بقلم د. صباح نعوش

التعاون الاقتصادي العربي ضرورة ملحة تمليها تحديات النظام العالمي الجديد المبني على تحرير المبادلات التجارية والتكتلات الإقليمية. فقد بات من اللازم تقليص ثم إلغاء الرسوم الجمركية والقيود الكمية التي فشلت في حماية الصناعات المحلية.

وظهرت في السنوات الأخيرة بوادر إيجابية بهذا الصدد تتجلى بإنشاء منطقة التجارة الحرة، ولكن يتوقف نجاح هذه المنطقة على عوامل عديدة، كما أنها غير مؤهلة للدفاع عن مصالح وحقوق أعضائها في المحافل الدولية، وأصبح من الضروري إذن أن تتطور في المستقبل إلى اتحاد جمركي.

يفترض في الرسوم الجمركية أن توفر الحماية للسلع المحلية المماثلة من المنافسة الأجنبية، ويشترط من الناحية المبدئية أن تكون هذه الحماية محددة بمدة زمنية تستغلها الصناعات المحلية لزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته. بيد أن هذه الرسوم انحرفت عن هذا الهدف إثر تزايد تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية لغاية منتصف الثمانينيات حيث تفاقم عجز الميزانيات العامة ولم تستطع السياسات المالية للأقطار العربية الاعتماد على الضرائب المباشرة نظرا لكثرة التهرب منها ولتدني مستويات الدخول الفردية. وأمام هذا الوضع كان لا بد من اللجوء المتزايد للضرائب غير المباشرة ومن بينها الرسوم الجمركية، فتحول الهدف الأساسي لهذه الأخيرة من اقتصادي إلى مالي بحت، وأصبحت تفرض بأسعار مرتفعة على السلع المستوردة حتى عند عدم وجود سلع وطنية مماثلة. وفي النتيجة النهائية لم تتقدم الصناعات المحلية وتقيدت المبادلات البينية والخارجية وتعثرت الاستثمارات الأجنبية.


بين 1980 و1998 ارتفعت التجارة الخارجية العالمية من 3802 مليار دولار إلى 10635 مليارا، أي بنسبة 180%، في حين هبطت التجارة الخارجية العربية خلال الفترة نفسها من 347 مليار دولار إلى 290 مليارا أي بنسبة سالبة قدرها 16%.
بين 1980 و1998 ارتفعت التجارة الخارجية العالمية (الصادرات والواردات السلعية) من 3802 مليار دولار إلى 10635 مليارا، أي بنسبة 180%، في حين هبطت التجارة الخارجية العربية خلال الفترة نفسها من 347 مليار دولار إلى 290 مليارا أي بنسبة سالبة قدرها 16%. وبعملية حسابية بسيطة نستنتج أن حصة التجارة العربية انتقلت من 9.1% إلى 2.7% من التجارة العالمية. في بداية هذه الفترة كانت الصادرات العربية تشكل 12.5% من الصادرات العالمية فأصبحت في نهايتها لا تتعدى 2.5% منها. وانخفضت أهمية الواردات العربية من 5.8% إلى 2.7% من الواردات العالمية. كما كانت الموازين التجارية العربية تسجل فائضا بمبلغ 123 مليار دولار عام 1980 وأصبحت تتحمل عجزا قدره ستة مليارات دولار عام 1998. حدث هذا التباطؤ رغم تحرير التجارة العالمية من القيود الكمية والرسوم الجمركية ورغم الاتفاقات التفضيلية التي عقدت في التسعينيات. ويعود هذا التراجع إلى عوامل عديدة، أهمها:

  • ازدهار المبادلات الأوروبية والأميركية والآسيوية بمعدلات عالية جدا، في حين تدهورت الأسعار الحقيقية للنفط مما أثر بشدة في صادرات وواردات البلدان النفطية.
  • كما تخبطت دول عربية بصراعات عسكرية عنيفة أفضت إلى تردي أجهزتها الإنتاجية فانعكس الأمر على تجارتها الخارجية وأدت إلى تفاقم مديونيتها.
  • أضف إلى ذلك تحسن التجارة البينية للتجمعات الإقليمية في حين سجلت التجارة العربية البينية ركودا واضحا.

في عام 1999 قدر حجم التجارة العربية البينية بنحو 27.1 مليار دولار أي 8.6% فقط من التجارة الخارجية الكلية. من المناسب إلقاء نظرة على توزيع التجارة العربية البينية. يشير الجدول (أعده المؤلف لغرض هذه الدراسة انطلاقا من الجداول المنشورة في التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر عن جامعة الدول العربية في سبتمبر/ أيلول 2000، وهو بملايين الدولارات) إلى اعتماد الأردن على التجارة العربية التي تستحوذ على ربع تجارته الخارجية، ولم يطرأ تغيير مهم على هذه النسبة منذ عدة سنوات. وتراجعت حصة التجارة الأردنية البينية مقارنة بالتجارة العربية البينية من 10.9% عام 1989 إلى 5.2% عام 1999 بسبب المقاطعة المفروضة على العراق وضعف القاعدة الإنتاجية. في الوقت الحاضر ترتكز الصادرات والواردات البينية على المملكة العربية السعودية والعراق.

ويلاحظ أن صادرات العراق الكلية أكبر بكثير من وارداته الكلية رغم حاجته لمختلف المواد المستوردة، والسبب هو خضوع الواردات لقرارات مجلس الأمن (النفط مقابل الغذاء والدواء) ولموافقة لجنة العقوبات. هنالك عقود كثيرة لم تنفذ بموجب مذكرات التفاهم وبالتالي لم يستطع البلد الحصول على عدد كبير من المواد، أضف إلى ذلك استقطاع ثلث قيمة الصادرات للتعويضات. أما تجارة العراق البينية فقد عرفت تطورا مهما في الآونة الأخيرة حيث وقع على اتفاقات للتبادل الحر بين تونس ومصر وسوريا والأردن.

