المانع للتسمية بالأسماء الأمازيغية.