وفي لبنان يعاني الميزان التجاري من عجز مزمن تفاقم بسبب تدهور الأنشطة الاقتصادية الناجم عن الاعتداءات الإسرائيلية. ويعتمد البلد على الأسواق السعودية والإماراتية في صادراته التي تتألف حسب أهميتها من الورق والملابس الجاهزة والفواكه. أما وارداته البينية التي تتكون من المواد الطاقية فتأتي من سوريا والمملكة العربية السعودية. ويتوقع أن يرتفع حجم التبادل التجاري مع سوريا إثر الاتفاق على الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية المفروضة على تجارة البلدين، حيث بدأ الإلغاء عام 1999 على أن تتحرر التجارة كليا بينهما بعد أربع سنوات.

وتبلغ التجارة العربية البينية لدول اتحاد المغرب العربي 3447 مليون دولار أي 5.1% من تجارتها الخارجية و12.7% من التجارة العربية البينية. وتجري العمليات داخل الاتحاد باستثناء بعض المبادلات كالواردات النفطية المغربية من المملكة العربية السعودية.

أما التجارة العربية لدول مجلس التعاون الخليجي فتصل إلى 16217 مليون دولار. ولا بد من ملاحظة الأهمية القصوى للمملكة العربية السعودية حيث بلغت تجارتها البينية 6804 ملايين دولار أي 25.1% من مجموع التجارة العربية البينية، ولا تقتصر صادراتها على النفط بل تشمل كذلك المواد الصناعية والمنتجات الزراعية. وتحتل السعودية المرتبة العربية الأولى في تجارتها (صادرات وواردات) مع الإمارات والبحرين والكويت ولبنان ومصر والسودان، وهي كذلك المصدر العربي الأول لقطر والمغرب واليمن والمستورد العربي الأول من الأردن. كما تعود المرتبتان الثانية والثالثة للإمارات وعمان. وانطلاقا من هذه المعطيات يتضح أن أي تكتل عربي سواء في ظل منطقة حرة أو اتحاد جمركي أو سوق مشتركة لا يمكن أن يكون فاعلا ولا يكتب له النجاح إلا بمشاركة دول المجلس.

الدولة

صادرات كلية (مليون)

صادرات بينية (مليون)

%

واردات كلية (مليون)

واردات بينية (مليون)

%

تجارة خارجية (مليون)

تجارة بينية (مليون)

%

الأردن

1483

602

41

3717

803

22

520

1405

27

الإمارات

35839

2172

6

32458

1590

5

68297

3762

5

البحرين

1535

530

34

2351

397

17

3886

927

23

تونس

5881

407

7

8498

494

6

14379

901

6

الجزائر

12452

259

2

9092

185

2

21544

444

2

السعودية

48356

5023

10

28032

1781

6

76388

6804

9

السودان

780

255

33

1415

354

25

2195

609

28

سوريا

3464

727

21

3832

318

8

7296

1045

14

العراق

5128

396

8

1229

238

19

6375

634

10

عمان

7250

958

13

4801

1386

29

12051

2344

19

قطر

6570

309

5

6840

641

9

13410

950

7

الكويت

12219

412

3

7616

1018

13

19835

1430

7

لبنان

677

295

44

6207

558

9

6884

853

12

ليبيا

7165

490

7

5563

419

7

12728

909

7

مصر

3549

762

21

16023

1010

6

19572

1772

9

المغرب

7373

296

4

10805

897

8

18178

1193

6

اليمن

2381

172

7

2003

747

37

4384

919

21

أخرى

771

144

19

1229

88

7

2000

232

12

المجموع

162873

14209

9

151711

12924

8

314584

27133

9


منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى
مواجهة المشاكل
نحو اتحاد جمركي عربي

منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى

بدأت جهود الدول العربية بتقليص الرسوم الجمركية المفروضة على تجارتها البينية في إطار منطقة التبادل الحر وضمن قواعد منظمة التجارة العالمية التي تنظم الاستثناءات الواردة على مبدأ الدولة الأولى بالرعاية. وحسب هذه القواعد يتعين أن ينصرف تحرير التجارة إلى الجزء الأكبر من المبادلات الخارجية للبلدان المعنية، أي لا يجوز أن تقتصر المنطقة على سلع وخدمات معينة أو على قطاع اقتصادي دون آخر، ويمكن من خلال هذه النظرة الشمولية استثناء بعض السلع أو الخدمات من التبادل الحر لأسباب تتعلق بتوازن ميزان المدفوعات أو بالأمن العام للدولة أو بالاعتبارات الأخلاقية والصحية والدينية للمجتمع. كما يسمح النظام العالمي بفترة انتقالية لتحقيق منطقة التبادل الحر على أن يتفق الأعضاء على برنامج تنفيذي يحدد مدة معقولة لهذه الفترة.


تفترض المنطقة الحرة سريان إلغاء الرسوم الجمركية والقيود الكمية على تجارة جميع أنواع السلع دون استثناء. وقد وافقت أقطار الخليج الستة على هذا المبدأ. أما البلدان الأخرى فقد قدمت كل منها قائمة بالسلع التي لا ترغب بتحريرها.
انطلاقا من هذه المعطيات وافق المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية على البرنامج التنفيذي لاتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية لعام 1981 (قرار المجلس رقم 1317 الصادر في 17 فبراير/ شباط 1997). يتناول البرنامج إقامة "منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى" حسب جدول زمني محدد يفضي إلى إلغاء الرسوم الجمركية والحواجز الكمية. وقد أبدت 14 دولة رغبتها في الانضمام، وبلغ حجم تجارتها البينية 25.7 مليار دولار أي بنسبة 94.5% من التجارة العربية البينية.

تفترض المنطقة الحرة سريان إلغاء الرسوم الجمركية والقيود الكمية على تجارة جميع أنواع السلع دون استثناء. وقد وافقت أقطار الخليج الستة على هذا المبدأ. أما البلدان الأخرى فقد قدمت كل منها قائمة بالسلع التي لا ترغب بتحريرها. وحسب تقارير لجنة التنفيذ والمتابعة يتضح أن عدد السلع المستثناة بلغ 832 سلعة. وبطبيعة الحال كلما كثر عدد الاستثناءات تضررت مصداقية المنطقة وتراجع دورها في تنمية التجارة البينية. كما أن استثناء سلعة معينة من قبل دولة ما يعطي الحق لدول أخرى في استثناء سلع مماثلة. وحتى لا تنقلب الاستثناءات إلى قاعدة عامة تفضي إلى فشل المنطقة الحرة وضع البرنامج الضوابط التي تحكم الاستثناءات، واشترط أن تقدم الدولة المعنية المبررات المقنعة من الناحية الاقتصادية وألا تتجاوز مدة الاستثناء أربع سنوات وألا تزيد قيمة السلع المستثناة على 15% من قيمة الصادرات إلى البلدان الأعضاء في المنطقة. ويمكن تقسيم التزامات الدول العربية إلى ثلاثة أصناف رئيسية:

  • الصنف الأول: إلغاء الرسوم الجمركية في غضون عشر سنوات بواقع 10% سنويا اعتبارا من عام 1998، ويستثنى من ذلك السلع الواردة في البرنامج الزراعي العربي المشترك والسلع الممنوعة لأسباب دينية وأمنية وصحية.
  • الصنف الثاني: إلغاء الضرائب ذات الأثر المماثل خلال الفترة المذكورة أعلاه وبالنسبة نفسها. ويتعلق الأمر بالرسوم التي تفوق مبالغها قيمة الخدمات المقدمة للسلع المستوردة كالرسوم المبالغ فيها المفروضة على تفريغ أو تحميل البضائع في الموانئ وكذلك الضرائب التكميلية على الواردات دون خدمة محددة ومباشرة كالضرائب على الدفاع. وأيضا الضرائب التي تسري على المنتجات المستوردة دون المنتجات المحلية كالرسوم القنصلية. وحسب البرنامج التنفيذي يتعين دمج جميع هذه الرسوم ذات الأثر المماثل في هيكل التعريفة الجمركية بهدف إخضاعها للتخفيض.
  • الصنف الثالث: إلغاء القيود الكمية. وعلى خلاف الصنفين المذكورين الخاضعين للخفض التدريجي، يجب إزالة هذه القيود فورا. إنها الحواجز غير الجمركية التي تمنع دخول السلع العربية والإجراءات النقدية المختلفة كالرقابة على التحويلات وتعقيدات فتح الاعتمادات المصرفية وتعدد الجهات الإدارية المانحة لتراخيص الاستيراد، أضف إلى ذلك التعقيدات الحدودية والمبالغة في المواصفات القياسية.

تقتصر الالتزامات المذكورة على السلع المنتجة في الدول الأعضاء في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. وهذا أمر متعارف عليه بالمناطق الحرة في العالم لأن سريان التحرير على بضائع ذات منشأ أجنبي يقود إلى التهرب الضريبي، كأن تستورد دولة عربية تطبق أسعارا جمركية منخفضة سلعة من بلد أجنبي وتعيد تصديرها لدولة عربية أخرى تطبق أسعارا جمركية مرتفعة. ولكن متى تعتبر السلعة عربية فتعفى من الرسوم الجمركية ومتى تعد أجنبية لا يسري عليها الإعفاء؟ هذا السؤال معقد لتشابك العمليات الإنتاجية من جهة ولتباين درجات الإنتاج في البلدان العربية من جهة أخرى.

وكقاعدة عامة لا توجد مشاكل كثيرة في ما يخص الزراعة وصيد الأسماك واستخراج المواد الخام، إذ ترتبط هذه المنتجات عضويا بإقليم الدولة المصدرة فيصبح المنشأ سهل التحديد. أما الصناعات التحويلية فغالبا ما يدخل فيها عنصر أجنبي. فعلى سبيل المثال ترتبط صناعة الملابس الجاهزة ارتباطا وثيقا باستيراد الخيوط والجلود والأقمشة من خارج العالم العربي، ناهيك عن كون رأسمال بعض المشاريع المنتجة أجنبيا أو مختلطا. وبمقتضى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري لعام 1981 تعتبر السلعة ذات منشأ عربي عندما تضيف إليها دولة عربية قيمة جديدة لا تقل عن 40% من قيمتها النهائية، وتهبط النسبة إلى 20% في حالة الصناعات التجميعية. السلعة عربية إذن رغم كون الجزء الأكبر من مكوناتها أجنبيا. يعكس هذا الوضع الرغبة في شمول الإعفاء الجمركي لعدد كبير من السلع، ولكن تبقى هذه المبادئ انتقالية، وتتكفل المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين بإعداد المبادئ التفصيلية والنهائية للمنشأ التي ستعرض على لجنة قواعد المنشأ التابعة للهيكل التنظيمي لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. وحسب وثائق المنظمة سيبدأ العمل بهذه المبادئ في مطلع عام 2002.

استفاد البرنامج من صعوبات وأخطاء الماضي، فبالإضافة إلى رفض الإلغاء الفوري للرسوم الجمركية وإلى تحديد معايير للسلع المستثناة من التحرير الجمركي اهتم البرنامج بالأجهزة الإدارية. فقد كان تنفيذ اتفاقية عام 1981 من مهام "لجنة المفاوضات التجارية" التي تتألف من العاملين في البعثات بمقر جامعة الدول العربية. ولم يكن أولئك متخصصين في القضايا التجارية ولم يتمتعوا بصلاحية الاتفاق واتخاذ القرارات. في الوقت الحاضر ارتأى المسؤولون الإبقاء على هذه اللجنة بعد تغيير وظائفها التي باتت تقتصر على تصفية القيود الكمية ووضع قوائم السلع المحظور استيرادها، وعهد بتنفيذ البرنامج إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي تخضع له جميع الأجهزة الإدارية وفي مقدمتها لجنة التنفيذ والمتابعة. وتتمتع هذه اللجنة بصلاحيات المجلس وتتولى معالجة حالات الإغراق وفض المنازعات التجارية مستعينة بخبراء عرب.


ترتبط صناعة الملابس الجاهزة ارتباطا وثيقا باستيراد الخيوط والجلود والأقمشة من خارج العالم العربي، ناهيك عن كون رأسمال بعض المشاريع المنتجة أجنبيا أو مختلطا. وبمقتضى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري لعام 1981 تعتبر السلعة ذات منشأ عربي عندما تضيف إليها دولة عربية قيمة جديدة لا تقل عن
40% من قيمتها النهائية
واستحدث البرنامج أمرين على درجة كبيرة من الأهمية، أولهما التزام الدول الأعضاء برفع تقارير دورية إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية التي تتولى مهمة الأمانة الفنية للمنطقة، وتتضمن هذه التقارير المشاكل التي تعترض تنفيذ اتفاق المنطقة وكذلك الحلول المقترحة لمعالجتها، وتنكب لجنة التنفيذ والمتابعة على دراسة هذه التقارير. وللأمانة العامة إعلام أي دولة عضو في حالة مخالفتها لالتزاماتها المنصوص عليها في البرنامج التنفيذي. وكي تعكس هذه التقارير الحالة الحقيقية للالتزامات تم الاتفاق على عدم الاقتصار على البيانات المقدمة من قبل الحكومات، وأصبحت المنظمات العربية المتخصصة بالزراعة والصناعة والمالية تسهم أيضا في توفير المعلومات، كما يشارك القطاع الخاص عن طريق اتحاد الغرف التجارية والصناعية للدول العربية في تقديم البيانات. على الصعيد العملي وخلال سنتي 1998 و1999 لم تقدم أي حكومة تقريرا عن التنفيذ، ومن أسباب ذلك عدم مراعاة البرنامج لقابلية الأجهزة الإدارية العربية لتوفير المعلومات الحديثة، إذ يستوجب البرنامج تقريرا كل ثلاثة أشهر. ويرتبط الأمر الثاني بالتصويت على القرارات، فعلى خلاف قاعدة الإجماع السائدة في جامعة الدول العربية، يتخذ القرار في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى بأغلبية ثلثي الأعضاء، ويسري على جميع الدول الأعضاء بما فيها تلك التي لم تصوت أو صوتت ضده مما يشير إلى رغبة حقيقية في تمتين العلاقات التجارية البينية. ويقتصر التصويت على القضايا التجارية ولا يشمل قبول عضو جديد، إذ لا تستوجب عضوية المنطقة سوى التصديق على اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية لعام 1981 وكذلك إيداع هيكل التعريفة الجمركية السائد في الدولة في نهاية عام 1997 لدى الجامعة.

يترجم هذا التطور الإرادة الفعلية في المضي قدما نحو تحسين العلاقات الاقتصادية العربية، بيد أن النتائج الإيجابية لهذا التطور لا تتحقق إلا إذا تمت معالجة المشاكل الإدارية والمالية والاقتصادية.

مواجهة المشاكل

منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى خطوة مهمة لتنمية التعاون العربي المشترك وضرورية في عالم تسوده التكتلات الاقتصادية الإقليمية. لكن هذا الهدف لا يتحقق إلا إذا نفذت الدول الأعضاء في المنطقة التزاماتها. كما لا يكفي وجود هذه المنطقة لتطوير المبادلات التجارية البينية إن لم تعالج المشاكل المختلفة. وخلال السنوات الثلاث الأولى 1998 و 1999 و2000 التزمت جميع الدول الأعضاء التزاما كاملا بالخفض التدريجي للرسوم الجمركية. أما تنفيذ الالتزام بتقليص الضرائب ذات الأثر المماثل فلا يتجاوز 58%، واقتصر التنفيذ على بلدان مجلس التعاون الخليجي التي لا تعرف أصلا مثل هذه الضرائب، كما اتضح أن ضعف التنفيذ ارتكز على القيود الكمية، إذ لم تقم أي دولة بإلغائها. وتتراوح نسبة التنفيذ بين 39% و56% فقط. والواقع لا يقتصر هذا الضعف على منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى بل يشمل أيضا جميع الاتفاقات الثنائية ومتعددة الأطراف ذات الطابع الاقتصادي. فينبغي إذن بذل الجهود لتذليل العقبات التي غالبا ما تتخذ بعدا إداريا.

ومن جهة أخرى لا بد من معالجة الآثار المالية السيئة الناجمة عن تقليص الرسوم الجمركية، إذ تعتمد البلدان العربية غير الخليجية على هذه الرسوم في إيراداتها العامة وتمويل نفقاتها، فعلى الرغم من الإصلاحات الاقتصادية الهادفة إلى تحرير التجارة الخارجية لا تزال حصيلة الرسوم الجمركية تشكل مصدرا أساسيا من مصادر الإيرادات العامة في مصر والأردن وتونس والمغرب. ولما كانت ميزانيات هذه البلدان تعاني من عجز مزمن فإن أي تقليص لهذه الرسوم يقود إلى ارتفاع العجز المالي مما يستوجب تغطيته بالقروض الداخلية والخارجية فتتراكم الديون أو بالإصدارات النقدية فترتفع الأسعار أو بهذين الأسلوبين معا.

يتعين عدم المبالغة في حجم هذه الآثار السيئة نظرا لضعف المبادلات البينية، لكن خطر تفاقم العجز قائم بسبب التحرير التجاري. وتختلف درجة الخطر حسب أهمية الواردات البينية، فكلما ارتفعت حصة هذه الأخيرة هبطت الحصيلة الضريبية. وعلى هذا الأساس فإن تحسين العلاقات الاقتصادية العربية يجب أن يعوض الخسارة المالية عن طريق رفع مستويات الاستثمارات والمبادلات البينية.

وتلعب السياسة النقدية دورا كبيرا في الأنشطة الاقتصادية لا سيما التجارة الخارجية والعمليات الجارية الأخرى، فكلما تحررت العملة نمت التجارة الخارجية والعكس بالعكس. وهذه العلاقة من أهم وأخطر العلاقات التي تواجه السياسات الاقتصادية. ويرتكز تحرير العملة على ثلاثة مبادئ أقرتها المادة الثامنة من اتفاقية صندوق النقد الدولي:
أولها تجنب فرض القيود على مدفوعات المعاملات الجارية لأن هذه القيود تجعل العملة غير قابلة للتحويل وتعرقل بالتالي اندماج البلد في الاقتصاد العالمي، كما تجعل القطاع الخاص تحت رحمة التدخل الحكومي، ناهيك عن أن رؤوس الأموال الأجنبية التي تحتاجها البلدان العربية تعتبر العملة غير القابلة للتحويل عائقا أمام الاستثمار.
ويتضمن المبدأ الثاني عدم اتباع نظام تعدد أسعار الصرف، إذ إن توحيد سعر الصرف يزيد الثقة بالعملة ويقضي على فوضى التعدد ويقلص تدخل الدولة في المبادلات الجارية وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية اليومية.
أما المبدأ الثالث فيتمثل في تحرير العمليات الرأسمالية من جميع القيود وفي مقدمتها عدم المقدرة على استبدال عملة أخرى بالعملة المحلية.
ويمكن اعتبار دول مجلس التعاون الخليجي ولبنان والأردن الوحيدة في العالم العربي التي لا تفرض أي قيد من القيود المذكورة أعلاه.


لا يمكن تنمية التجارة العربية البينية إلا إذا تمت معالجة مشكلة ضعف هياكل الإنتاج.
ولا يمكن تنمية التجارة العربية البينية إلا إذا تمت معالجة مشكلة ضعف هياكل الإنتاج. فمن ناحية ينتج العالم العربي مواد لا يحتاجها بكاملها في أسواقه المحلية، وأوضح مثال على ذلك النفط حيث لا يزيد الاستهلاك على 17% من الإنتاج. ويحتاج العالم العربي لأنواع عديدة من السلع لا تنتجها أجهزته بصورة كافية على المستويين الكمي والنوعي. ففي الميدان الزراعي تبلغ قيمة الفجوة أكثر من 19 مليار دولار سنويا وتنصب على منتجات لا تقبل الاستغناء أو الاستعاضة كالحبوب. أما المواد المصنعة فهي تستحوذ على 67% من مجموع الواردات العربية، وهي تقريبا النسبة نفسها التي تحتلها المنتجات الطاقية في الصادرات. ولما كانت المواد المصنعة تنتج في الولايات المتحدة وأوروبا وبعض البلدان الآسيوية، ولما كانت هذه المجموعات أكبر سوق لتصريف المنتجات الطاقية فإن الجزء الأكبر من التجارة العربية يجري معها وبالتالي تنتفي الحاجة إلى المبادلات البينية فتصبح ضعيفة. وعلى هذا الأساس يلعب تحرير التجارة دورا ثانويا قياسا بدرجة مرونة هياكل الإنتاج. فإن استمر وضع الإنتاج العربي على هذا النحو فلن تؤثر المنطقة الحرة في التجارة البينية تأثيرا يستحق الذكر. لذا فإنه ينبغي العمل على تنويع القاعدة الإنتاجية وتحسين كميات الإنتاج ورفع الكفاءة النوعية للمنتجات. وما يثبت صحة هذا التحليل النتائج الإيجابية التي حصلت عليها مجموعة المركوسور، حيث ارتفعت حصة التجارة البينية لدول أميركا اللاتينية لأنها صناعية وزراعية في آن واحد ولأن الجزء الأكبر من تجارتها ينصب على سلع تنتج محليا. وينطبق هذا التحليل على مجموعة آسيان. وفي الحالتين أسهمت منطقة التبادل الحر دون أن تكون العامل الوحيد في تنمية التجارة البينية.

أصبح من الضروري التنسيق بين البلدان العربية بشأن التخصص في الإنتاج حسب الأحوال الاقتصادية لكل دولة، إذ إن وجود منطقة حرة مع إنتاج سلع قليلة ومتشابهة في عدة أقطار عربية يقود إلى منافسة حادة دون الحصول على نتائج إيجابية. لا شك في أن المنافسة ضرورية للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ولكن الاندماج التجاري العربي وهو الهدف من المنطقة الحرة لا يتحقق إلا عبر التخصص المنظم الذي يكفل تحسين المقدرة الإنتاجية. هذا الأسلوب يشجع الاستثمارات العربية البينية ويوفر المناخ المناسب للاستثمارات الأجنبية ويطور القدرة التنافسية للسلع العربية المصدرة إلى خارج المنطقة، كما يسمح بالاستخدام الأمثل للعمالة والأطر العلمية والفنية. عندئذ تنمو الصناعة والزراعة وتزدهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ومن زاوية أخرى يستوجب تحرير التجارة العربية وتنميتها تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وتظهر هذه العلاقة بين التجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية واضحة جدا في جميع الدول العربية، إنها الطريق الأمثل لوصول السلع إلى أسواق الدول الصناعية، إضافة إلى كونها الوسيلة الأساسية لنقل التكنولوجيا الحديثة والاستفادة من الخبرات في شتى الميادين.

في عام 1998 قدرت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم بحوالي 440 مليار دولار خصص منها 162 مليار دولار للبلدان النامية. وبلغت حصة العالم العربي منها 3.1 مليارات دولار أي 0.7% من الاستثمارات في العالم و1.9% من الاستثمارات في البلدان النامية. وحصلت البرازيل وحدها على استثمارات تعادل خمسة أضعاف ما حصلت عليه جميع الأقطار العربية، واستحوذت مصر والمغرب والسعودية وتونس على ثلثي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم العربي.

لا شك في أن غالبية الدول العربية تمنح امتيازات مغرية للاستثمارات الأجنبية، خاصة الإعفاءات الضريبية التي تصل إلى 15 سنة وتتناول مختلف أنواع الضرائب المباشرة وغير المباشرة. لكن الدراسات التي قامت بها "إدارة الخدمات الاستشارية للاستثمار الأجنبي" التابعة للبنك العالمي تبين أن هذه الإعفاءات غير ضرورية لتشجيع الاستثمار الجاد، فهي تربك مالية المستثمر الأجنبي لارتفاع العبء الضريبي عند انتهاء مدة الإعفاء، كما أصبحت البلدان النامية تتنافس في منح الامتيازات الضريبية وغير الضريبية للأجانب دون المواطنين مما يتعارض مع مبادئ الإنصاف. ويشجع هذا الأسلوب على هروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج. وقد تدخل مرة أخرى إلى البلد بصفتها استثمارات أجنبية. ومن زاوية أخرى أوضحت التجارب أن ضرورة موافقة السلطات المختصة على تقرير الإعفاءات الضريبية أدت إلى تعقيد الإجراءات الإدارية وإلى تزايد الرشوة. لقد بات من اللازم إلغاء هذه الإعفاءات والاستعاضة عنها بضرائب ثابتة وملائمة لنمط الاستثمار. وبات من الضروري لتنمية التجارة العربية البينية والخارجية التصدي للأسباب الحقيقية لضعف الاستثمارات الأجنبية.

على صعيد التنظيم العالمي تلتزم الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بإزالة الإجراءات المقيدة للاستثمارات الأجنبية المباشرة. إنها الشروط التي تضعها القوانين الداخلية كأن تفرض عليها استخدام مواد محلية للقيام بعملياتها أو إنتاج نسبة معينة مخصصة للاستهلاك المحلي وأخرى للتصدير. وبمقتضى الاتفاق المتعدد الأطراف لجولة أوروغواي يجب إلغاء هذه الإجراءات خلال سنتين في الدول الصناعية وخمس سنوات في الدول النامية وسبع سنوات في الدول الأقل نموا وذلك اعتبارا من عام 1995. يظهر بوضوح أن هذا الاتفاق لا يعكس العقبات التي تواجه الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلدان العربية والتي تؤثر بشدة في تجارتها الخارجية.

والعالم العربي من المناطق الأكثر تأزما في العالم حيث تتصارع فيه المصالح الإستراتيجية الدولية وتكثر فيه الصراعات الداخلية والحروب الأهلية والتوترات الإقليمية. ونجم عن هذا الوضع المتردي تباطؤ الاستثمارات الأجنبية المباشرة، في حين أن المجالات الاستثمارية واسعة ليس فقط في الصناعة النفطية بل كذلك في الصناعات التحويلية والزراعة والسياحة.

كما تعاني التجارة الخارجية من إجراءات معقدة ومضرة، فلتخليص سلعة من المنافذ الجمركية لبعض البلدان العربية لا بد من الحصول على موافقات يصل عددها أحيانا إلى العشرين، وتستغرق معاملات التصدير والاستيراد أكثر من شهر. وهذا الوضع يقود إلى ارتفاع تكاليف التجارة الخارجية ومن ثم إلى تدني القدرة التنافسية للسلع العربية، ناهيك عن تعرض بعض البضائع للتلف. لذا فإنه يتعين إعطاء الأولوية لهذه المشكلة الإدارية التي لا يجوز معالجتها تدريجيا بل فورا لخطورتها على اقتصاديات الدول المعنية ولدورها السلبي في المبادلات.

وتقف القوانين حجر عثرة أمام رؤوس الأموال الأجنبية، ففي بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي تستوجب الأنظمة مشاركة المواطن في المشروع الذي يقيمه الأجنبي، وقد تكون هذه المشاركة غير ضرورية من وجهة نظر الأجنبي. ولمعالجة هذه المشكلة وتحت ضغط منظمة التجارة العالمية برز اتجاه في السنوات الأخيرة يدعو إلى إلغائها أو إلى زيادة حصة المستثمرين الأجانب، فعلى سبيل المثال كان القانون التجاري لسلطنة عمان يحدد مساهمة الأجانب بنسبة لا تزيد على 49% من رأس مال المشاريع المحلية، ولم تستطع عمان الحصول على العضوية في المنظمة إلا بعد أن وافقت على زيادة النسبة إلى 70% كقاعدة عامة، ويمكن أن تصل إلى 100% في ميدان الخدمات المالية والتأمين.

ولا يهتم المستثمر الأجنبي بتأسيس مشاريع خاصة به فحسب بل يسعى أيضا إلى شراء حصص في الشركات المحلية بما فيها شركات القطاع العام المعدة للتخصيص. فبين 1993 و1996 بلغت الإيرادات الحكومية من جراء بيع المشاريع العامة عن طريق التخصيص في شرق آسيا 26198 مليون دولار، وأسهمت الاستثمارات الأجنبية فيها بمبلغ 13787 مليون دولار أي بنسبة 53% من الإيرادات. أما في المنطقة العربية فقد بلغت إيرادات التخصيص 3422 مليون دولار وأسهمت الاستثمارات الأجنبية فيها بمبلغ 571 مليون دولار أي بنسبة 17% فقط. ويعود ضعف هذه الإيرادات وهذه المساهمة مقارنة بالمناطق الأخرى من العالم إلى أن التخصيص في الأقطار العربية لا يزال في مراحله الأولى، كما أن أغلب عمليات التخصيص التي جرت في مصر والمغرب وتونس تناولت مشاريع صغيرة نسبيا غير مهمة للمستثمرين الأجانب ناهيك عن كون أغلبها يعاني من خسارة ومديونية.

كما تسجل الموازين الجارية لعدة بلدان عربية عجزا مزمنا يجعلها مضطرة للاقتراض من الخارج فتزداد الديون التي أصبحت المشكلة المالية الأولى. وترتبط الديون الخارجية بقرار الاستثمار باعتبارها إحدى المؤشرات الأساسية لاتخاذ القرار نظرا لدورها في تقليص المقدرة المالية للدولة وإضعاف قابليتها على تحويل الأرباح إلى الخارج.


لا يتوفر العالم العربي على جهاز إعلامي فاعل لجلب الاستثمارات الأجنبية، فالمراكز الوطنية مؤسسات دعائية وحكومية لا تبين إلا الجوانب الإيجابية لبلدانها وتروج لأنشطة تحتاجها الدولة دون النظر إلى جدواها للمستثمرين الأجانب.
وأخيرا لا يتوفر العالم العربي على جهاز إعلامي فاعل لجلب الاستثمارات الأجنبية، فالمراكز الوطنية مؤسسات دعائية وحكومية لا تبين إلا الجوانب الإيجابية لبلدانها وتروج لأنشطة تحتاجها الدولة دون النظر إلى جدواها للمستثمرين الأجانب. وتقتصر الجهود الجماعية على المؤسسة العربية لضمان الاستثمار رغم أن دورها الأساسي هو التأمين ضد المخاطر التي تتعرض لها الاستثمارات العربية البينية. إنها المنظمة العربية الوحيدة التي تهتم بالمعلومات المتعلقة بمناخ الاستثمار. لكن هذه المعلومات صادرة مباشرة من الحكومات ولا تتضمن سوى المؤشرات الاقتصادية الكلية بصورة مقتضبة يصعب على المستثمر توظيفها والاعتماد عليها. وبات من اللازم إنشاء جهاز إعلامي عربي موحد تشرف عليه مؤسسات القطاعين العام والخاص وبالتعاون مع المنظمات العربية المتخصصة، يتمتع بحرية واسعة في تقدير المناخ العام للاستثمار، ويتولى توفير المعلومات عن المشاريع المختلفة المراد تمويلها باستثمارات أجنبية وحجم رأس المال والامتيازات المالية والضريبية والسوق الداخلية والخارجية والبنية التحتية ومعدلات الأرباح المتوقعة. وبطبيعة الحال لن تؤدي بالضرورة وفرة ومصداقية وحداثة المعلومات إلى تكالب الاستثمارات الأجنبية، لكن غياب هذه المعلومات يؤثر سلبيا في تدفق هذه الاستثمارات ويقود بالتالي إلى ضعف الأهمية التجارية للبلدان العربية.

نحو اتحاد جمركي عربي

يستند تنظيم التجارة العالمية على عدة مبادئ، في مقدمتها مبدأ الدولة الأولى بالرعاية الذي يقضي بأن الامتيازات التي يمنحها عضو في منظمة التجارة العالمية لعضو آخر يجب أن تسري على جميع الأعضاء الآخرين. ومن الزاوية المنطقية تصبح جميع التكتلات كيفما كان شكلها (منطقة تبادل حر أو اتحادا جمركيا أو سوقا مشتركة) متناقضة مع هذا المبدأ لأنها تمنح امتيازات تجارية للدول المنضوية تحت التكتل فقط، لكن الاتفاقات المتعددة الأطراف سمحت بإقامة هذه التكتلات وفق ضوابط محددة، وفسر هذا السماح بأن التكتلات تسهم في تنمية التجارة العالمية، وهو الهدف الذي تسعى إليه المنظمة، وبالتالي لا يسري ذلك المبدأ إلا على الدول غير المتكتلة.

تتسم التجارة العربية البينية بالضعف مقارنة بالتجارة البينية لمناطق أخرى من العالم، سواء تعلق الأمر بدول صناعية كالاتحاد الأوروبي أم بدول نامية كأميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. وضعف مبادلات التجارة البينية يعني ضعف المصالح المشتركة وبالتالي غياب المواقف الموحدة في المحافل الدولية بما فيها منظمة التجارة العالمية. وغياب هذه المواقف وسط تكتلات اقتصادية إقليمية يقود إلى تحمل سلبيات التنظيم الجديد للتجارة العالمية دون الاستفادة القصوى من إيجابياته. وقد أبدت الأقطار العربية رغبتها في إنشاء اتحاد جمركي عبر اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري لعام 1981، حيث نصت مادتها الثامنة على ما يلي "يتم التفاوض بين الأطراف المعنية لفرض حد أدنى موحد ومناسب من الرسوم الجمركية والضرائب والقيود ذات الأثر المماثل على السلع التي تستورد من غير الدول العربية وتكون منافسة أو بديلة للسلع العربية..".

منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى رغم أهميتها لا تمنح أي ثقل دولي للعالم العربي، لأنها تعبر فقط عن رغبة أعضائها في زيادة التبادل البيني، في حين يعكس الاتحاد الجمركي إرادة أعضائه في مواجهة المبادلات الخارجية بموقف موحد. ويلاحظ أن منظمة التجارة العالمية لا تقبل عضوية التكتلات إلا إذا كانت تعبر عن سياسات اقتصادية ومالية موحدة. فعلى الرغم من ظهور عدد كبير من التكتلات الاقتصادية في العالم ترقى إلى مستوى الأسواق المشتركة لم تقبل المنظمة سوى الاتحاد الأوروبي الذي يمثل 15 دولة. وعلى هذا الأساس لن تتم الموافقة على عضوية الاتحاد الجمركي العربي في حالة قيامه نظرا للاختلاف الكبير بين السياسات الاقتصادية والمالية للأقطار العربية.

يستمد الاتحاد الجمركي مصداقيته من منطقة التبادل الحر، فكلما كانت درجة تنفيذ الالتزامات في إطار المنطقة عالية يصبح الاتحاد متيناً، وكلما اتسعت أصناف التجارة في المنطقة يصبح الاتحاد فاعلا. وعلى الصعيد العملي لا تزال القيود الكمية تعرقل تنمية المبادلات العربية البينية، كما يقتصر البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى على المبادلات السلعية. لا شك في أن تجارة الخدمات ضعيفة مقارنة بتجارة السلع، لكن هذا الضعف لا يفسر عدم سريان التحرير التجاري على الخدمات. هنالك عوامل اقتصادية وسياسية تحول دون ذلك، فمن السهل إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على الملابس الجاهزة والمواد الغذائية، ولكن من الصعب تقليص القيود الكمية على الاتصالات والعمليات المصرفية. ويلاحظ أن تقييد تجارة الخدمات لا يقتصر على المبادلات البينية بل يشمل أيضا المبادلات الخارجية، إذ لم تلتزم غالبية الدول العربية الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بالاتفاق المتعدد الأطراف الخاص بالخدمات إلا في بعض المجالات كالسياحة.

وكما هو الحال في منطقة التجارة الحرة يتعين أن يسهل الاتحاد الجمركي المبادلات التجارية بين الدول الأعضاء وألا يقود إلى وضع عراقيل أمام تجارة الدول غير الأعضاء. ولكن على خلاف منطقة التجارة الحرة يستوجب الاتحاد الاتفاق على جدول جمركي موحد يسري على سلع الدول غير الأعضاء. ترى كيف يمكن التوصل إلى هذا الجدول الموحد بحيث لا تتضرر تجارة الغير؟ في أغلب الأحيان يصعب التوفيق بين هذين الأمرين نظرا للاختلاف الكبير في الأسعار الجمركية للبلدان العربية، فالأسعار المفروضة على استيراد السلع تتراوح بين 10% و50% وتصل أحيانا إلى أكثر من ذلك. وتوحيد الجداول (لكل سلعة سعر خاص موحد) يفترض بالضرورة الاعتماد على الجداول الوطنية السائدة قبل تأسيس الاتحاد ثم تتولى لجنة متخصصة تحديد متوسط الأسعار، والمتوسط هو الجدول الموحد، وينجم هذا التحديد عن دراسات اقتصادية ومالية وعن التوفيق بين المصالح المتعارضة.

ولكن في جميع الحالات تقريبا يفضي الجدول الموحد إلى تقليص الرسوم الجمركية للدول التي كانت تطبق رسوما مرتفعة وإلى زيادة الرسوم الجمركية للدول التي كانت تطبق رسوما منخفضة. في الحالة الأولى لا توجد مشكلة على صعيد تنظيم المبادلات العالمية الذي يسعى إلى تخفيف الرسوم الجمركية وإلى إلغائها، وترتبط المشكلة فقط بمالية الدولة المعنية ومدى استعدادها على التنازل عن بعض إيراداتها العامة لصالح الاتحاد. أما الحالة الثانية فتثير بعض المشاكل إن كانت الدولة التي رفعت رسومها الجمركية منتمية إلى منظمة التجارة العالمية، لأنها التزمت بموجب الاتفاقات المتعددة الأطراف بوضع حد أعلى لرسومها الجمركية لا يجوز تجاوزه إلا في نطاق سياسة مكافحة الإغراق أو التدابير الوقائية وتحت شروط محددة. وبطيعة الحال لا علاقة للانضمام إلى الاتحاد الجمركي بهذه السياسة والتدابير. وعلى هذا الأساس يقود الاتحاد إلى الإضرار بمصالح البلدان غير الأعضاء فيه، الأمر الذي يربك العلاقات التجارية إن كانت هذه البلدان منتمية إلى منظمة التجارة العالمية، لذلك ينبغي الدخول بمفاوضات مع البلدان المتضررة بهدف إيجاد الحلول المناسبة التي تفضي إلى ما يسمى بالإجراءات التعويضية، وتتمثل هذه الإجراءات بمنح امتيازات تجارية أو مالية جديدة للدول المتضررة تتعلق بالاستثمارات مثلا. ويمكن لدول الخليج أن تتعرض لهذه المشكلة لأن معدل رسومها الجمركية أضعف بكثير من معدل الرسوم السائدة في الدول العربية الأخرى.

لا يفترض الانتقال إلى الاتحاد الجمركي انضمام جميع أعضاء المنطقة الحرة بل يكفي استعداد بعض الدول. بمعنى آخر أن الاتحاد الجمركي لا يلغي المنطقة الحرة، ومن هذا الباب يمكن للدول العربية الأخرى الانتماء إلى المنطقة دون الاتحاد، ويتبين من تجربة المركوسور نجاح هذه الفكرة، ففي عام 1991 وقعت البرازيل والأرجنتين وأورغواي وباراغواي على معاهدة لإنشاء منطقة تجارية بينها تحولت في عام 1995 إلى اتحاد جمركي. ولم يمنع هذا التطور دخول تشيلي عام 1996 وبوليفيا عام 1997 إلى المنطقة الحرة للمركوسور مع رفضهما الانضمام إلى الاتحاد.

يستوجب الاتحاد الجمركي إحداث مؤسسات تنسجم ومتطلباته، إذ ينبغي أن يجتمع رؤساء الدول الأعضاء فيه دوريا لوضع السياسة العامة للاتحاد، وأن يكون له مجلس مكون من وزراء التجارة والاقتصاد والخارجية مهمته اتخاذ القرارات وفق توجيهات الرؤساء، لأن الاتحاد الجمركي يتناول قضايا تجارية تؤثر مباشرة في الاقتصاد المحلي لكل دولة من ناحية وفي علاقات البلدان الأعضاء مع الدول الأجنبية من ناحية أخرى، كما يستوجب بطبيعة الحال لجنة تنفيذية تطبق قرارات مجلس الوزراء.

قطعت البلدان العربية شوطاً لا يستهان به في ميدان التعاون التجاري رغم المعوقات التي يتعين تذليلها، ولا بد في الوقت نفسه من تكثيف الجهود الرامية إلى إنشاء اتحاد جمركي عربي، إذ من دونه لا يتصور قيام سوق مشتركة لاحقا تكتفي بتحرير التجارة البينية وتوحيد الرسوم الجمركية، بل تتطلب كذلك حرية واسعة لانتقال رؤوس الأموال بين الأقطار العربية وتنسيق السياسات الاقتصادية.
_________
باحث اقتصادي- فرنسا